العدد 2569 - الخميس 17 سبتمبر 2009م الموافق 27 رمضان 1430هـ

استراتيجيات الأنظمة السياسية في التعامل مع الإسلاميين (1)

رشيد مقتدر - باحث مغربي في العلوم السياسية والجماعات الإسلامية 

17 سبتمبر 2009

إن الحديث عن علاقة أنظمة الحكم بالقوى السياسية، سواء كانت ليبرالية أو يسارية أو إسلامية، يقتضي الإقرار بوجود استراتيجيات متنوعة تجاه القوى الإسلامية، بدل استراتيجية واحدة وهو ما سنتطرق إليه من خلال أربع استراتيجيات، تجسد منطق تعامل السلطة السياسية مع القوى السياسية والاجتماعية المعارضة في العالم العربي، إلا أن الهوية السياسية للأنظمة السياسية العربية تختلف من نظام لآخر، فهناك الأنظمة الشمولية القمعية التي لا تقر بالتعددية ولا بحق المعارضة وتسعى إلى تكريس التوريث السياسي للرؤساء، وهناك الأنظمة التسلطية التي تفرز تعددية حزبية مصطنعة كحلة موجهة للخارج، وهناك الأنظمة شبه الاستبدادية وهي في مرحلة سياسية انتقالية تسمح بهوامش سياسية للقوى السياسية المعارضة، إلا أن الانتقال الديمقراطي يتميز بنوع من البطء.

تتحدد خطط النظام السياسي في كيفية التعامل مع الإسلاميين في أربع استراتيجيات:

أ - استراتيجية الإدماج التدريجي داخل النظام السياسي، وهي خطة تستند أولا إلى مدى استعداد التيار الراغب في الدخول للعبة السياسية وإلى ضرورة اعترافه بقواعدها وإقراره بثوابتها، التي تسلم بالدور المركزي للمؤسسة الملكية والاعتراف بالمجال السيادي الخاص بها، مع التسليم بالشرعية الدينية للحكم الممثلة في إمارة المؤمنين ثم نبذ العنف والتطرف، والرهان على العمل السياسي السلمي كأساس للإصلاح والتغيير، وترتكز من جهة ثانية على رغبة النظام السياسي في الانفتاح على باقي القوى السياسية والاجتماعية المعارضة، وقبوله بفسح المجال لإشراكها كليا أو جزئيا في السلطة والحكم، وإتاحة هوامش سياسية تكرس جو الثقة وتسهم في تقوية الإجماع حول النظام السياسي، وقدرته على تمثيلية الجميع لا قوى سياسية معينة.

ب - استراتيجية التضييق والمحاصرة والتحجيم وتستعمل ضد التيارات التي اندمجت فحصدت نتائج سياسية جيدة أقلقت النظام وحدت به إلى نهج استراتيجية التضييق والمحاصرة، للحد من النفوذ الانتخابي للإسلاميين وإعاقة تجذرهم الاجتماعي، ويجسد هذه الحالة جماعة الإخوان المسلمين المصرية التي حصدت خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2005 على 88 مقعدا نيابيا، وتنتهج هذه الاستراتيجية اتجاه القوى السياسية والاجتماعية الرافضة للاندماج وفقا لقواعد اللعبة السياسية كما حددها النظام، الشيء الذي يفهم منه رفضها لشرعية النظام السياسية والدينية، ويمثلها على صعيد القوى الاشتراكية اليسار الجديد التي تمكن من تليين مواقفه، بعد عقود من الرفض الجذري للتعامل مع النظام، ويجسدها على مستوى القوى الإسلامية جماعة العدل والإحسان، ويتحدد الهدف من عملية التضييق والمحاصرة في محاولة التأثير على هذه القوى، بغية حثها على تليين مواقفها السياسية وقناعاتها الفكرية، حتى تغدو أكثر مرونة واعتدالا في علاقاتها مع نظام الحكم، وجعلها تقر بشرعيته السياسية والدينية.

ج - استراتيجية التجاهل واللا مبالاة للقوى الإسلامية التي لا تحظى بتجذر جماهيري واسع، وتبقى ذات طابع نخبوي أو قريب من ذلك، ويمثله في المغرب بعض الحركات الإسلامية الصغيرة كالحركة من أجل الأمة التي سميت بحزب الأمة غير المرخص له، وحركة البديل الحضاري التي تحولت إلى حزب البديل الحضاري سنة 2005.

إن قياس مدى قدرة الأحزاب السياسية والحركات الإسلامية على التعبئة الانتخابية والتأطير السياسي والاجتماعي، والتمكن من تحريك الشارع والتأثير فيه، وتعبئة الجماهير للانخراط في مظاهرات أو مسيرات شعبية، يعد من أبرز المعايير لقياس قوة القوى السياسية والاجتماعية، كما أن الحصول على نتائج إيجابية في الاستحقاقات الانتخابية غدا مؤشرا على قوة التنظيم واختيار مدى تجذره وشعبيته.

د - استراتيجية الردع والزجر وتنتهج ضد التيارات التي تنطلق من العمل العنيف الخارج عن إطار القانون ضد السلطة وأجهزتها وضد المجتمع، وقد شكلت تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003 بداية لتواجد هذه النوعية من التيارات والخلايا في المغرب، إلا أن بداية الاتجاه الداعي إلى العنف المسلح برزت مع التيارات اليسارية الثورية في الستينيات والسبعينيات، مرورا باغتيال المناضل الاتحادي عمر بن جلون سنة 1975 من طرف الشبيبة الإسلامية، ووصولا إلى عملية أطلس إيسني بمدينة مراكش في منتصف التسعينيات.

العدد 2569 - الخميس 17 سبتمبر 2009م الموافق 27 رمضان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً