لم يكن ما حدث الليلة قبل الماضية في استاد الملك فهد بالرياض حدثا عاديا في مباراة وانتهت، بقدر ما كانت ملحمة كروية مجنونة تلاعبت بمشاعر الآلاف ممن كانوا في مدرجات الاستاد أو الملايين الذين تابعوها عبر الشاشات بين الفرح والحزن بين تارة وأخرى لكل بحريني وسعودي، من دون أن يخطر على بالهم السيناريو الدراماتيكي المثير المجنون حتى جاءت النهاية السعيدة بحرينية.
وكانت جميع المؤشرات تسير نحو مجرى التعادل بهدف لكلا المنتخبين مع نهاية الـ 45 دقيقة من عمر الشوط الثاني وفق مجريات ومعطيات المباراة، بل كان الأحمر الأقرب إلى الفوز لكونه الأكثر حصولا على الكرات الخطيرة وأبرزها فرصة جون التي أهدرها في الدقيقة 80 والمرمى السعودي مفتوح وكادت تكون الضربة القاضية، لكن جنون عالم الكرة جعل أسرار الموقعة مدفونة حتى الوقت بدل الضائع التي هطلت فيه أمطار الإثارة على أجواء الملعب فكانت الشرارة هدفا سعوديا من دون مقدمات ولا سابق إنذار ووسط غفلة وشتات أذهان دفاع الأحمر لينفجر البركان الأخضر في المدرجات.
وللأمانة نقول أن القدر الكروي سيكون ظالما لو انتهت الأمور بنهاية سعودية لأن الأخضر كان باهتا وغير مقنع وخصوصا في الشوط الثاني، إذ عجز عن صناعة اية فرصة أو حتى أنصاف الفرص أمام مرمى منتخبنا بشهادة السعوديين أنفسهم، لكن أسرار الحكاية كانت تخبئ «قنبلة الفرح» التي فجرها الأحمر بعزيمة وروح رجاله في الرمق الأخير برأسية المهاجم إسماعيل عبداللطيف الذي استعاد ثقته بنفسه ليصيب الهدف الأحمر الفريق الأخضر وجماهيره في مقتل ويهز كبرياءه ويبدد أحلامه في الوصول إلى العالمية للمرة الخامسة على التوالي، فيما فتح آفاق الحلم البحريني على مصراعيه لبلوغ المونديال للمرة الأولى.
ووضح أن رجال الأحمر شاءوا إلا أن يوفوا بوعدهم الذي قطعوه منذ نهاية لقاء الذهاب الذي انتهى بالتعادل السلبي بعدما أهدروا فرص الفوز السهلة، وحينها أعلنوا رغبتهم القوية في التعويض في الرياض وبددوا جميع المخاوف من صعوبة المهمة، فظهروا بشخصية شديد البأس الذي لم ترهبه ظروف وتحدي الموقعة فقاتلوا ولم يهزهم الهدف السعودي المبكر وهيجان الجمهور فسرعان ما دخلوا تدريجيا أجواء المباراة حتى أدركوا هدف التعادل في توقيت مناسب أعطى منتخبنا ارتياحا في الشوط الثاني وشكل ضغطا نفسيا كبيرا على الفريق السعودي فضاع واختفت نجومه وخصوصا ياسر القحطاني ومحمد نور والشمراني من دون أن تغير تبديلات المدرب بسيرو من واقع الأخضر، فيما كانت ثقة رجال الأحمر واضحة داخل الملعب وبقدرة على شن كرات مباغتة بين تارة وأخرى فاحت منها رائحة الخطورة وأبرزها فرص جون وعبدالله عمر ومحمد حبيل اللذين قاما بدور فعال في الناحية اليمنى بصورة واضحة في الشوط الثاني، كما أن شدة البأس والعزيمة ظهرت في اللحظات الأخيرة بعد الهدف السعودي الثاني الذي جاء في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع لكن منتخبنا احتفظ بتماسكه وثقته وهو ما ساعده على انتزاع الهدف والفرحة من أفواه السعوديين، وهي من الحالات النادرة أن تنقلب الأمور بهذه الطريقة واللحظات الحاسمة على صاحب الأرض والجمهور!
ويبدو أن ظروف وحسابات المباراة اضطرت الأحمر ومدربه ماتشالا إلى التراجع في الثلث الساعة الأخير من الشوط وتحمل خط الدفاع بقيادة سيدعدنان وحسين بابا العبء الأكبر في التصدي لكل المحاولات السعودية الواردة والشاردة في ظل غياب محاور الوسط «الساتر الدفاعي» عدا محمود جلال.
ولعل التعادل «المكسب» للأحمر سيفتح ملفات الكرة السعودية وتحديدا المنتخب الأول في الأيام المقبلة في ظل موجة الانتقادات التي طالت المنتخب والمسئولين واللاعبين ووصفوا المنتخب الحالي بالأسوأ للكرة السعودية منذ 15 عاما، وأن مصير المدرب البرتغالي بسيرو أصبح في مهب الريح بعدما فقد الإعلام والشارع السعودي الثقة به بعد هذا الإخفاق.
العدد 2562 - الخميس 10 سبتمبر 2009م الموافق 20 رمضان 1430هـ