العدد 2086 - الخميس 22 مايو 2008م الموافق 16 جمادى الأولى 1429هـ

المرباطي: اختفاء السواحل أصبح شاهدا للتحولات البيئية في البحرين

في دراسة مفصلة عن تدمير البيئة الساحلية (1-2)

أكد الناشط البيئي غازي المرباطي لـ «الوسط» أن اختفاء السواحل والأراضي المغمورة بالمياه أصبحت شاهدا على التحولات الكبيرة خلال القرن الماضي للطبيعة البيئية والجغرافية للبحرين. جاء ذلك في دراسة خاصة عن التحولات البيئية في البحرين سلمها المرباطي أخيرا لمجلس النواب.

وقال:» للوقوف على هذه التحولات وتأثيراتها السلبية على واقعنا بشتى مجالاتها، سنعتمد أسلوبا آخر في رسم صورة ذهنية متداخلة مع لغة التاريخ والعاطفة الممزوجة بالأرقام لطبيعة جزر البحرين، كما رسمها التاريخ البعيد والقريب لنجعل ذلك عنوانا عند المقارنة بين واقعنا الراهن وما كانت عليه البحرين في الماضي القريب، وذلك لاعتقادنا بمنطق المتناقضات التي تجعل حكمنا أكثر صوابية واحتمالا، وفي هذا المنحى نعود بالتاريخ قليلا للأسطورة السومرية التي وصفت هذه الجزر أنها مكان للحياة الأبدية وللخلود، ونستدل على هذه الحقيقة بالعودة لاكتشافات البعثة الأميركية برئاسة عالم الآثار ( جون بونت بيترز) في الأعوام (1888- 1889) من خلال فكه لرموز لوح مسماري عثر عليه في ( نيبور) بالعراق عن ملحمة جلجامش التي وصفت أرض دلمون أنها: أرض ليست لأناس عاديين ولكنها أرض الخالدين».

وأضاف» قد تكون هذه الخرافة أو الأسطورة الخيالية تحمل حقيقة رمزية لدلمون، وقد يكون لا أساس لها في تاريخ البحرين، ويقصد بها مناطق أخرى غير البحرين هذه، ومهما يكن الأمر نكتشف هذه الحقيقة في التاريخ المعاصر عندما نعود للوراء لبضع عشرات من السنين في وصف رائع لجزر البحرين ولطبيعتها البيئية لا يقل في وصفه عن تلك الأسطورة السومرية ولكي نقارب ونقارن بين الواقع الراهن مع ما شاهده وكتبه ووصفه (النبهاني) عن البحرين في (تحفته النبهانية)، عندها ستكون المقارنة سهلة وسهلة جدا لأي مواطن أو صاحب قرار لأنه سيكتشف عالما آخر، فالبحرين هذه ليست بالبحرين التي ذكرها ووصفها النبهاني، عندها فقط لا حاجة للأرقام أو ألأدلة أو البحث عن الحقيقة التي يعيها كل بحريني لأن ما قاله ووصفه النبهاني حقيقة لا جدال حولها».

عيونها وينابيعها

وتنتقل الدراسة لوصف العيون والينابيع في البحرين «يوجد بها من الينابيع البحرية المشهورة الكبيرة والغزيرة في دفق مياهها (25) نبعا، ومئات الينابيع الصغيرة، ويبلغ عدد العيون الساحلية (200) عينا تتدفق على وجه الأرض وتسيح في البحر، والناس ينزلون في زمن الصيف قرب هذه العيون الجارية بين البساتين والنخيل، ومن العيون المشهورة عين (هرته) في أم الحصم كانت تسقى بساتين تلك الجهة – الآن تقع مكان النادي البريطاني – وعيون النبيه صالح التي تقع قرب كهف عميق بقرب من قبر النبيه صالح، وتقول بعض الخرافات أن إحدى ناقات صالح دخلت فيه، وهناك عين نباعة كالزلال تسمى (أبا زيدان) في جانبها أطلال مدرسة قديمة لم يبق منها سوى جدرانها وبعض الاسطوانات المدورة والمنحوته من صخور عظام ومكتوب على جدرانها بخط كوفي وعين عذاري (عذاري)، وكوكب أبي ماهر يقع في الجهة الشرقية الجنوبية من قلعة حالة أبي ماهر، وهو نبع عظيم في البحر يعلوه البحر وقت المد بنحو ستة أذرع وشرب أهل الحالة وأهل المحرق منه بل غالب السفن ترده».

وتضيف «هناك نبع غزير في جزيرة تسمى (الساية) وشرب أهل البستين منها وهي جهة الشمال الغربي عنها، نبع الرية تسقي قرية الدير، ويشرب أهلها كذلك من نبع في البحر، وفي قرية السماهيج الكثير من الينابيع العذبة على الساحل، ونبع (ألجرذي) يسقي أهل قلا لى وينبع في البحر، وعين (الزمة) تنبع في البر تسقي أهل الحد، إضافة لنبع في البحر يسمى أم السوالي)، وحالة سلطة أحدى قرى الحد يشرب أهلها من عيون عراد كذلك حالة النعيم، ويشرب أهل الرفاع من أربعة آبار في الروضة وهي حفر الاقدمين، تقع واحدة منها في جهة الشمال وتسمى (بالحنينية) المشهورة بالعذوبة والذي أمر بحفرها الشيخ سلمان بن أحمد المذكور وأوقف عليها نخلا لتعميرها ولإظهار الماء إلى بركة بحذائها لتسقي النساء والفقراء، وفى غربي الرفاع بئر تسمى (أم غويفة)، وفي الصخير رياض واسعة تجتمع فيها الأمطار والسيول فتنبت بها الأعشاب البرية، وفيها ثلاث عيون ماء عذب للشرب إحداها تسمى (أم حصاة) وماؤها أعذب مياه البحرين ثم عين (أم الموميان) والثالثة (العين الجنوبية)، وفي سترة الكثير من العيون والينابيع أكبرها (عين الرحى) وعين ( مهزة)، وفي قرية جو التي نزلها الشيخ أحمد بن رزق في القرن (12هـ) وبنى فيها بركا عظام لخزن الماء في غاية القوة والإحكام ، وقال صاحب (سبائك المسجد) : «إن الشيخ أحمد بن رزق سكن قرية جو التى بنى بها قصورا شامخة إلى الجو».

التعريف بالبيئة البحرية

يقول المرباطي: «لكل بيئة خصائصها المميزة ضمن التوازن الطبيعي بين جميع الكائنات الحية، وأي خلل في هذا التوازن قد يؤدي لكوارث خطيرة ومدمرة كما حدث للثروة المائية في بلادنا، فمنذ ملايين السنين أخذت تتشكل البيئات المحيطة بنا، ومنها البيئة البحرية التي انطلقت منها الحياة لتستقر مع التطور الطبيعي في رحم الأم الذي يشبه تماما المحيط البحري، حيث تنمو الأجنة في السائل ألزلالي المالح، لهذا ينصح بأخذ الأعشاب البحرية لأنها تحتوي عناصر تساعد على حيوية جسم الإنسان وعلى ديمومة الشباب لفترات متأخرة من العمر حسب المصادر العلمية».

وعن عـوامـل البيـئة البحرية يوضح «يشكل ماء البحر 72 في المئة من سطح الكرة الأرضية ويصل أقصى الأعماق إلى 13 كليو متر تحت سطح البحر، وتشكل البحار والمحيطات 97 في المئة من مجموع المحيط المائي، ما يعني أن الجزء الأكبر من الماء مالحا، ويعيش أكثر من 900 نوع من الأحياء في هذا الغلاف الحيوي، وتحتوي مياه البحار معظم معادن الأرض وبكميات تفوق عنها في اليابسة، وتميز البيئات البحرية بمجموعة خصائص ذات تأثير كبير على أنظمتها البيئية وعلى مكوناتها الحية وغير الحية وهي؛ العوامل البيئية الحية وهي مجموعة هائلة من الأحياء المتنوعة في أحجامها وطبيعتها وفي أشكالها وألوانها، وطرق حياتها، وتشترك في مجموعة خصائص تعرف بمظاهر الحياة منها الإحساس والحركة والتكاثر و الغذاء، ولدينا العوامل الحيوية والفيزيائية المساعدة مثل الضوء و درجات الحرارة و الأعماق والكثافة و التيارات و الضغط و الملوحة والغازات الذائبة مثل الأكسجين وغيره وتركيز عناصر الهيدروجين والأملاح المعدنية مثل الكالسيوم المغنيزيوم ... الخ وطبيعة القيعان، وهي عبارة عن المرتكزات والمكونات البيئية البحرية» ويؤكد «جميع هذه المكونات تشكل النظام البيئي البحري، يجب على كل إنسان فهمه وعدم الإخلال أو العبث بتوازنه».

الحرب على الطبيعة

ويقول المرباطي: «إن أحد أسوأ أشكال الحروب هي حرب الإنسان على الطبيعة، وحرب الطبيعة على الإنسان، فالحروب بين البشر يمكن معرفة نتائجها ومداها وآثارها، ويمكن تجاوزها ولكن حرب الطبيعة لا تحمد عقباها، ولا يمكن معرفة نتائجها وآثارها ومداها، قد تطول شهورا وقد تستمر لقرون. ولهذه الأسباب وخطورتها على مستقبل البشرية أعطت منظمة الأمم المتحدة الاهتمام الخاص بالبيئة البحرية، لذلك فمن غير المنطق أن نتصور التنمية في بلادنا بقضم السواحل وتحويل المملكة إلى جزيرة شاطئية خالية من السواحل، ومع كل هذا التدمير البيئي لا نزال في طور البحث والسؤال عن آثار (الدفان) وقد يعتقد البعض أن ذلك لا يؤثر على النظام البيئي، لذلك وجب علينا أن نتحدث عن تناقص كميات الأسماك والروبيان وقتل مساحات ساشعة من الشعب المرجانية، وهجرة الكثير من الأنواع إلى مناطق أخرى، إضافة لانقراض بعضها… لنبين أن للدفان آثار بيئية سيئة وانعكاسات مستقبلية خطرة على المياه الجوفية وغيرها، ويتحقق أهمية ذلك عندما ننظر للبحر كمخزون لثروات متنوعة التي يجب الحفاظ عليها وعدم تدميرها أو التلاعب بنظامها البيئي».

مـاذا يعني لنا البحـر

ويضيف» البحر مخزون اقتصادي هائل لا ينضب إطلاقا إن أحسنا التصرف والمحافظة على توازنه الطبيعي، ونحن شركاء مع شعوب المنطقة بأسرها في استغلال هذه الثروات البحرية المهمة والمحافظة عليها للأجيال المقبلة، وعلينا أن نعي وندرك أننا لسنا وحدنا من يحق له استغلال هذه الثروة، فهناك آخرون من أبناء الخليج شركاء لنا في المخزون البحري المحيط بنا وعند الإخلال أو التلاعب بالأنظمة والقوانين البيئية ستكون مسئوليتنا جماعية، وهي بالمستوى ذاته التي نحمل فيها مسئولية ألإضرار بالبيئة على شواطئها المطلة على الخليج، لذلك اعتبرت منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) منطقة الخليج, وخليج عمان مجالا اقتصاديا واحدا لمخزون الثروة السمكية التي قدرتها بنحو(600) ألف طن، وقدرت حجم الكمية المستغلة بنحو (33 في المئة) التي تقدر بنحو (165) ألف طن من مجموع المخزون السمكي، وتقدر المنظمة إمكانية الزيادة في الإنتاج بمعدل (216) ألف طن سنويا».

الوضع الاقتصادي للثروة السمكية في البحرين

يشير المرباطي إلى أن الثروة السمكية تدخل في المحصلة الاقتصادية ضمن الإنتاج الزراعي الذي يشمل ( المنتجات الزراعية والحيوانية والدواجن والطيور والحيوانات ومنتجاتها)، وتشكل في مجموعها ( 1 في المئة) من الناتج المحلي الاجمالى فقط، وتشكل القوى العاملة في هذه القطاعات (2/1 2 في المئة) فقط، وتشكل الأسماك المادة الغذائية الرئيسية للمواطن البحريني، حيث يستهلك الفرد البحريني سنويا من الأسماك ما يوازي استهلاك الفرد في (10) بلدان عربية.

حجم استهلاك الأسماك سنويا مقارنة مع استهلاك الفرد في البلدان العربية الاخرى:

1. البحرين معدل الاستهلاك الفردي من المنتج نحو (20) كيلو للفرد سنويا.

2. العراق نصف كيلو.

3. لبنان نصف كيلو.

4. ليبيا 3 كليو

5.الأردن 3 كيلو.

6. جيبوتي 2/1 3 كيلو.

7. الجزائر 4كيلو.

8. السودان 2 كيلو.

9. سورية 1 كيلو.

10. اليمن 7 كيلو .

11. الكويت 8 كيلو.

12. المغرب 7 كيلو.

13. السعودية 7 كيلو.

14. مصر 9كيلو.

15. تونس 10 كيلو.

16. موريتانيا 11 كيلو .

17. الصومال 16 كيلو.

18. قطر 20 كيلو.

19. الإمارات 23 كيلو.

20 .عمان 25 كيلو.

وينوه إلى «ان حجم الاستهلاك السمكي للمجتمع البحريني يصل عند الذروة نحو 1200 طن، وحدها الأدنى نحو400 طن في الشهر، وذلك حسب شهور السنة صعودا وهبوطا في كميات الصيد البحري، ويصل معدل الاستهلاك الشهري نحو 500 طن (...) إن هذه المعطيات تعزز أهمية المناطق البحرية الصالحة لتكاثر الأحياء البحرية مثل فشت العظم وفشت الجارم، وخليج توبلي، وضرورة المحافظة على ما تبقى من هذا المجال البحري بهدف ضمان المحافظة على الأمن الغذائي لحياة المواطن البحريني، ونظرا لهذه الأهمية سنأخذ شرحا مبسطا عن حالة واحدة لمعرفة أهميتها لضمان الأمن الغذائي لأهم مادة غذائية للمجتمع البحريني».

ماذا نعرف عن فشت العظم

وينتقل المرباطي في الدراسة للحديث عن فشت العظم مشيرا إلى أنه يمتد من ساحل سترة وألبا حتى الحدود القطرية، وتبلغ مساحته: 25 × 9 = 225 كيلو متر مربع ، وينتج سنويا 6 ملايين كيلو من الأسماك والقشريات بنسبة 60 في المئة من مصائد المملكة، وتنتج المصائد البحرينية الاخرى نحو: ( 4 ملايين و100 ألف كيلو سنويا، والمصائـد غير البحرينية تضخ للبحرين عبر سفن الصيد البحرينية نحو(3 ملايين و600 ألف كيلو)، ويصل مجموع ما تنتجه مصائد البحرين نحو:(10 ملايينن و100 ألف كيلو ) + ( 3 ملايين و600 ألف كيلو ) المجموع = تقريبا 14 مليون كيلو، ويبلغ عدد الصيادين البحرينيين = 3278 ( 1474محترفا + 1474 بدوام جزئي )».

ويشير إلى أن «فشت العظم وفشت الجارم هما المكان الطبيعي المناسب لنمو جميع اصبعيات الأسماك، وخصوصا الهامور الذي يصعب تربيته في البيئات الصناعية نظرا لضعفه الشديد عند التفقيس نتيجة للصغر المتناهي للفم وصعوبة التغذية، لذلك يشكل فشت العظم والجارم المصنع الطبيعي لإنتاج اليرقات والطحالب والرخويات التى تتغذي عليها مختلف أنواع الأحياء البحرية، وفشت العظم والجارم البيئتان اللتان تضخان آلاف الأطنان من اليرقات والطحالب والديدان والقشريات والرخويات وغيرها من المواد التي تقتات عليها الأحياء البحرية، وفشت العظم والجارم يشكلان مجالا طبيعيا واسعا لإنتاج آلاف الأطنان من الأسماك والروبيان للاستهلاك المحلي، وينتجان يرقات الأسماك والروبيان ويوفرانها للصيادين، كما أنهما يشكلان الحلقة الوسيطة في مجال الاستزراع البحري، إضافة إلى أنهما ينتجان سنويا آلاف الأطنان من اصبعيات الأسماك والروبيان والبيوض الصالحة للبذر في المحيط البحري الذي يدعم المخزون الطبيعي للأحياء البحرية وينعش الثروة البحرية في البحرين وسائر منطقة الخليج، وينتجان مئات الأطنان من أفضل أنواع الصافي الذي يعيش في البيئات الرملية وأنواع أخرى من الأسماك والأحياء البحرية.

ويؤكد «إن هذه الأهمية الاقتصادية تشكل موردا مهما وثروة يجب الحفاظ عليها باعتبارها ملكا للأجيال المقبلة، كما أن المساس بالبيئات البحرية أو تدميرها أو تغير قوانينها الطبيعية من شأنه التأثير على المخزون الاستراتيجي للثروة السمكية في المجال الخليجي، ولا ننسى أن منظمة الزراعة والأغذية (الفاو) تعتبر الخليج حوضا ذو مجال واحد للمخزون الاستراتيجي للثروة السمكية فأي ضرر يقع في أي جزء من شأنه التأثير على بقية الأجزاء، وبالتالي لجميع الدول المطلة على المجالات البحرية، مثل حوض المتوسط وحوض الخليج والبحر الكاريبي وغيره لها الحق في الاحتجاج».

ويوضح» هذه لمحات سريعة جدا عن الأهمية الاقتصادية لجزء ضئيل جدا من الثروات البحرية التي لا تحصى إطلاقا، وعلينا تصور حجم وفداحة الخسارة التي ستتعرض لها البحرين من جراء دفن هذا الخزان العظيم الذي كان يغذي لآلاف السنين أبناء هذه الجزيرة ويزودهم بغذاء يشكل المصدر الرئيسي لأبناء البحرين والآن تجرى المحاولات لدفن جميع هذه الفشوت والسواحل لزراعتها بالطابوق وأعمدة الأسمنت والباطون ولتذهب تلك البطون الجائعة إلى الجحيم. إن المسئولية تقع على المجلس النيابي بإعتباره الحامي لدستور مملكة البحرين الذي يعتبر حماية الأموال العامة واجب على كل مواطن».

العدد 2086 - الخميس 22 مايو 2008م الموافق 16 جمادى الأولى 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً