قررت المحكمة الكبرى الجنائية أمس (الأحد) مخاطبة وزير الصحة لتعيين لجنة طبية تقوم بفحص متهمي قتل الشرطي وحرق سيارة الأمن بمنطقة كرزكان، وذلك لبيان ما بهم من إصابات. ويأتي قرار المحكمة إثر إجماع المتهمين التسعة عشر في شكاواهم أمام المحكمة على تعرضهم للتعذيب النفسي والجسدي خلال التحقيق، وادعوا أنهم تلقوا تهديدات بهتك أعراضهم، نافين التهم الموجهة إليهم.
من جانبه رد رئيس النيابة العامة على الاتهامات بالقول إن النيابة العامة طرف شريف في الدعوى، ووصف ادعاءات المتهمين أن اعترافاتهم جاءت نتيجة الضغط الذي مورس عليهم بأنها إملاءات مسبقة.
المنامة - علي طريف
أجمع المتهمون التسعة عشر بحرق سيارة الأمن وقتل أحد رجالها المدنيين، والتجمهر غير المرخص في شكاواهم التي سردوها شفهيا على مسامع هيئة المحكمة الكبرى الجنائية الأولى في الجلسة القضائية المنعقدة ظهر أمس (الأحد) على ادعاءاتهم بتعرضهم للتعذيب النفسي والجسدي، مؤكدين أنهم تلقوا التهديدات بهتك أعراضهم، ونافين التهم الموجهة إليهم.
وأرجع المتهمون اعترافاتهم الواردة في تحقيقات النيابة العامة إلى تعرضهم للتعذيب وإجبارهم على توقيع الإفادات ذاتها التي وقعوها في التحقيقات الجنائية، على حين رد رئيس النيابة العامة على تلك الأقاويل، مؤكدا أن النيابة العامة طرف شريف في الدعوى، وهي الأمينة على الدعوى العامة، وأن ادعاءات المتهمين لا تعدو كونها محض ادعاء. يأتي ذلك في أولى جلسات محاكمة متهمي قتل الشرطي وحرق سيارة الأمن.
وفي سياق ما أبداه المتهمون، تقدم رئيس النيابة العامة الحاضر للجلسة القضائية باعتراضه على ما أبدوه لهيئة المحكمة، وهي الأقوال المتمثلة في إملاء النيابة العامة إفادات الاعتراف على المتهمين وإجبارهم على توقيعها.
هذا، وقد استمع رئيس المحكمة القاضي الشيخ محمد بن علي آل خليفة إلى شكاوى المتهمين واحدا تلو الآخر، إذ سرد كل واحدٍ منهم قصته منذ لحظة اعتقاله حتى تقديمه للمحاكمة، فيما طلب منسق هيئة الدفاع عن المتهمين المحامي احمد العريض من المحكمة تثبيت أقوال المتهمين في محاضر الجلسة، إضافة إلى عرضهم على لجنة طبية مختصة، مشيرا إلى أن آثار التعذيب لاتزال قائمة في أجسادهم، ملتمسا من المحكمة الإفراج عن المتهمين بالضمانات التي ترتأيها، وخصوصا بعد انتهاء التحقيقات معهم.
وقد قررت المحكمة إرجاء عقد جلسة المحاكمة إلى 6 يوليو/ تموز المقبل؛ لاطلاع المحامين على أوراق الدعوى وتصوير ما يلزم من أوراق وتقديم المرافعات الدفاعية عن المتهمين، واتخذت المحكمة قرارها مخاطبة وزير الصحة فيصل الحمر لتعيين ثلاثة أطباء محايدين للكشف على المتهمين، وبيان ما بهم من إصابات، كما قررت المحكمة ندب أحد أعضاء النيابة العامة للتوجه لزيارة المتهمين في محبسهم للاطلاع على أوضاعهم.
وبإعلان بدء جلسة المحاكمة مثُل المتهمون التسعة عشر، وحضر بجانبهم محاموهم، إذ نادى رئيس المحكمة بأسماء المتهمين، بعدها شرع القاضي في تلاوة التهم الموجهة للمتهمين، وهي: أنهم تجمهروا في مكان مؤلف من أكثر من خمسة أشخاص الغرض منه ارتكاب جرائم الاعتداء على المال والأشخاص، وقد ارتكبوا أثناء التجمهر الجرائم المتمثلة في أنهم قتلوا عمدا مع سبق الإصرار والترصد بأن بيّتوا النية وعقدوا العزم على إشعال حريق بأي سيارة شرطة تمر بمكان الواقعة، وأعدوا لذلك زجاجات حارقة (مولوتوفا) وحجارة، وكمنوا في مكان أيقنوا بمرور سيارات الشرطة فيه، وما إن قدمت السيارة التي يستقلها المجني عليه حتى أمطروها بوابل من الأدوات السالفة، قاصدين من ذلك إزهاق روح من فيها، فأحدثوا بالمجني عليه الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية التي أودت بحياته.
ووجهت لهم النيابة أنهم شرعوا في قتل شخصين عمدا مع سبق الإصرار والترصد، بأن بيّتوا النية وعقدوا العزم على إشعال حريق بأي سيارة شرطة تمر بمكان الواقعة وقتل من فيها، وأعدوا لذلك زجاجات حارقة وحجارة، وكمنوا في مكان أيقنوا بمرور سيارات الشرطة فيه، وما إن قدمت السيارة التي يستقلها المجني عليهما حتى انهالوا عليها بوابل من الأدوات السالفة قاصدين من ذلك قتل من بها، وقد خاب اثر الجريمة بسبب لا دخل لإرادتهم فيه، وهو مبادرة المجني عليهما بالخروج من السيارة ومقاومة المجني عليه الثاني لهم، كما أنهم أشعلوا حريقا في سيارة الشرطة رقم (93604) المملوكة لوزارة الداخلية، والذي كان من شأنه تعريض حياة الأشخاص والأموال للخطر، بأن أحاطوا بها وقذفوها بزجاجات حارقة انفجرت بها وأحرق لهيبها أجزاء منها.
وقد ردّ المتهمون على التهم الموجهة إليهم بالإنكار، إذ استعصم كل منهم بنفي التهم وعدم اقتراف الذنب، على حين استمع رئيس هيئة المحكمة الكبرى الجنائية القاضي الشيخ محمد بن علي آل خليفة إلى أقوال كل متهم، إذ اشتكى - تفصيلا - كل واحد منهم من تعرضه للتعذيب النفسي والجسدي والتهديد بهتك العرض.
فمن جانبه، قال أحد المتهمين مخاطبا المحكمة: «أنا غير مذنب، وتم تعذيبي بالكهرباء وإهانتي»، فيما أفاد آخر: «لست مذنبا، وقد تم اقتحام منزلي واعتقالي والاعتداء عليّ أمام أهلي (...) أمي وأطفالي وزوجتي، وبعدها تلقيت التعذيب بواسطة الصعق بالكهرباء وضربي وصلبي»، وأضاف «أخذوني إلى النيابة العامة التي لم تكن حيادية، وطلبتُ آنذاك إحضار محامٍ لي، إلا أنه لم تتم الاستجابة لطلبي، وطلب مني وكيل النيابة العامة توقيع الأوراق إلا أنني رفضت، فتم إرجاعي من جديد إلى السجن، وهناك عاود القائمون على سجني تعذيبي، ومن ثم أُرسلت من جديد إلى النيابة».
موقوف آخر وهو أحد لاعبي كرة اليد في نادي التضامن ادعى انه تم تعذيبه، موضحا أنه ذكر للتحقيقات الجنائية والنيابة العامة أنه في وقت وقوع الحادثة كان يتدرب في النادي وأن لديه شهودا، إلا أن النيابة العامة والتحقيقات الجنائية لم تكترثا لكلامه.
يذكر في هذا الصدد أن رئيس نادي التضامن وجه رسالة إلى وزير الداخلية الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة يؤكد فيها أن اللاعب المتهم كان موجودا في النادي لحظة الحادثة، مبديا وعدد من اللاعبين استعدادهم لتقديم الشهادة في ذلك الأمر.
وكرر أحد الموقوفين ادعاء تعرضه للتعذيب وهتك عرضه، مفيدا «طُلِب مني الاعتراف بالتهم المسندة إليّ، وأنا اعترفت بالتهم جرّاء التعذيب، ومازلنا في سجون انفرادية»، مضيفا «وتم وضع مادة على جسمي وكنت حينها أشعر بحرارة واتضح أنها تزيل الجلد من جسمي حتى إني أصبت بحروق في جسدي».
متهم آخر أفصح أنه سلم نفسه في قضية أخرى وهي حرق المزرعة، إلا أنه تفاجأ من الضابط الموجود في التحقيقات يخبره أنه سينضم إلى المتهمين في قضية قتل الشرطي وحرق سيارة الأمن، مدعيا إجباره على تصوير الواقعتين وتمثيلهما.
وكرّر أحد المتهمين ما أفصح عنه السابقون من تعرضه للضرب والاعتداء، وذكر أنه تمت معاملته معاملة سيئة للغاية، وفي المساء تم أخذه إلى النيابة العامة، وهناك رفض المحقق حضور محامٍ معه، «طالبا مني توقيع إفادة اعتراف أو الرجوع إلى مركز التحقيقات الجنائية».
متهم آخر ذكر أنه من شدة الضرب وقع مغشيا، ولم يكن يعلم كم يوما مضى عليه وهو في المحبس، ولا يدري بتعاقب الليل والنهار، مكررا الأقاويل السابقة ذاتها بخصوص الإجبار على تقديم الاعتراف، على حين اشتكى متهم آخر من التعذيب، موضحا للمحكمة أن إحدى عينيه أصابها نزيف من شدة الضرب إلى أن أقر بما وجه له من اتهام.
وأشار المتهمون في مخاطبتهم هيئة المحكمة إلى أن النيابة العامة عرضتهم بعد شهر ونصف الشهر من توقيفهم على الطبيب الشرعي، على حين آثار التعذيب صارت تتعافى بعد مرور هذه الفترة الزمنية.
بعدها طلب المحامون تدوين ما جاء من أقوال على لسان المتهمين في محاضر الجلسة، موضحين أن «المتهمين جميعا أجمعوا على تعرضهم للتعذيب والتهديد بهتك العرض»، مطالبين بعرضهم على لجنة طبية مختصة تكشف على صحتهم.
وقد ردّ رئيس النيابة العامة أسامة العوفي على ادعاءات المتهمين، مؤكدا أن النيابة العامة طرف شريف في الدعوى، وهي الأمينة على الدعوى العامة، وأن ادعاءات المتهمين لا تعدو كونها محض ادعاء.
وكانت النيابة العامة ارفقت في الدعوى شهادة شهود الإثبات، إذ أفاد الشاهد الأول - وهو شرطي - أنه حال تفقده المجني عليه ماجد أصغر علي والشاهد الثاني حالة الأمن بمنطقة كرزكان فوجئ بعدد من المتجمهرين يصل عددهم إلى عشرين شخصا يرمون السيارة التي يستقلونها بزجاجات حارقة (مولوتوف)، فما كان من الشاهد الثاني - سائق السيارة - إلا أن انحرف بالسيارة، وصعد بها فوق الرصيف، وتوجه الى الشارع الآخر، وهناك فوجئ بمجموعة أخرى من الأشخاص تعدوا عليهم بأداة مماثلة وحجارة، فخرج من السيارة أثناء سيرها وأخذ يتعامل مع المتجمهرين بالرصاص المطاطي، ثم أخرج الشاهد الثاني، ويضيف أنه أبصر المجني عليه ماجد أصغر علي مستلقيا على الأرض، وأن أحد المتجمهرين أصابه - أي الشاهد - في رجله.
وكذا شهد الشاهد الثاني بمضمون ما شهد به الشاهد الأول، فيما تفيد شهادة الشاهد الثالث، وهو بحريني موظف في وزارة الداخلية أنه تلقى بلاغا باحتراق إحدى سيارات الشرطة بمنطقة كرزكان، وإصابة أحد أفراد الشرطة، فتوجه لمكان الواقعة، وهناك أبصر سيارة شرطة تحترق، والشاهدين الأول والثاني يتعاملان مع المتجمهرين، ثم شاهد المجني عليه ماجد أصغر علي مستلقيا على الأرض، وأنفه ينزف دما فحمله وآخرون وتوجهوا به للمستشفى العسكري؛ لإسعافه، وهناك فارق الحياة.
وأيد الشاهد الرابع أيضا وهو موظف في وزارة الداخلية من جنسية آسيوية مضمون شهادة الشاهد الثالث.
وأفادت شهادة الشاهد الخامس وهو ضابط بحريني بالإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية أنه إثر تحريات أسفرت عن إشعال المتهمين حريقا في سيارة شرطة، وقتل المجني عليه ماجد أصغر علي، تم استصدار إذن من النيابة العامة بضبطهم وتفتيشهم، وقد تم القبض على بعض المتهمين، وسلّم آخرون أنفسهم، وأضاف أن «المتهمين جميعا - عدا المتهم التاسع عشر - أقروا أنهم رموا سيارة الشرطة بزجاجات حارقة (مولوتوف)، وحجارة بقصد قتل من بها، وأن ذلك كان بناء على اتفاق سابق بينهم، وقد أكدت تحريات الشرطة صحة ما تقدم».
ومن جانبها، أوردت النيابة العامة بعض الملاحظات بملف الدعوى، وهي، أولا: «اعتراف المتهمين - عدا الثامن عشر والتاسع عشر - بالتحقيقات بالاتفاق على الاعتداء على رجال الشرطة، وحرق السيارة التي يستقلونها، وترصدهم في المكان الذي أيقنوا مرورهم به، وانقسموا إلى مجموعتين، مجموعة كمنت بالقرب من دوار كرزكان، والأخرى كمنت في شارع آخر وما إن قدمت سيارة الشرطة، حتى انهالوا عليها بالزجاجات الحارقة (المولوتوف)، والحجارة بقصد إحراقها والقضاء على من فيها».
ثانيا: «قرر المتهم الرابع بالتحقيقات أن المتهمَين الثامن عشر والتاسع عشر كانا من بين المتجمهرين، الذين أشعلوا حريقا في سيارة الشرطة، ورموها بالحجارة بناء على اتفاق سابق بينهم».
ثالثا: «قرر المتهمون من الخامس حتى التاسع بالتحقيقات أن المتهم التاسع عشر كان من بين المتجمهرين، الذين أشعلوا حريقا في سيارة الشرطة ورموها بالحجارة بناء على اتفاق سابق بينهم».
رابعا: «قرر المتهم التاسع عشر بمحضر جمع الاستدلالات أنه اتفق وباقي المتهمين على الاعتداء على سيارة الشرطة، بالزجاجات الحارقة والحجارة، وأنهم انقسموا إلى مجموعتين وفور تلقيهم إشارة بقدوم السيارة المذكورة انهالوا عليها بالزجاجات الحارقة والحجارة ثم لاذوا بالفرار».
خامسا: «ثبت بتقرير الصفة التشريحية الخاص بالمجني عليه ماجد أصغر علي وجود آثار حروق من الدرجات الثلاث الأولى منتشرة في أجزاء من العنق والوجه والذراع الأيسر، بالإضافة إلى شحوطة بشعر الرأس والوجه وسحجات بأسفل وسط الظهر والكتف الأيمن، وأعلى يمين الظهر والركبتين وأنزفة من الأنف والأذن اليسرى، وكذا وجود انسكابات غزيرة بفروة الرأس، مصحوبة بكسور شرخية بالجمجمة وقاعدتها وأنزفة بالمخ تحت الأم الجافية، والأم العنكبوتية، وأنها إصابات حيوية حديثة جسيمة ذات طبيعة رضية حدثت من المصادمة بجسم أو أجسام صلبة راضه أيا كان نعتها وفي تاريخ يعاصر تاريخ الوفاة، وأن الوفاة تعزى لإصابات الرأس، بما أحدثته من كسور بالجمجمة وأنزفة بالمخ وهبوط بالدورة الدموية والتنفسية».
سادسا: «ثبت بتقرير الطب الشرعي إصابة الشاهد الأول بالكاحل الأيمن وقد نتج من الإصابة تورم بالقدم اليمنى».
سابعا: «ثبت بتقرير مسرح الجريمة أن الطعجات الموجودة بالباب الخلفي الأيمن لسيارة الشرطة ناتجة من ارتطام أجسام صلبة، وأن رمي الزجاجات الحارقة (المولوتوف) على السيارة كان بفعل فاعل متعمد».
ثامنا: «ثبت بتقرير مختبر البحث الجنائي احتواء العينات المرفوعة من مكان الحادث على بقايا لزجاجات حارقة مولوتوف بها آثار لمادة الجازولين (البترول)».
تاسعا: «قام المتهمون - عدا الثامن عشر والتاسع عشر - بإعادة تصوير كيفية ارتكاب الجرائم المسندة اليهم».
عاشرا: «ثبت من شريط الفيديو والصور الفوتوغرافية الخاصة بمسرح الجريمة قيام المتهمين - عدا الثامن عشر والتاسع عشر - بإشعال حريق في سيارة الشرطة وقتل المجني عليه ماجد أصغر علي».
11: «ثبت بصحف سوابق المتهمين السادس والتاسع والثالث عشر والخامس عشر سبق اتهام الثلاثة الأخيرين بالتجمهر والشغب، واتهام الأول بالاعتداء على سلامة جسم الغير».
العدد 2096 - الأحد 01 يونيو 2008م الموافق 26 جمادى الأولى 1429هـ