ينتقل الحديث مع رجل الأعمال عيسى حمزة الأسود من فترة زمنية الى أخرى، لكن هذا الانتقال، يعطي لكل مرحلة سماتها وخصائصها بالنسبة إلى مشوار عمل في قطاع التجارة والاستثمار، وصولا الى الحديث عن فكرة مشروع أحدث مجمع على شارع البديع وهو مجمع «كاونتري مول»، الذي يعتبر واحدا من أكثر المواقع التي يرتادها المواطنون والمقيمون من مختلف مناطق البحرين.
وتبدو المحطات التي مر بها محدثنا متعددة، لكنها يمكن أن تكون بمثابة الحافز للآخرين والدافع للإنجاز، مهما كانت الصعوبات، فالحاج عيسى الأسود يشرح تجربته فيقول:
بدأت من الصفر، وقد عملت في العمل في الفلاحة والزراعة، ثم توجهت بعد ذلك للعمل بائعا متنقلا في القرى، محاكيا في ذلك الوالد الذي كان متعدد المهن ويعمل في البساتين ويستأجر بعضها ليعمرها فيما كنت أتابعه وأشاهد كيف يعمل في أكثر من مهنة، فتعلمت منه الكثير وقررت أن أكون مثله.
وبدأت أول ما بدأت في فترة الخمسينيات، وكان ذلك في محل صغير بقرية كرانة، وكنت في ذلك الحين قررت الانضمام الى شركة معروفة في تلك الحقبة تسمى شركة «أكمي» وهي شركة تتعاقد مع الشركات الكبرى كبابكو وغيرها من الشركات التي تتطلب التزود بالأيدي العاملة، وفي ذلك الوقت، لم يكن التقديم للوظائف عن طريق الاستمارات والأوراق والسيرة الذاتية، بل كان عن طريق الوقوف في طابور ثم يأتي رئيس العمال ويختار من الواقفين في الطابور «على النصيب»! وحين «صار لي نصيب» وتوفقت، اجريت أول لقاء لي مع الإدارة في شركة بابكو وكان عمري أقل من 16 عاما فأبلغت الذي أجرى معي المقابلة بأن عمري 16 عاما، لكنه كان قد أدرك بأنني لست في ذلك السن فقال: «أنت أقل من ذلك عمرا لكنك تريد أن تعمل... صح»، فقلت له بأن ذلك صحيح وأنني أريد العمل، وحين بدأت عملي في الشركة، الحقوني بقسم يسمى «وارث» وهو القسم المعني بالشحن وتحميل البضائع ومناولتها من السفن التي تتعامل معها شركة بابكو، وكان العمل يمتد على فترات كل فترة تستقطع 15 يوما، وكان رؤساء العمال، ومن بينهم السيد عدنان السيد محفوظ الذي كان يحدد العمل ويقدم نظام العمل وسلوكه ويحدد كذلك المسئولين عن المجموعات ليبدأ مشوار العمل بعد ذلك.
ذكريات الراتب الأول
وما هي ذكرياتكم مع أول راتب تسلمتموه؟
- أتذكر أن الأجر كان على هيئة «يومية» مقدراها 600 فلس، لكننا كنا نتسلم راتبا قدره 12 دينارا كل 15 يوما، يعني (120 روبية) كما كنا نقول في السابق، وبعد ذلك، ومع ممارسة العمل، سعيت لتطوير نفسي وحصلت على فرصة للتدرب في مجال السياقة، وبذلت جهدي ونجحت ثم عملت لدى الشركة في مجال نقل المحركات والآلات، كما عملت في خدمات تصليح «البنجر». والذي أريد أن أقوله، وأنا في هذا المسعى على مدى 5 سنوات، ارتفع أجري اليومي الى 750 فلسا باعتبار أن الزيادة السنوية كانت 25 فلسا، ولم اعتمد على الوظيفة فحسب، بل اتجهت للعمل في البيع، وافتتحت لي بقالة في كرانة لبيع المواد الغذائية وجزء منها خصصته لبيع الملابس والأحذية.
وكنت دائم التفكير في تطوير العمل، فقررت أن أتوسع؛ فبالإضافة الى الأغذية والملابس، فكرت في أن أدخل مجال الإلكترونيات، وتعاملت مع شركة «المؤيد»، ثم انتقلت لتوفير الثلاجات من خلال شركة جنرال الكتريك أو «السهم الذهبي» وكان هناك تعامل مع شركة «روبين» أيضا، وكان البيت القديم في ذلك الزمان، أي في فترة حكم الشيخ سلمان بن حمد، هو مكان ممارسة العمل، لكن في ذلك الوقت، كان من اليسير الحصول على أراضٍ، فقد تقدمنا أنا واخي إبراهيم وحصلنا على قطعة أرض وشرعنا في بنائها بالحصى والرمل وأنشأنا فيها متجرا لبيع المواد الغذائية والملابس.
تدشين العمل التجاري
منذ متى بدأتم في العمل التجاري، وكيف كانت البداية وأين؟
- قررت شراء أراضٍ في قرية كرانة، وفعلا بدأنا العمل وصرنا نبحث عن أراض على شارع النخيل، واشترينا ما مجموعه 4 أراض من مالكها يعقوب كمال بنحو ألف دينار للأرض (آنذاك) في أواخر فترة الستينات، وكانت مساحة الواحدة منها 50 في 50 قدما، واتممنا بناء طابقين، وكانت الخدمات محدودة في ذلك الوقت، كما أن الرخصة التي حصلنا عليها من البلدية هي لبناء منزل وليس لتخصيص محال تجارية، وكان وزير البلديات في ذلك الوقت هو رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية اليوم الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة، وكان للشيخ مجلس اسبوعي يستقبل فيه الناس، ولأنني واجهت المشكلة مع البلدية، قررت أن اتجه الى مجلسه وفعلا، كان الناس هناك يجلسون واحدا تلو الآخر ليقابلوا الشيخ ويعرضوا عليه شكواهم، وكان يستقبلهم بدماثة خلق ورحابة صدر وبكل أخلاق، وحين أتى دوري عرضت عليه المشكلة، وشرحت له وضعية المبنى، واعترفت له بأنني كنت مخطئا منذ البداية في عدم الإشارة الى تخصيص محال تجارية في المبنى، وأنا أريد أن أبدأ حياتي العملية من جديد في البيع والشراء، ولم يقصر الشيخ عبدالله، وأمر بتيسير المعاملة ولله الحمد، كانت تلك البداية الموفقة.
ومع ذلك، أريد أن أقول انه على رغم كل الصعوبات، كان البيع في تلك الفترة طيبا كريما إذ كنا نبيع بما يقارب 25 الى 30 ألف دينار في اليوم، وليس الوضع كما هو الآن في معرضين على شارعين رئيسيين الأول في قرية القدم والثاني على شارع سند، ولا يصل البيع الى ألف دينار في اليوم! لقد بدأت أول ما بدأت في بيع المواد الغذائية والملابس ثم انتقلت للإلكترونيات والمفروشات، وكان العمل نشطا على رغم عدم وجود رقابة على المحاسبين والعمال والموظفين، لكن كان الصدق هو السائد، وعملت أنا بمساعدة من الآخرين المقربين الذين يجب ألا نبخس حقهم، فقد وقف معي أخي جاسم وابني حمزة ولدينا أخينا أحمد جمعة البصري الذي بدأ عمله معنا وهو صبي صغير، ولازمنا وعمل معنا بجد وإخلاص، وهنا أبناء أختي وابناء أخي للأمانة، كلهم شاركوا معي في العمل بجد واجتهاد.
قصة معرض «القدم»
ويستطرد الأسود: دعني أنتقل معك الى المقر القائم الآن في منطقة القدم، حيث شرعنا في التفكير في المعرض على شارع البديع، فقد اشتريت الأرض الخاصة بالمعرض، وكان سعرها آنذاك عشرة آلاف دينار، وكان لدي خطتي في البناء، فأنا لم أكن استعين بالمقاولين ولكنني أعمل بنفسي، فأحضر مجموعة من العمال وابدأ في البناء، ولذلك، مضيت في العمل لكي أبني، ولم أتدين فلسا واحدا وقتذاك، اكتمل المعرض، ثم بدأت العمل وحصلت على دعم الوكالات التجارية وكذلك بعض التجار مثل فاروق المؤيد، فقد كنت أعمل معهم وحتى الآن بكل أمانة، حتى أنني كنت اشتري بضائع تصل الى المليون دينار، ولم يكن المؤيد يعترض على البيع بالدين ويرحب بالتعامل لأن عملنا كان مبنيا على الثقة وكانت الأموال تعود الى أصحابها، وكذلك في تعاملنا مع متجر روبين، فلم يقصر أصحاب الوكالات وكانوا يغنوننا عن الاقتراض من الديون التي تحتسب عليها الفوائد، فيما لم يقصروا معنا ويبيعون لنا بلا فوائد.
في بداية العمل بالمعرض في قرية القدم، كنا نعمل في معرض مفتوح من الجانبين، وهناك ثقة كبيرة، فسبحان الله، أن هناك ثقة كبيرة بين الناس، وكنا نعمل في البيع مع ابني حمزة، فلم يكن هناك في المحل الا مصابيح متدلية بالأسلاك، لكن استمر العمل حتى اكتمال المعرض، وبعد ذلك، اغلقنا معرض قرية كرانة وهذا فضل من رب العالمين.
مجمع «كاونتري مول»
هل يمكن أن نتحدث الآن عن مجمع «كاونتري مول» وكيف جاءت فكرته؟
- الأرض التي بني عليها المجمع بقيت لمدة ثلاث سنين بعد أن اشتريتها، إذ أوقفت العمل، فقد كلفتني نحو 300 ألف دينار، وكان سعر القدم وقت شرائها أقل من 3 دنانير، حتى أن البعض كان مندهشا من اختيار الموقع والبعض الآخر لم يكن يعتقد أن اختيار الموقع كان موفقا.
وخطوات العمل في المشروع بدأت بتعمق في الفكرة، حيث ناقشت مع الأبناء التفاصيل الدقيقة للموضوع وقد تأخر التنفيذ حيث كان ابني «علي» يفكر بصورة خاصة في انشاء مجمع بتصاميم حديثة تواكب الحركة العمرانية والنشاط التجاري في البحرين والخليج، وخصوصا أن منطقة شارع البديع تفتقر لمثل هذا النشاط، كما أن مجمع «كاونتري مول» يعتبر أول مجمع تجاري حديث على شارع البديع، وهذا شيء نفتخر به كثيرا.
ولابد من الإشارة الى أن تعديل التصاميم والبناء كلف كثيرا خصوصا حينما قمنا بهدم جزء مما تم بناؤه ليعاد التصميم من جديد لضمان سعة أكبر للمحال التجارية وللمرافق التابعة للمجمع، وعلى العموم، كان التأخير في تنفيذ المشروع الذي لاحظه الكثير من الناس يعود الى الوقت الذي تطلبته عملية إعادة التصاميم بالتعاون مع مكتب صلاح الدين للهندسة.
وبالنسبة إلى كلفة المشروع، فقد بلغت 5 ملايين دينار، وقد أوكلت عملية إدارة المجمع الى إدارة مؤهلة ومتمكنة فإدارة المجمع وتيسير خدماته تتطلب عملا متقنا ومحترفا.
الحاجة إلى تصنيف الشوراع
وما هي وجهة نظرك باعتبارك رجل أعمال في ما هو مطلوب لتنشيط القطاع الاقتصادي والتجاري في البلاد؟
- من المهم جدا إعادة النظر في نظام تصنيف الشوارع التجارية، فالكثير من المستثمرين أصبحوا يترددون في شراء بعض الأراضي بسبب الخوف من عدم تصنيفها كشوارع تجارية وبالتالي تتعطل مشروعاتهم، فنحن في حاجة فعلية إلى تطوير التشريعات والقوانين على أن تناسب الحاجة القائمة في السوق من خلال دراسته بدقة، ومن تجربة شخصية، اشتريت ثلاث أراض في منطقة جدعلي ولم يكن الشارع تجاريا وقتها، وقد واجهت صعوبة في استثمار الأراضي، لكن بعد تصنيف الشارع تجاريا نشط الوضع وأصبح مشجعا على الاستثمار لكنني كنت قد بعت الأراضي الثلاث! فالتسهيلات مطلوبة، بدءا من تصنيف الشوارع الى تسهيل التراخيص ومنها أيضا السماح ببناء ثلاثة أدوار، وفي الواقع، فإنه كلما تم تقديم التسهيلات للمستثمرين، كلما استفادت قطاعات وأجهزة حكومية كثيرة كالبلديات والكهرباء والماء.
القطاع العقاري نشاط ناجح
ويختتم الحاج عيسى الأسود اللقاء بخلاصة تجربة يقدمها الى الشباب، إذ يوجه كلامه الى وزارة التنمية الإجتماعية وبنك التنمية وكذلك وزارة الصناعة والتجارة لتقديم تسهيلات وامتيازات للشباب الراغبين في دخول قطاع العمل التجاري، فمن الصعب اليوم أن يبدأ الواحد منهم من الصفر كما يحدث في السابق. فالظروف مختلفة تماما بل وتزداد تعقيدا خصوصا على مستوى توافر الأراضي والعمالة التي تتطلب أجورا مرتفعة، ومصاريف متعددة إذ لم يعد هناك مجال للحصول على عمالة براتب 50 دينارا كما هو في السابق، لأن العمالة الماهرة لا تقبل بهذا الأجر، لافتا الى أن النشاط الناجح اليوم هو الاستثمار في القطاع العقاري، لكنه يتطلب عملا متواصلا ومثابرة، حاله كحال أي عمل آخر اذا كان صاحبه ينظر الى النجاح.
العدد 2084 - الثلثاء 20 مايو 2008م الموافق 14 جمادى الأولى 1429هـ