العدد 255 - الأحد 18 مايو 2003م الموافق 16 ربيع الاول 1424هـ

الوضع السياسي السعودي متماسك وجميع الدول العربية تحت الضغط الأميركي

وصف الامين العام السابق لوزارة الخارجية اللبنانية السفير ظافر الحسن في حديث إلى «الوسط» الوضع السياسي الداخلي في المملكة العربية السعودية «بالمتماسك» ، وان القيادة فيه «تدير الدفة باتجاه التحديث والانفتاح، وان كان ذلك لا يعني استحالة حصول حوادث محدودة بتأثير المناخ السائد في العالمين العربي والاسلامي جراء انعكاس الهيمنة الاحادية الاميركية». كما تحدث عن العلاقات الاميركية -السعودية، وعن النفوذ السعودي الاقليمي والدولي، ومستقبل الجامعة العربية وخريطة الطريق.

الحديث مع السفير الحسن تم قبل التفجيرات الاخيرة في الرياض. سألناه:

القيت في الاسبوع الماضي في المركز الثقافي الاسلامي في بيروت محاضرة بعنوان «المملكة العربية السعودية امام تحديات المرحلة»، ما كان لافتا لاسباب كثيرة اهمها انك غير سعودي. لماذا اخترت هذا الموضوع بالذات؟

- وان لم اكن سعوديا، فإنني أكن للمملكة وقادتها وشعبها مودة خاصة واهتماما كبيرا لانني امضيت فيها 12 عاما سفيرا للبنان ( 1978 - 1990)، اضافة الى ذلك اتصل بي المركز الثقافي الاسلامي وطلب مني ان القي محاضرة عن المملكة، فلبيت الطلب ووجدت من المناسب ان اتحدث عن المملكة في مواجهة التحديات الناجمة عن تداعيات 11 سبتمبر/ايلول والحرب الاميركية على الارهاب التي تبدو انها لن تنجح في القضاء على ارهاب هنا الا لتستدرج نشوء ارهاب هناك.

كيف لك ان تصف الوضع السياسي الداخلي في المملكة في ظل هجمات خارجية متعددة ابرزها من الاعلام الاميركي؟

- صادف ان العدد الاكبر من المتورطين في حوادث سبتمبر يحمل الجنسية السعودية ويعيش خارجها، فاستهدفت المملكة بحملة شرسة من الاعلام الاميركي. ولكن القيادة السعودية قابلتها بحكمة وصبر واتخاذ سلسلة من التدابير والخطوات على الصعيدين الداخلي والخارجي بقصد استيعاب الحملة وافشالها. وفي اعتقادي ان الوضع السياسي الداخلي متماسك والقيادة السعودية تدير دفته باتجاه التحديث والانفتاح والمزاوجة بين تطلعات الامة ومتطلبات الدولة. هذا بالطبع لا يعني استحالة حصول حوادث محدودة بتأثير المناخ السائد في العالمين العربي والاسلامي حتى لا اقول العالم الاوسع برمته جراء انعكاسات الهيمنة الاحادية الاميركية واسقاطات الحرب الاميركية الشاملة على الارهاب وتداخل المشكلات الدولية والاقليمية وعدم ايجاد الحل المنصف للنزاع العربي - الاسرائيلي، ووجود تيارات داخلية متناقضة قد لا يخلو منها اي بلد.

كيف تتوقع ان تتطور الامور السياسية تجاه السعودية بعد الاحتلال الاميركي للعراق؟

- للادارة الاميركية المنحازة تقليديا الى «اسرائيل» رؤيتها بالنسبة إلى المنطقة، أي للعالم العربي ككل ومن ضمنه السعودية. ولكن للمملكة رؤيتها ايضا، ويمكننا ان نفهم المبادرات التي اتخذها ولي العهد الأمير عبدالله على الصعيدين الخارجي والداخلي لرص الصف العربي في وجه المخاطر الطارئة وتعزيز اللحمة الوطنية في وجه الهجمة الغربية التي تتسربل برداء السياسة فيما هي في نهاية الامر هجمة ثقافية تستهدف مفاهيم الامة الاساسية. من هنا دعوة المملكة المتكررة الى ضرورة ضبط الامن في العراق وتمكين العراقيين من إدارة شئونهم بأنفسهم.

المملكة والضغوط الأميركية

ما الذي تخشاه السعودية برأيك بحسب قراءتك لأوضاعها لاسيما انك عملت فيها سفيرا مدة 12 عاما؟

- لا اعتقد ان هناك ما تخشاه المملكة في عمق وجدانها. وفي اعتقادي انها تؤمن بأن الاسلام الذي صمد اكثر من 1400 سنة امام فجاءات الزمان كافة، قادر على ان يستمر في الصمود في المرحلة الراهنة، وان يصوب بقدرته الذاتية ما شاب مسيرته من خلل التطرف الاستثنائي، ذلك انه اساسا دين العدل والاعتدال والتسامح.

ولكن البلدان العربية جميعها معرضة لضغوط اميركية اخشى ان تكون اضرارها اكبر من منافعها، وان تعرض باندفاعتها غير المبررة أمن هذه البلدان وتوازناتها للاهتزاز. ولتلافي ذلك لابد من تضافر الجهود لكبح الاندفاعة الاميركية الاحادية وتوسيع القاعدة الاجتماعية والسياسية لتوطيد التوازن الوطني.

التماهي مع «اسرائيل»

هل تعتقد ان السعودية فوجئت بحدة الهجمة الاميركية عليها بعد حوادث سبتمبر؟

- اعتقد ذلك. وكانت مفاجأتها كبيرة بقدر شعورها بأن رد فعل الولايات المتحدة كان مبالغا فيه، واستغلته شرذمة من المنظرين من مدرسة المتطرفين من المحافظين الجدد اليمينيين المتصهينين والذين يشاركون بحكم مواقعهم في صنع القرار، وتكاد بكل أسف أن تتماهى في أفق تفكيرهم مصلحة «اسرائيل» مع مصلحة الولايات المتحدة. وفي ذلك شطط كبير يؤثر على علاقات واشنطن بالعالم العربي والسعودية.

هل تكفي الاصلاحات الداخلية السعودية كما ينوي كبار المسئولين فيها، وكما يطالب به بعض المثقفين، لردع حدة الضغوط الخارجية؟

- لا خوف من الاصلاحات في نظري. وقد قدم الامير عبدالله الى القمة العربية التي انعقدت في شرم الشيخ في مارس/اذار الماضي تصورا باسم «ميثاق العمل العربي» كان من أبرز بنوده تبني حتمية الاصلاح وتطوير المشاركة السياسية الداخلية. ولقاؤه مع مجموعة من المثقفين من حملة التطلعات الاصلاحية في يناير/كانون الثاني 2003 ثم مجموعة اخرى من الوجهاء والمفكرين الشيعة في مارس، يندرج في السياق التاريخي لتحسس القيادة السعودية نبض شعبها. وتحرك هؤلاء المفكرين دلالة عافية شرط ان يتم تحت سقف الانتماء الوطني وتوخي المساهمة في النهوض الاجتماعي وتعزيز كينونة الامة، وضمن تطلعات الوجدان الشعبي وبمنأى عن اي تدخل خارجي، بحيث يكون الولاء دائما للوطن والمقياس الاساسي منظومة القيم الحياتية العربية - الاسلامية.

يكثر الحديث عن احتمال تعرض السعودية لتقسيم جغرافي، هل يمكن لهذا الامر - لا سمح الله - ان يحصل؟

- كان احد الباحثين من أركان المدرسة اليمينية - الصهيونية المتطرفة في واشنطن امثال وولفوفيتز وريتشارد بيرل وبايس وسواهم قد وضع دراسة نوقشت في بعض حلقات البنتاغون تتحدث عن مثل هذا الامكان من منطلق وضع اليد على المناطق الغنية بالنفط وسلخها عن المملكة، ولكن البيت الابيض تنصل من هذه الدراسة ورفضها. ان مخاطر اعادة رسم خريطة المنطقة التي روّج لها بعض المنظرين خدمة لـ «إسرائيل» موجودة، وهي لا تستهدف المملكة بل العالم العربي بأسره. وعلى الدول العربية مجتمعة ان تعمل على استبعادها بعمل دائم ومشترك يتصدى لهذه الهجمة التي يكمن غرضها الاول في بسط الهيمنة الاسرائيلية تحت لواء الهيمنة الاميركية. وقد يكون الهدف إحداث تعديلات في النظم السياسية وليس في البنية الجغرافية.

وصول المتعصبين

هل التطورات سيما بعد 11 سبتمبر ووصول هذا الفريق المتعصب او المتهور الى الادارة الاميركية ستكون لها عوامل انحسار للنفوذ السعودي في المنطقة العربية وعلى الصعيد الدولي؟

- للمملكة مكانة خاصة وثقل نوعي على الصعيدين الاقليمي والدولي لعدة اعتبارات في طليعتها الخصوصية التي تتميّز بها السعودية لجهة دورها القيادي في معادلة العلاقات العربية - العربية، ولاحتضانها الاماكن المقدسة التي تهفو اليها قلوب المسلمين، ولانها تمتلك 25 في المئة من احتياط النفط في العالم، الامر الذي يجعل منها عاملا اساسيا من عوامل التوازن والاستقرار من جهة، والتنمية والازدهار من جهة اخرى على الصعيد الدولي، اي في العالم قاطبة الذي تشكل احتياجات الطاقة بالنسبة اليه ضرورة لا يمكنه معها الا ان تحتفظ المملكة بدورها واستقرارها، لما في ذلك من مصلحة ليس لها فحسب بل للمجتمع الدولي بأسره.

ماذا تتوقع لمستقبل جامعة الدول العربية ؟

- ان قوة الجامعة هي من قوة الدول العربية، ومن شأن مقاطعة دولة عربية لها أو لبعض أجهزتها ان يؤثر سلبا عليها. والمستجدات التي تستدعي تفحص الجامعة ومنهج عملها بقصد تحسين الاداء وتعزيز التلاقي العربي وجعل التضامن حقيقيا كثيرة. وفي اعتقادي ان التفريط في الجامعة لا يمكن ان يؤدي الا الى مزيد من التشرذم، ومن الضروري بالتالي المحافظة عليها وتطويرها بما يتلاءم مع المتغيرات الدولية والاقليمية، حفاظا على وحدة الهوية العربية وتفاديا لاصابة العالم العربي بآفة (المناطقية). وهذه امور تسهل طريق الهيمنة امام «اسرائيل» سواء كانت العلاقة معها علاقة مجابهة ام علاقة مهادنة.

لا أمل في خريطة الطريق

في ضوء جولة كولن باول ماذا تتوقع لمستقبل خريطة الطريق؟

- حتى الآن لدى شارون تصور مختلف لخريطة الطريق، وهو يبدو مصرا عليه، وهذا يجعل مستقبل هذه الخريطة مدلهمّا حتى لا نقول مقفلا. شارون اصلا لا يريد السلام، وهو على اي حال لا يريد سلام الشرعية الدولية، بل يريد الامن والارض وان يكون الفلسطينيون كتلة بشرية هلامية لا مجتمعا سياسيا له ثقافته وحضوره ودولته، والادارة الاميركية تدخل مرحلة الانتخابات الرئاسية. وبعد 11 سبتمبر واعلان بوش حربه الشاملة على الارهاب وتصنيفه الحركات الفلسطينية التحريرية في جملة المنظمات الارهابية، اصبحت المماثلة كبيرة بين نظرة واشنطن الى دول العالم ونظرة تل ابيب الى الدول العربية. الامر الذي يجعل من المستبعد ان تمارس الادارة الاميركية اي ضغط حقيقي على الحكومة الاسرائيلية ويجعل بالتالي هذه الاخيرة اكثر تشددا واقل استعدادا لتسويةٍ تراعي الحد الادنى والطبيعي من حقوق الفلسطينين والعرب. وخريطة الطريق الواضحة في خطوطها العريضة غامضة في التفاصيل ، و«اسرائيل» تزرع ألغامها بالتفاصيل. لجميع هذه الاعتبارات، ليس بالامكان التفاؤل حيال مستقبل هذه الخريطة التي قد تضاف الى الخطط الكثيرة التي سبقتها... باختصار لا جدوى من الخريطة من دون ضغط أميركي جدي على «اسرائيل». فهل تفعل واشنطن ذلك؟ سوابقها تدعو الى الارتياب

العدد 255 - الأحد 18 مايو 2003م الموافق 16 ربيع الاول 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً