في صبيحة يوم هادئ، من صباحات أحد أيام الأعوام الخمسة الماضية، استفاقت إدارة الطرق بوزارة الأشغال لتمضي نهارها كما اعتادت كل يوم، غير أن طيف منام مقلقا كان يراودها ولا يكاد يفارق مخيلتها... فلم تجد بُدّا من أن تفاتح شقيقتها إدارة المشروعات بذلك المنام الذي رأته... وما أن بدأت في سردها لذلك المنام حتى بدا الوجوم على وجه شقيقتها، وسادت لحظات من الصمت، لتفاجئ الأولى بأن شقيقتها رأت الحلم نفسه تماما... كان هذا الحلم أن كنزا عظيما مدفون في بقعة ما من شارع توبلي، لذا، قررت الشقيقتان البدء فورا في مشوار البحث عنه وهما على قناعة تامة بأن «الحياة ستكون مختلفة» بعد أن تجدا هذا الكنز المدفون.
بدأت جهود البحث الحثيثة، فتفاوتت الحفر بين العمق والسطحية على امتداد ذلك الشارع، لم تألُ الشقيقتان في وضع علامات الاعتذار من المارة ومستخدمي الطريق الذي يُعتبر منفذا رئيسيا للمناطق المحيطة، ومصبا أساسا في التقاطع الذي يمثل المخرج الوحيد للخروج من رقعة قرى توبلي ومحيطها إلى العالم الآخر خلف تقاطع غاز البحرين، حيث أن الشقيقتين تؤمنان تمام الإيمان أن ما تقومان به تترتب عليه «حياة مختلفة».
باءت جهود الشقيقتين بالفشل والخيبة، غير أن إصرارهما كان الدافع وراء امتداد عمليات البحث لتشمل بعض الطرق المحيطة، حيث أن ملامح مكان الكنز لم تكن واضحة تماما في ذلك المنام.
ولأننا هرمنا ونحن نحمل مع الشقيقتين هم العثور على الكنز والوصول إلى «الحياة المختلفة»، فإنني أستميحكم عذرا إذا لم أتذكر البداية الفعلية لعمليات البحث، فأظنها كانت قد بدأت في مطلع العام 2006 أو ربما نهاية 2005م.
ما يحزننا، نحن أهالي المنطقة أن جهود الشقيقتين لم تؤتِ أكُلها، ولم تثمر عن العثور على الكنز، إذ كنا نأمل أن نكون السبب في إدخال السرور على قلب الشقيقتين، ولكن مشيئة الله فوق كل شيء، ولكن والحق يقال، تمكنت الشقيقتان من تحقيق «الحياة المختلفة»، فشارع توبلي كان يعاني من سهولة الحركة في الماضي - قبل أعمال البحث عن الكنز - وإذا ما حدث ازدحام فإنه سرعان ما ينتهي بتعاون السائقين من خلال بعض الإزاحات الجانبية وفتح الطريق.
أما الآن انتهت هذه المعاناة؛ إذ لا يوجد مجال لأيٍّ من هذه الإزاحات بفضل الرصيف الجميل الذي يأخذ في بعض أجزائه عرض سيارة أو أكثر، بينما يضيق في أجزاء أخرى، وكذلك السياج الحديد الرائع الذي يفصل مساري الشارع.
ولا ننسى أيضا حالة المتعة التي أدخلها الشارع الجديد الذي كان السير عليه مملا جدّا لكونه مستقيما من أوله إلى آخره، فأصبح سائقو السيارات الآن يتخيلون أنفسهم في لعبة حاسوبية لسباق السيارات أو حلبة لتعلم فن المراوغة والتدرب على التحكم في مقود السيارة مع الانسيابية الثعبانية الجميلة جدا للشارع.
أمر آخر لا نود أن تفوتنا الإشارة إليه، أو بمعنى أدق الإشادة به، هو التقنية التي اعتمدتها الشقيقتان للإبقاء على سواق المركبات يقظين وحذرين أثناء السياقة، إذ جعلت أغطية حفر المجاري - أجلّ الله القارئ والسامع - أرفع من مستوى الشارع بشكل ملحوظ بحيث إذا لم يتنبه السائق فإنه حتما سيدفع ثمن سهوه لكراجات السيارات ووكالات التصليح. أضف إلى ذلك روعة المنظر المائي الجميل الذي سيكتسي به الشارع عند سقوط الأمطار في موسم الشتاء.
أجل، إن لم توفق الشقيقتان في العثور على كنزهما المفقود، فقد تمكنتا من تحقيق «الحياة المختلفة»، التي لا نتمنى أن نعيشها في بقية شوارع ومناطق البحرين، لا للشيء ربما لمجرد الأنانية؛ إذ ستظل منطقتنا صاحبة هذا التميز والامتياز!
الأمر الوحيد الذي بات ينقصنا، ونسأل الله أن يَمُنَّ علينا به في القريب العاجل، هو أن نتحف أسماعنا بتعليق الشقيقتين أو أي منهما حول هذه «الحياة المختلفة» كي نتعرف عن قرب على عمق مشاعرهما ولاسيما أنهما لم تعثرا على كنزهما، فهل هما يا ترى مسرورتان بما حققتاه من إنجاز أم أن مشاعر الخيبة في العثور على الكنز هي ما يسيطر عليهما، وخصوصا أن جهودهما كانت طويلة الأمد؛ إذ يسير العمل الآن في عامه الرابع ولا يزال مستمرا، بينما المشروعات الأخرى كالجسر العلوي في منطقة الخريطة سابقا -على سبيل المثال لا الحصر - قارب على الاكتمال بعد قرابة العام من البدء فيه، ولعله إن احتاج أكثر فسيحتاج إلى عام آخر فقط.
عادل الملاّح
العدد 2543 - السبت 22 أغسطس 2009م الموافق 01 رمضان 1430هـ