أثارت الأنباء التي ترددت عن قرب تعيين عضو مجلس الشورى السابقة والسفيرة في وزارة الخارجية البحرينية هدى عزرا نونو (البحرينية من أصل يهودي)، سفيرة للبحرين في واشنطن، ردود فعل منقسمة ما بين مؤيدة ومعارضة ومتحفظة على قرار تمثيل نونو لمملكة البحرين في الولايات المتحدة الأميركية.
فنونو أول سيدة بحرينية يهودية تتقلد منصب سفيرة، وبذلك تكون البحرين أول دولة عربية تقدم على شغل أحد مقاعدها الدبلوماسية لأحد أفراد الطائفة اليهودية في البحرين.
ونونو من مواليد مدينة المنامة، وابنة التاجر المعروف عزرا نونو، وتحمل الماجستير في إدارة الأعمال من المملكة المتحدة، وبكالوريوس المحاسبة وإدارة الأعمال من المملكة المتحدة. كما أنها أحد المؤسسين لجمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان، وتم انتخابها أمينا عاما للجمعية في العام 2004.
وكانت نونو قد أكدت في تصريحها لـ «الوسط» تعيينها سفيرة بواشنطن، وقالت عن ذلك: «أتطلع للمنصب الجديد ويسعدني أن أكون أول سيدة بحرينية تتقلد منصب سفيرة في الولايات المتحدة الأميركية».
الأصوات التي أيدت تعيين نونو سفيرة بواشنطن، اعتبرت هذا القرار خطوة جريئة من عاهل البلاد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وتعبيرا واضحا عن الديمقراطية، وأن من لم يتقبل تعيين نونو سفيرة إنما هو غير قادر على تقبل الديمقراطية بمفهومها الصحيح.
كما رفض مؤيدو تعيين نونو ربط ذلك بديانتها اليهودية، مؤيدين فكرة أن تعيينها جاء لكونها سيدة وكفؤة، والأهم من ذلك أن نونو من حقها كمواطنة بحرينية أن تتبوأ أي منصب تمثل فيه وطنها الأم في الولايات المتحدة، وأن على الأصوات المخالفة لهذا الرأي أن تبتعد عن التعصب الديني والتوقف عن استمرار ربط قرار تعيينها بديانتها الذي اعتبروه «مسألة شخصية»، غير أن أصواتا أخرى أبدت تحفظها، وجدت أن تعيين نونو في منصب مهم مثل هذا، هو تعيين سياسي ولا علاقة له بالكفاءة، وأنه كان من الممكن أن يلقى ردود فعل أكثر إيجابية فيما لو تم في أية مجالات أخرى لا تعني بتمثيل سياسي لدولة إسلامية، وخصوصا أن مثل هذا المنصب قد يحتم على نونو التحدث باسم المسلمين مع أطراف «إسرائيلية»، مؤكدين ضرورة أن يكون الانتماء للوطن هو الغالب في أية مواقف أو حوارات.
كما أكد المتحفظون على القرار، أن تعيين نونو كسفيرة عن البحرين لا يعبر عن العدد الحقيقي للجالية اليهودية فيها، إذ لا يتجاوز عدد أعضاء هذه الجالية الأربعين فردا في بلد يزيد عدد مواطنيه من البحرينيين على نصف مليون.
ويفضل بعض المتحفظين على تعيين نونو، ربط هذا القرار بمداخلة الولايات المتحدة الأميركية أثناء جلسة الاستعراض الدوري الشامل بجنيف، والتي انتقد فيها المندوب الأميركي التمييز في البحرين، إذ في الوقت الذي أشاد فيه بما حققته البحرين على صعيد حقوق الإنسان وبدور مؤسسات المجتمع المدني غير أنها طرحت ثلاثة تساؤلات رئيسية تمثلت في الخطوات المتخذة من قبل الحكومة لإدماج الشيعة في نظام الدولة، والآثار التي تركتها بنود دستور العام 2002 على المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان، وأوصت في الوقت نفسه بإزالة أية مواد تتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
إذ يرى البعض في قرار التعيين محاولة من البحرين لتغيير الصورة الأميركية عن البحرين فيما يتعلق بالتمييز على الأقل بالنسبة للأقليات.
إلى ذلك، قال عضو الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان عبدالنبي العكري: «مشكلة التعيينات للمناصب العليا في هذه البلد مشكلة حقيقية، إذ لا يتم تعيين الشخص المناسب في المكان المناسب، كما أن اعتبارات التعيين أبعد ما تكون عن المهنية والكفاءة عموما. فسفير البحرين في واشنطن التي تعتبر أهم عاصمة في أكثر دولة تربطها علاقات مهمة مع البحرين، يجب أن يكون سفيرا مخضرما ومهنيا وذا كفاءة وتاريخ سياسي ودبلوماسي».
وأضاف «بغض النظر عن تعيين نونو، وهو ليس انتقاصا منها، ولكني أرى أنها ليست الشخص المناسب لإدارة العلاقات بين البلدين».
وتساءل العكري عن العلاقة بين أن تكون نونو عضوا في مجلس الشورى، وتأهلها لأن تكون سفيرا للبحرين في واشنطن، معتبرا تعيينها إنما يندرج ضمن إرسال إشارات بحرينية إلى واشنطن للقول إنه ليس هناك تمييز في البحرين، وأن الأقليات كاليهودية أو المسيحية مكانتهم عالية.
ووصف العكري تعيين نونو «خطوة للعلاقات العامة بين البلدين»، معتبرا إياه نموذجا لتعيينات لا تستند إلى قاعدة الشخص المناسب في المكان المناسب.
وتابع «ليس لدينا أي تمييز ضد أي مواطن، ولكن إذا كانت الدولة ترغب في إبراز مسألة أن البحرين تخلو من التمييز عبر تعيين من ينتمون للجالية اليهودية فيها بمواقع مهمة، فعليها أولا أن تعالج التمييز الذي يعاني منه المواطن البحريني على أراضيها أولا».
فيما يختلف رئيس جمعية الحريات العامة ودعم الديمقراطية محمد الأنصاري مع وجهة نظر العكري، إذ أشاد بتعيين نونو سفيرة للبحرين في الولايات المتحدة لكونها جاءت من المؤسسة التشريعية وليست لها علاقة بالمؤسسة التنفيذية، ناهيك عن أن تعيينها يثبت بشكل عملي أن البحرين تحترم الأديان المختلفة، وأن سفيرتها في الولايات المتحدة تعتنق أحد الأديان السماوية.
كما اعتبر الأنصاري عمل نونو بالمجال الحقوقي عبر جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان، دليلا على اهتمام البحرين بحقوق الإنسان، وهو ما اعتبره كذلك فرصة لنقل هموم الحقوقيين على صعيد دولي.
وعلاوة على ذلك، يرى الأنصاري تعيين امرأة بحرينية كسفيرة في واشنطن، دليلا آخر على أن البحرين تسعى بشكل عملي لتحقيق المساواة التي تطالب بها المنظمات الدولية عبر تحقيق هذا المطلب بشكل ملموس وإعطاء المرأة المزيد من المسئوليات.
في الوقت الذي قال مركز البحرين لحقوق الانسان (المنحل) في بيان له بمناسبة تعيين نونو سفيرا: «تلقينا بمشاعر متضاربة خبر تعيين هدى نونو بمنصب سفير في وزارة الخارجية البحرينية. ففي حين يطالب المركز دوما بنبذ التمييز ضد المرأة في الوظائف الحكومية العليا، إذ لا تتجاوز حصتها فيها 9 في المئة وفقا لتقرير سابق أصدره المركز، إلا أن تعيين نونو يثبت مجددا أن الفرص ليست متساوية أمام النساء في البحرين لتقلد المناصب العليا، وإنما يتم ذلك بناء على أغراض سياسية، واستهداف لمؤسسات المجتمع المدني، وتكريس سياسات التمييز الطائفي».
وتابع البيان «إن نونو هي رئيسة لجمعية تثور بشأنها الشبهات لأنها تشكلت بفترة بسيطة، وأنها منذ تأسيسها عملت على موضوعات مخالفة للموضوعات التي تبنتها منظمات حقوق الإنسان، ناهيك عن ارتباط اسم هذه الجمعية بتقارير استهدفت طائفة معينة، إضافة إلى ما تردد عن تلقيها من أموال من الحكومة».
كما أضاف البيان «إن مركز البحرين يحث دوما على إشراك وإدماج وتمكين أبناء الأقليات الدينية والإثنية في أجهزة الدولة المختلفة بصفتهم مواطنين لهم الحقوق نفسها التي يتمتع بها الآخرون وعليهم الواجبات نفسها أيضا. إلا أن في موضوع تعيين نونو رسالة ستزيد من إحباط واحتقان الشارع البحريني، وسيكون لها أثر عكسي على التعايش والتسامح. وهكذا فإن اختيار امرأة يهودية في منصب سفير، يجب أن يكون دليلا على التعايش الديني وترسيخا له، لا أن يتم لأغراض بعيدة عن ذلك».
العدد 2096 - الأحد 01 يونيو 2008م الموافق 26 جمادى الأولى 1429هـ