مازال حزب اليسار الألماني يسعى جاهدا إلى الحصول على تزكية من المجتمع للمشاركة كطرف أصغر في ائتلاف حكومي مستقبلي لحكم ألمانيا، وذلك على رغم تزايد شعبيته في الآونة الأخيرة، تلك الشعبية التي انعكست أيضا في نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في أكثر من ولاية ألمانية.
ومازال هناك نقاش ساخن في أوساط المجتمع الألماني بشأن السماح لحزب اليسار بالمشاركة في الحكومة أو عدمه وذلك على رغم أن الانتخابات البرلمانية الألمانية لم يبق عليها سوى أسبوعين.
وتحرص الأحزاب الأربعة الرئيسية في ألمانيا على التأكيد أنها لا تعتزم السماح لحزب اليسار بالمشاركة في أي حكومة ائتلافية على المستوى الاتحادي عقب الانتخابات المقررة في السابع والعشرين من سبتمبر/ أيلول المقبل.
ويعتبر السبب الرئيسي لهذا الرفض الحالي لحزب اليسار هو أن كثيرا من أعضائه كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي بألمانيا الشرقية سابقا.
غير أن المودة الواضحة بين حزب اليسار بقيادة أوسكار لافونتين، الرئيس السابق للحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يرشح وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير لمنافسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على منصبها، جعل البعض يتساءل عن مدى صدقية تعهد الاشتراكيين بعدم التعاون مع اليسار ضمن حكومة ائتلافية على المستوى الاتحادي.
ودأب شتاينماير على التأكيد مرارا أنه لا يعارض التحالف مع اليسار على مستوى الولايات غير أنه أكد في الوقت نفسه أن حزبه الاشتراكي يرى التعاون معهم ضمن حكومة اتحادية من المحظورات.
وحاول معارضون لشتاينماير غض الطرف عن هذا الوعد، مؤكدين أنه ينطوي على نوع من الجاذبية السرية.
ومشيرا لهذا التقارب غير المعلن بين الحزبين، قال الأمين العام للحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه ميركل، رونالد بوفالا: «إنهما لا يستطيعان التوقف عن مغازلة بعضهما بعضا». يأتي ذلك في الوقت الذي كان الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي تزعمه لافونتين من قبل يعتبر لافونتين بمثابة يهوذا الخائن، وذلك منذ انشقاقه عن الحزب قبل أربع سنوات.
ويبدو أن نفور غالبية الألمان من حزب اليسار ليست له علاقة بأي مخاوف من أن يقدم أي وزير من حزب اليسار في حكومة اتحادية محتملة تنازلات بشأن المصالح الأمنية الغربية. ألم يساعد وزراء شيوعيون في حكم فرنسا من العام 1997 حتى العام 2002 وأدار شيوعيون سابقون شئون الحكم في إيطاليا بلا انقطاع يذكر؟ وبدلا من ذلك فإن الشعب الألماني ركز أكثر على بعض الشيوعيين السابقين الذين عملوا في صفوف جهاز أمن الدولة السري في ألمانيا الشرقية سابقا قبل انهيارها مع سور برلين العام 1989. تلك الشرطة التي كانت تثير الرعب في نفوس الألمان الشرقيين.
ومن بين هؤلاء الألمانية إينا لوكيفيلد (54 عاما) القيادية بحزب اليسار بولاية تورينجين والتي عملت ضمن جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا وقالت إنها يمكن أن تتولى منصبا وزاريا في حكومة ائتلافية في الولاية يشارك فيها حزب اليسار.
ولكن قيادات كل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر في الولاية سارعت للتأكيد أنهم لن يقبلوا العمل جنبا إلى جنب في حكومة واحدة تضم لوكيفيلد. وفي الوقت ذاته، فإن زعيم حزب اليسار في الولاية، بودو راميلو، أكد دعمه لها وقال إنها طوت ماضيها واعتذرت عنه وقالت إنها نادمة على العمل تحت قيادة الشيوعيين.
ودفع هذا بعض أنصار حزب ميركل اليميني إلى حثها على التخلي عن تحفظها في المعركة الانتخابية وعلى المواجهة المباشرة مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، منافسها الأول في الانتخابات، ومطالبته بالكشف عن نيته الحقيقية فيما يتعلق بالتعاون مع حزب اليسار عقب الانتخابات، قائلين إن ذلك سيمس نقطة ضعف الاشتراكيين ألا وهي غموضه فيما يتعلق بالتعاون مع حزب اليسار.
ويعتمد هؤلاء على المزحة التي روجها الحزب المسيحي الديمقراطي العام 1994 والتي ذهبت إلى استحالة الثقة بالحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وأشاعت هذه الحملة السرور في أوساط الألمان آنذاك في حين ساد الاستياء والإحباط بين أعضاء الاشتراكيين واستعاد الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة المستشار الألماني الأسبق هلموت كول شعبيته في الاستطلاعات.
غير أن بيتر هينسه الذي كان يتولى آنذاك منصب الأمين العام للحزب، قال هذا الأسبوع إن «حملة الجارب الأحمر» لن يكتب لها النجاح هذا اليوم، لأن دكتاتورية ألمانيا الشرقية السابقة أصبحت شاحبة في أذهان الألمان اليوم بالإضافة إلى أن وجود لافونتين في صفوف اليسار يجعل حزب اليسار أكثر احتراما.
وبالفعل فليس هناك احتمال حقيقي بأن يسمح لحزب اليسار بالمشاركة في أي حكومة اتحادية مقبلة في ضوء انحسار الاحتمالات التي يمكن أن تسفر عنها انتخابات السابع والعشرين من سبتمبر الجاري في نوع الائتلاف الحكومي الذي تفضل ميركل قيادته عقب هذه الانتخابات حيث لا يتوقع لتكتل اليسار، الاشتراكيين وحزب اليسار، الحصول على غالبية حتى في حالة حصول حزب اليسار على 10 إلى 13 في المئة من أصوات الناخبين في أفضل الأحوال.
وقالت ميركل أكثر من مرة، إنها تفضل التعاون مع الحزب الديمقراطي الحر المعروف بتأييده للطبقة الوسطى. ولكن ميركل ستضطر للاعتماد لأربع سنوات أخرى على الحزب الاشتراكي الديمقراطي في تشكيل الحكومة المقبلة إذا لم تكف النتيجة التي سيحققها الحزب الديمقراطي الحر.
العدد 2565 - الأحد 13 سبتمبر 2009م الموافق 23 رمضان 1430هـ