العدد 2570 - الجمعة 18 سبتمبر 2009م الموافق 28 رمضان 1430هـ

مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث يحتفل بالذكرى السنوية الأولى لرحيل الفنان أحمد باقر

أقام مركز الشيخ ابراهيم بن محمد ال خليفة للثقافة والبحوث احتفالا مساء امس بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الفنان الدكتور البحريني أحمد باقر عضو مجلس أمناء المركز حضرها عدد من الفنانين والأدباء والمبدعين والمواطنين.

وفي كلمة لرئيسة مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث أوردت الشيخة مي بنت محمد ال خليفة إحدى مثنويات جلال الدين الرومي قائلة «في أعماق الحزن يوجد الجمال، وتتحول الدموع إلى لآلئ. لابد أن ننظر إلى أبعد من إشكاليات الحزن التقليدي ففي هذا الحزن محبة تجمعنا وتعطينا بعدا إنسانيا و تعطي أرواحنا تجربة فريدة في ممارسة الحزن من خلال المحبة الدائمة التي يتشابك ويتدخل فيها الإنسان فينا في تجدد أبدي».

وأشارت الشيخة مي إلى أنه بهذه الصفات الإنسانية أراد باقر أن يكون لقاء اليوم مع أصدقائه ومحبيه، ففي غيابه لازال حبه للفن والتراث حاضرا معنا وكذلك التزامه بالهوية المتميزه واهتمامه بتاريخ بلده والناس، وبالطبيعة وبالاثار وبالخيل العربية والشعر وجميعها أجنحة لروحه المرهفة حين تحلق معنا وبيننا، فهو الحاضر في فنه وفي حبه لكل جميل وفي مودته الصادقة لكل من عرفهم في داخل البحرين وخارجها.

وقالت الشيخة مي «كلنا نعلم أن الفنان أو الأديب أو الشاعر لايغيب أحد منهم ، فكيف يغيب أحمد وهو يحمل كل هذه الصفات التي سنجعل من موضوعها حدثا يتكرر كل عام في برامجنا الثقافية، وأضافت الشيخة مي أنه وفي ذكرى الدكتور أحمد باقر ستكون هناك محضرة سنوية في كل موسم تحمل اسمه وتقدم كل ما هو إبداعي في المجالات التي أحبها لذلك فنحن على موعد معه في كل عام».

وفي مداخلة له بهذه المناسبة ألقى الفنان الناقد اللبناني الدكتور شربل داغر صديق الفنان الراحل احمد باقر كلمة جاء فيها:

«يحلو لي، في الكلام عن الفنان الراحل الدكتور أحمد باقر، أن أرى إليه من منظور «الرائد» الذي كان عليه، وعلى أكثر من صعيد. وإذا كان «الرائد» في العربية هو من يتقدم الجماعة لكي يتفقد مصادر المياه ووجود المراعي، متحققا من مناسبتها للنزول والإقامة، فإن هذه المعاني تصلح في أحمد باقر، الذي يبقى علامة منيرة في مستقبل الثقافة. والرائد، إذ يستبق غيره، يفكر في الخيارات، لا في نوايا وميول ونزعات فردية، على أن ذلك في الفن يتعين في بناء العلامة والقيمة.

وهو ما حصل لي معه، منذ لقائي الأول به، إذ تعرفتُ إلى فنه قبل أن أتعرف إلى شخصه. كان ذلك في المعرض السنوي السادس والعشرين للفنانين التشكيليين البحرينيين، في العام 1997، إذ كنت مُحكِّما فيه، وكان لي شرف إعلان فوزه بجائزة «الدانة»، الجائزة الكبرى.

ما استوقفني، يومها، هو إقباله على الرسم بقلم الرصاص، وهو ما كان قد اختفى منذ عقود من عدة التشكيليين، فكيف في المسابقات الفنية! كان الرسم الفائز عن عازف عود، ما عالجه باقر بضربات قلم مجرَّب ودينامي.

يقوى الدارس ناظرا إلى هذا الرسم أن يلحظ فيه متانة الرسم، المبنية على اهتزاز الخط وثباته في آن، حيث أن ضربة باقر تتشبه بضربات العازف على عوده، ضربة مركزة ومتلاحقة، هي وغيرها، في تتابعٍ تُلاحق اليدُ فيه النَّفَس. كما في إمكان الدارس أن يلحظ انبناء الرسم على لحظة مفتوحة، على شكل قيد التشكل.

كما يقوى الدارس على انتباه ما للقلم من إمكانات تشكيلية ولونية في عمل باقر. فهو يبني خطا، خطوطا، بل تدرجات خطية، ما يُدخل الرسم في دينامية شكلية غير مسبوقة، إذ ما عاد القلم يرسم خطا، بل «مناخا»، وهو ما للأصباغ اللونية من قدرة على فعله، على توليده.

في هذا كله طور الفنان باقر، بل عدل من قابليات القلم والرسم، بقوة وارتعاشة في آن. وهو هذا الجمع النادر الذي يقوى عليه الفنان الذي يختصر - إذ يستعيد حركات الإنسان لامسا الأشياء أو متمثلها - يختصر تاريخ ممارسة الصنع نفسه، ويقترح جديدا لها، ومنها لنا.

كان لي بعد ذلك اللقاء أن التقيه مرات ومرات، سواء في البحرين أو في بيروت، أو على الهاتف، وأن أتعرف إلى شخصه كما إلى مصادر فنه. وانتبهت حينها إلى أنه درس الرسم كما التصوير في تحصيله الجامعي في «المدرسة الوطنية للفنون الجميلة» في باريس. وهو الولع عينه الذي يجده الدارس إن تتبع مراحل فنه الأولى، بل علاقته الأولى بالتشكيل، وهي فوزه بجائزة في مسابقة الرسم أجرتها «شركة النفط» لطلاب مدارس البحرين ومدارس المملكة المتحدة، وهو في الثالثة عشرة من عمره. وهو ما لن يتوانى عن فعله، في معرضه الفردي الأول، في العام 1972، في «مدرسة المنامة الثانوية للبنين»، الذي خصصه للرسوم بالقلم الرصاص.

هذا ما اتضح منذ انصرافه الدراسي إلى الفن، حيث أنه جمع بين درس ممارسات الفن في باريس، وبين درس تربية الفن في «ويلز» البريطانية. ولقد تجشم باقر في ذلك مصاعب تعلم لغتين، فيما كان يقبل على تعلم لغات أخرى، فنية ومنهجية وغيرها. وهو لم يكتف بتحصيل شهادة، بل سعى وحصَّل شهادات عالية عديدة ومختلفة، وبلغ بها درجة شهادة الدكتوراه في إحدى أفضل الجامعات، وهي جامعة باريس الأولى في «السوربون الجديدة».

وما استوقفني في سيرته الدراسية استوقفني في سيرة غيره من فناني هذا البلد، وهو أن البحرين «نوَّعَ» في كليات التعليم التي انتدب إليها طلابه المميزون، أو ذهبوا إليها بأنفسهم: هذا ما فعله باقر بين فرنسا وبريطانيا، وهذا ما أجده في سيرة فنانين عديدين، حيث أنهم درسوا سواء في فرنسا أو في بريطانيا أو في الولايات المتحدة الأميركية أو في القاهرة أو في بغداد... وهو تنوع محمود، إذ يفك الأسر الثقافي الموروث من الاستعمار، ويتيح للحركة الفنية تنوعا خصبا ومنتجا في أصولها ومرجعياتها.

هذا النهج التأسيسي حمل، عند باقر، علامة مزدوجة، بل مركبة: تأهيل الفنان وتأهيل الفن في الوطن. وهو ما يلحظه الدارس منذ موضوع أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه، حيث كان: «أبحاث ودراسات في الفنون وتاريخها في البحرين».

وهو ما استكمله باقر في الوطن، بعد انتسابه إلى «جامعة البحرين»، حيث كان له دور تأسيس «مركز البحرين للفنون الجميلة والتراث» في العام 1996.

وما ابتعد اشتغال باقر في التأليف، في ميدان الفنون، عما فعله في التعليم نفسه، حيث كانت عينه حريصة ومتأنية في ما لها أن تفعله وترصده وتدرسه وتقدمه وتعرضه على غيرها. وإذا كانت لباقر إسهامات مختلفة في التأليف، منها وضعه في العام 1980 أول كتاب عن الفنون في البحرين، وهو: «الفن التشكيلي المعاصر في البحرين»، أو كتابه الآخر في العام 1981 بعنوان: «التصوير الضوئي»، أو كتابه في العام 1993 بعنوان: «الفن التشكيلي في البحرين» (منظمة الألكسو)، وغيرها الكثير، فإنه يحلو لي التوقف عند كتابه المرجعي: «مجيء الفن بمفهومه الأوروبي إلى العالم العربي»، الذي كان لي أن ناقشته فيه قبل صدوره وبعده، كما عولت عليه في كتابي: «العين واللوحة: المحترفات العربية». ويحلو لي، في هذا المقام، التوقف عند نقطة بعينها تطرق إليها باقر في هذا الكتاب، وهي التنبه إلى لوحات غير معروفة للتصوير في الخليج، ولا سيما التصوير على السفن.

ما يعنيني من إثارة هذه النقطة، هنا، هو التنبه - وإن باختصار - للمسألة التالية، وهي رصد تجليات الفن في التاريخ المحلي وفق منظور أوسع مما تقوم به دراسات الفن اليوم، فهي لا تعبأ، على سبيل المثال، بما انتبه إليه باقر في كتابه، وهو وجود تصوير «شعبي» (إذا جازت التسمية)، ولفنانين مغمورين، في البحرين منذ مطالع القرن العشرين، وقبله ربما، أي قبل التاريخ «الاحترافي» للتصوير فيه. ومن يعود إلى هذه اللوحة (التي هي من مقتنيات الفنان، على ما أفادني، وأورد صورة عنها في كتابه، في الصفحة 63)، يتحقق من تشابهها مع فن التصوير على الزجاج، أو مع «فن المثبت» (كما يسمى في تونس)، حيث نجد في هذه اللوحة المسعى الفني عينه، ومن تجلياته إقبال الفنان على إيراد أسماء من يظهرون في اللوحة، وهو ما أقبل عليه الفنان البحريني فيها إذ كتب اسم: «القائد» تعيينا لموقعه في السفينة، ولأهميته من دون شك.

مثل هذا الفهم محدود، بل قاصر تاريخيا وفنيا، لأنه لا يأخذ في عين الاعتبار ظهور أو وجود تقاليد فنية سابقة على اللوحة، من جهة، كما لا يأخذ في عين الاعتبار، من جهة ثانية، مدى قبول الجماعات والأفراد، في هذه البيئة أو تلك، بما أسميه «ثقافة الصورة»، وأعني بها دخول وسائط ذوق وفن جديدة إلى هذه البيئات تلتقي حول مسألة الصورة بمعناها الواسع».

بعد ذلك عرض مركز الشيخ ابراهيم بن محمد ال خليفة للثقافة والبحوث فيلما وثائقيا عن حياة الفنان الشاعر الرسام الراحل الدكتور أحمد باقر والذي تضمن مشواره الفني المليء بالنجاحات والفعاليات الفنية التي كان يشارك فيها ، كما تم عرض شريط لمقابلة تلفزيونية أجراها في العام 2003 الاستاذ حسن كمال مع الفنان أحمد باقر (من أرشيف تلفزيون البحرين).

وفي ختام احتفالية الذكرى الاولى لرحيل الفنان الدكتور احمد باقر تم توزيع كتاب بعنوان (مجيء الفن بمفهومه الأوروبي إلى العالم العربي) وهو من تأليف الفنان الراحل أحمد باقر.

وسينشر ملحق «فضاءات» الذي تصدره «الوسط» كل يوم خميس تفاصيل موسعة عن هذه الاحتفالية.

العدد 2570 - الجمعة 18 سبتمبر 2009م الموافق 28 رمضان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً