شن الباحث المصري مجدي خليل هجوما على «جماعات الإسلام السياسي» في الدول العربية، معتبرا إياها سببا في «تفشيل الدول». من جانبه حذر الشيخ صلاح الجودر من خطر تفريخ بعض الجماعات الإسلامية لفئة من الشباب لنشر أفكار متطرفة بعيدة عن الدين، في الوقت الذي اعتبر فيه الأكاديمي باقر النجار أن الجماعات الإسلامية تحتاج إلى وقت لإعادة تأهيلها وهو الخيار الأفضل بدل إقصائها ولجوئها لأساليب أخرى للتعبير عن مواقفها.
جاء ذلك في المحاضرة التي نظمتها جمعية المنتدى مساء أمس الأول في قاعة أوال في فندق الخليج واستضافت الباحث المصري مجدي خليل الذي تحدث عن مستقبل الإسلام السياسي، وحضرها عدد من أعضاء الجمعية والمهتمين.
وعرف خليل الإسلام السياسي بأنه كل استخدام للإسلام من أجل تحقيق أهداف سياسية، أي اعتبار الإسلام أداة في مشروع سياسي مهما كانت الشعارات المرفوعة. وأشار إلى وجود آراء مختلفة لامتداد الإسلام السياسي زمنيا، فمن يرى أنه يمتد من ثورة الخميني في إيران وقبلها، ومن يرى أن امتداداتها أعمق من ذلك إلى تأسيس الجماعة الإسلامية على يد أبوالأعلى المودودي في باكستان، والإخوان المسلمين في مصر على يد حسن البنا، وغيرها من الرؤى. موضحا أن للإسلام السياسي ركائز وخصائص ميزته عن غيره، أهمها اعتماده على دينية الدولة والشريعة الإسلامية. وهو المفهوم الذي ورد لدى أبوالأعلى المودودي، والإمام الخميني معا، إلى جانب سمة الخلافة الإسلامية، إذ تهدف التيارات الإسلامية إلى توحيد الدول الإسلامية تحت خلافة واحدة. وترى التيارات الإسلامية - بحسب قوله - أن الدين هو المواطنة ، إذ ترى أن وطن المسلم هو إسلامه ودينه وعقيدته، وبذلك يقوم فكر هذه الجماعات على «تدمير أسس الدولة الحديثة» بحسب رؤيته.
وفيما أشار خليل إلى أن الجماعات الإسلامية تستخدم «الحجاب» وسيلة للحشد السياسي وتعتبره رمزا وليس خيارا للفرد المسلم، أوضح أن هذه الجماعات تعتمد على التمثيل السلبي لأنها «تجذب الساخطين والمأزومين وتعتمد عليهم كوقود للإسلام السياسي، وهو ما يقود إلى الاعتماد عليهم في التجنيد والحشد عن طريق الخدمات الاجتماعية والاقتصادية للفقراء».
ومن سمات الإسلام السياسي أيضا بحسب قوله اعتبار العلاقات الدولية هي «صراع مستمر بين الخير والشر والمسلمين والكفار» وهو ما اعتبره انتفاء لفكرة التعاون الدولي. مشيرا إلى أنه في ظل دولة الإسلام السياسي يوجد انتقاص في حقوق الإنسان إذ لا يسمح للفرد بتغيير دينه وهو «الحق الذي أكدته الأعراف الدولية». مضيفا أنه في أدبيات الإسلام السياسي هناك اعتماد على أساليب التكفير لإرهاب الخصوم، والارتكاز على العداء للغرب، فيما يوجه خطاب دولة المسلمين إلى «المسلمين» وليس «المواطنين».
واعتبر خليل دولة الإسلام السياسي قائمة على «التردي في وضع المرأة والانتقاص من حقوقها ومن حقوق الأقليات»، علاوة على مفهوم «التقية السياسية» التي تعتمد على التراث ديني، إذ يجب الانفراد بالسلطة وعدم التنازل عنها، إذ لا يمكن لمن يعتبر نفسه أنه يملك الحقيقة المطلقة أن يتنازل عن هذه السلطة.
وأضاف خليل «هناك دور سيئ للغرب في ظهور الإسلام السياسي منذ تعاون الإنجليز مع البنا، إلى تعاون الأميركان لبن لادن وتمويل الحرب في أفغانستان، وكل من استخدم الإسلام السياسي لأسباب تكتيكية سياسية ارتد عليه، ومهما حاولت هذه الأنظمة تصدير فائض العنف للخارج يبقى العنف محليا ويرتد عليه، بما فيها الدول الغربية نفسها... مقاومة أعداء النظام بالسلفيين هو من أخطر الممارسات، فمن يريد أن يحاربها يجب أن يفتح الباب أمام الإصلاح الذي يعتبر من أهم الأدوات الأساسية لمعالجة أية أزمة».
وأوضح خليل أنه بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة الأميركية حصلت تطورات مختلفة في الغرب إذ أصبحت المشكلة لدى الدول العربية والإسلامية في تصدير العنف نتيجة استبداد الأنظمة العربية. ومن هنا حاول بوش بحسب قوله الضغط في اتجاه فكرة أن دمقرطة الدول العربية جزء من الأمن القومي لأميركا، وبعدها تم التراجع للمربع رقم واحد. مشيرا إلى أن الإسلاميين في الغرب كانوا مجموعات يصدرون فائض العنف للغرب الذي كان يرحب بهم للاستفادة منهم كأدوات سياسية للضغط على الأنظمة، غير أنهم في النهاية انقلبوا عليه».
واختتم خليل محاضرته المثيرة للجدل بقوله: «للإسلام السياسي دور كبير في تفشيل الدول، وهو أداة تزدهر في الدول الفاشلة، لم يتبقَ أمام الإسلاميين حاليا إلا وسيلتان، إما انتظار حال الفوضى والعصيان المدني الواسع للقفز على الحكم مثل ما يحصل في مصر حاليا، والوسيلة الثانية هي السيطرة على صناديق الانتخابات لضمان الأصوات»
وفي تعقيبه على المحاضرة قال الشيخ صلاح الجودر إن الخلاف الرئيسي يقع حول أهمية الوقوف على معنى لمصطلح «الإسلام السياسي»، مشيرا إلى أن الكثير من الجماعات ظهرت وتحديدا في دول الخليج العربي وتتخفى خلف الدين، وهي وليدة ظروف المرحلة التي نعيشها حاليا، واستفادت من أمرين، أولهما الوضع القائم بالنسبة لحكومات المنطقة حاليا، إذ أصبحت دول المنطقة تحتاج إلى تعزيز، إذ استفادت الدول من وجود هذه الكيانات ودفعت في هذا الاتجاه، والعامل الآخر هو دخولها في أمور التجارة والمال وأصبحت لها قنوات مالية قوت مراكزها».
وأشار الجودر إلى أن المشروع الأميركي وهذه الجماعات الدينية وجهان لعملة واحدة، لأن المشروع الأميركي يعطي خيارين فقط إما أن تكون معه أو ضده، وبالتالي قسم العالم إلى معسكرين أحدهما مع أميركا والآخر مع الإرهاب، إذ إن أميركا تسير بمشروعها السياسي لتغيير هوية المنطقة وتفتيتها وهو نفس ما تقوم به هذه الجماعات بحسب رأيه، مستشهدا بالحالة العراقية.
وحذر الجودر من هذا الخطر فيما يتعلق بفئة الشباب والناشئة التي بدأت تفرخ أجيالا لنشر الفكر، مشيرا إلى أن خطورة الموضوع هي انتقالهم من العمل التطوعي والاجتماعي إلى السياسي. وأضاف «الإشكالية هي هل المجتمعات في الخليج مع الأغلبية الدينية أم السياسية؟ وهل يمكن استغلال الجانب الديني لمصالح سياسية لكي ندفع في هذا الاتجاه؟ هذا هو السؤال الأهم».
من جانبه عقب الباحث والأكاديمي باقر النجار على المحاضرة بقوله ان الجماعات تختلف في أطروحاتها وخطابها من اليمين إلى اليسار، وبالتالي وضعت الجماعات في سلة واحدة لا تقود لمعالجة صحيحة لظاهرة الإسلام السياسي في المنطقة العربية. وأضاف «كثير مما قيل بني على الأطروحات الأولى للجماعات الإسلامية وهي الأطروحات التكوينية، ولكن هناك تيارا حديثا في أوساط الجماعات وهو تنويري، صحيح أنه صغير يشق طريقه بصعوبة ويواجه محاولة إقصاء من الجماعات وتحديدا ضمن جماعة الإخوان المسلمين التي يوجد لديها جيل من الشباب يطرح أطروحات جديدة عن التيار الإخواني التقليدي... في كل العالم تعيش الجماعات المعارضة على أخطاء أي نظام سياسي، وفشل الأنظمة العربية في الإيفاء بحقوق الجماعات الأوسع وعملية استقطاب الثروة في المجتمع ومسك السلطة من أقلية وعزل الأكثرية ساعد الجماعات الإسلامية أن تخترق التكوينات الفقيرة لتقدم لها خدمات عجزت عن تقديمها الدولة».
واعتبر النجار أنه لو بادرت الدول العربية منذ البدء بإقامة نظام ديمقراطي لما كان لهذا الصراع مع القوى الإسلامية أي وقع، مشيرا إلى أنه بالإمكان ضمن ضوابط معينة احتواء هذه الجماعات لدفعها في الدخول في العملية السياسية السلمية وفتح قنوات لها، لأن سد هذه القنوات يعني دفعها لتبني طرق أخرى.
وأضاف «هذه الجماعات بحاجة لإعادة تأهيل وفسحة زمنية، وهو ما يحتاج إلى وقت وسعة بال لكي يتأصل داخل المجتمع. والقول إن الإسلام السياسي استفاد وأعاد إنتاج أطروحاته في أوساط الجماعات الإسلامية المهاجرة في الغرب صحيح، لكنه لا يكتمل إلا برؤية الجانب الآخر. فهناك فشل من الدول الغربية في إدماج الجماعات في المجتمعات الغربية لابد من الالتفات إليه...»
أما عضو جمعية العمل الإسلامي رضوان الموسوي فرد على أطروحات المحاضرة مدافعا عن التوجه الإسلامي الشامل بقوله: «إن الإسلام منهج كامل ومتكامل، جاء ليتمم مكارم الأخلاق، فإذا كانت هناك ممارسات خاطئة فلا يمكن أن تحسب على الإسلام نفسه. هناك تجارب إسلامية كبيرة في واقعنا تثبت نجاح التجارب الإسلامية مع وجود انتقادات حولها، ومن أمثلتها تجربة الديمقراطية في إيران وحزب الله في لبنان، وانتخابات «حماس» في فلسطين، الحديث عن جماعات الإسلام السياسي بهذا الشكل تطرف».
غير أن خليل تمسك في النهاية بأطروحاته الناقدة للتيارات الإسلامية التي وصفها بأنها «ترفض الالتقاء على قواعد المواطنة التي تقوم الاندماج السياسي وإزالة الفوارق وتؤدي إلى تماسك المجتمعات».
مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات مجدي خليل في سطور
هو أحد دعاة الديمقراطية والمجتمع المدني في الشرق الأوسط. يحمل خبرة 20 عاما في مجال البحث السياسي والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، عمل خلالها كباحث مشارك في عدد من مراكز الأبحاث في القاهرة ونيويورك وواشنطن، وساهم في تأسيس وعضوية الكثير من منظمات المجتمع المدني في مصر والمنطقة العربية وأميركا.
ساهم في تأسيس صحيفة «وطني الدولي»، التي تصدر بالعربية والإنجليزية في مصر، وعمل رئيس تحريرها التنفيذي منذ العام 2001 وحتى الآن، وله مقال صحافي أسبوعي ينشر بالتوازي في عدد من الصحف والمواقع العربية. وهو مشارك منتظم كمعلق سياسي في الكثير من الفضائيات العربية والدولية، ومؤلف لأربعة كتب عن الحريات والديمقراطية في الشرق الأوسط، وقدم عدداَ من الأبحاث والمحاضرات في شئون الشرق الأوسط تزيد على ألف مقال وبحث نشرت باللغتين العربية والإنجليزية.
العدد 2096 - الأحد 01 يونيو 2008م الموافق 26 جمادى الأولى 1429هـ