العدد 265 - الأربعاء 28 مايو 2003م الموافق 26 ربيع الاول 1424هـ

العوائل الفلسطينية في بغداد والشتات الجديد

تلقت السيدة العجوز اعتدال حامد، (80 عاما)، فرصة أسبوع واحد من صاحب المنزل الذي تقطنه هي وعائلتها في ضاحية جميلة البغدادية، لتغادره. طبعا السيدة فلسطينية، وطرحت عليه السؤال المعتاد في هذه الحالات: « وأين يمكننا أن نذهب؟»، فأجاب علي جاسم عبد الوهاب: «إنها ليست مشكلتي، إنها مشكلتك»، وتضيف: «وبالتالي نحن هنا»، ورفعت يدها في إشارة مؤثرة إلى سقف الخيمة، سكن عائلتها الجديد.

وفي الواقع إن صفوف عشرات الخيام في هذا المركز الرياضي الوسخ في منطقة حيفا ببغداد، يشبه صور خيام الفلسطينيين غير الملونة في الضفة الغربية ولبنان بعد النكبة في العام 1948. فهذه السيدة التي طردت من بلدتها قبل 55 عاما، أم لثمانية أولاد وخمس بنات، عادت لتطرد مرة أخرى من بغداد في 2003.

ويمكنك أن تلوم الجميع: من البريطانيين الذين أصدروا وعد بلفور، إلى الاسرائيليين لمسئوليتهم عن ترحيل 750 الف فلسطيني من منازلهم في العام 1948 و1949، والولايات المتحدة لدعمها الواضح لاسرائيل، وصدام حسين لإسكانه الفلسطينيين في مساكن ذات إيجار منخفض جدا بالمنازل العراقية، وحتى الفلسطينيين أنفسهم لعدم اعترافهم بظلم نظام صدام حسين، والأميركيين مرة أخرى لفشلهم في منع حالات الطرد التي يتعرض لها الفلسطينيون من حيث إنهم قوة احتلال في العراق.فهناك 650 عائلة فلسطينية على الأقل -أكثر من 3 آلاف فلسطيني - طردوا حتى الآن من المنازل التي كانوا يقطنونها، في أحياء الزعفرانية والجميلة والحورية في بغداد.وانتهى بهم الأمر إلى هذه البقعة الرياضية الترابية ذات درجات الحرارة العالية.

وحتى عندما كانوا في منازلهم، فإن عيشتهم كانت صعبة.فاعتدال حامد تقول إن 18 عائلة عاشت في ثلاث شقق مكونة من حجرتين، وكانت الحكومة العراقية تدفع إيجاراتها التي تبلغ 1600 جنيها استرلينيا. وكان الفلسطينيون يتمتعون بالحماية تحت القانون العراقي، ولكن بما ان الأميركيين حلوا النظام في العراق الآن، فإن ملاك المنازل تحركوا ضد المستاجرين المفلسين. يقول مدير مركز حيفا قصي المهدي إن بعض الملاك كانوا لطيفين مع المستأجرين فأعطوهم مدة أطول للمغادرة، بينما البعض الآخر كان فظا. ويضيف «إن الايجارات في بعض الحالات لم تكن تتجاوز دولارين في السنة وأنا لا ألوم الملاك على رغبتهم باستعادة أملاكهم، وإنما ألومهم على الطريقة الفظة التي يتعامل بها بعضهم مع المستأجرين».

بل ان كثيرا من العوائل الفلسطينية تعرضت لمواجهات مع مسلحين عراقيين،طلبوا منهم الخروج في الحال. ففي مدرسة ثانوية ببغداد دخل طلبة عراقيون مسلحون بالكلاشنكوف، حسبما ينقل عامر يونس قريب السيدة اعتدال، وأخرجوا الطلبة الفلسطينيين: «لقد دخلوا الصفوف بأسلحتهم وصاحوا بأبنائنا: اخرجوا من العراق. فلماذا يفعلون ذلك بنا؟ فنحن هنا منذ العام 1948، قبل مجيء صدام حسين».

والقصة ليست بهذه الدرجة من التبسيط، فصدام كان يتباهى مثلا بدعمه للقضية الفلسطينية، ويجعجع بتحدي إسرائيل بينما كان يقمع معارضيه داخل العراق، وهو ما تسبب في إبعاد الفلسطينيين عن الشعب. وحتى اليوم، لم يتردد المهدي عن القول بأن صدام رجل جيد للفلسطينيين، فيما نظر إليه زملاؤه بارتباك.

ولكن حتى التاريخ يقف ضد الفلسطينيين في العراق، فغالبيتهم جاءوا من (حيفا)، وقصة آبائهم وأجدادهم الذين جاءوا من بلادهم في أعقاب المعارك التي جرت بين الجيش الاسرائيلي الوليد وجيش التحرير العربي، الذي هب إلى فلسطين لمقاتلة الاسرائيليين، وتركوا منازلهم إلى الشرق، ووجد حوالي5 آلاف أنفسهم في جنين التي كانت تحت سيطرة الجيش العراقي. وعندما انسحب العراقيون عبر نهر الأردن اصطحبوا معهم هؤلاء إلى بغداد.

وهناك أعلنت زوجة ملك العراق، الملكة علياء أن العراق سيعتني بأي لاجئ يعبر إلى نهر دجلة. وتحت حكم القانون في العامين 1948 - 1949، تبنت السلطات العراقية العناية باللاجئين الذين حرموا من أي مساعدة من وكالات الغوث أو المساعدة الدولية، ولكن أحفادهم الذين بلغ عددهم 35 ألف نسمة، يتعرضون اليوم لنقمة العراقيين الذين أصبحوا يمتعضون من أي شخص له أدنى شعور بالامتنان تجاه صدام.

وتتحمل قوات الاحتلال الانجلو أميركي اليوم ضريبتها الكاملة عن المجتمع الفلسطيني هنا، فقد قتل ثلاثة طلبة فلسطينيين وطفل رابع مع جرح أربعين آخرين في غارة جوية عندما أمطر الأميركيون حي البلديات الفلسطيني بقنابلهم ، والكثير منهم كانوا يقطنون الحدائق وسطوح المنازل ذات الطابقين. وفي أعقاب الحرب مباشرة تعرضت عوائل منهم للهجمات، وألقيت في شرفة إحداها قنبلتان على منزل قتل فيه الطفل روان سليمان وعمره 7 أشهر.

منظمة هيومان رايتس ووتش أوصت الولايات المتحدة والقوات المحتلة الأخرى بتقديم حماية للفلسطينيين في بغداد، سواء من الشرطة أو الجنود الأميركان، لمنع مزيد من عمليات الطرد، وباعتقال كل من يهاجم الأجانب في العراق.

وفي هذه الاثناء فإن صيف العراق الحاربدأ في صهر لون خيام الأمم المتحدة الخضراء في مركز حيفا الرياضي، فيما تمت إزالة الأوساخ من شمال المنطقة استعدادا لاستقبال موجة جديدة من أسر النازحين في شتات جديد

العدد 265 - الأربعاء 28 مايو 2003م الموافق 26 ربيع الاول 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً