نيكولاس بلانفورد - مراسل لـ «الكريستيان ساينس مونيتور»، والمقال يُنشر بالتعاون مع «كومن غراوند»
01 أكتوبر 2009
يحب بعض اللبنانيين، وخاصة هؤلاء الذين يملكون شعورا بالسخرية، أن يتشاركوا بانطباعات المسافر الأميركي عن وطنهم الواقع على شرقي البحر الأبيض المتوسط:
أشار ويليام تومسون أن ديانات لبنان وطوائفه (هناك 18 ديانة وطائفة معترف بها في دولة هي أصغر حجما من ولاية كونيكتكت) تتشارك في دولة ولكن بكم قليل من المشاعر الودية الأخوية.
ويكتب تومسون قائلا، من بين الطوائف المسلمة، «يرفض» السنة ديانة الشيعة، و«يكره» الطرفان الدروز، و«يزدري» الجميع العلويين. أما بالنسبة للمسيحيين، «فلا يشعر الموارنة بأي حب تجاه أية طائفة أخرى، ويعانون بدورهم من كراهية الجميع». والروم الأرثوذكس «لا يستطيعون تحمّل الروم الكاثوليك، ويحتقر الجميع اليهود».
«لا يستطيعون أبدا تشكيل أمة واحدة متحدة... وسوف بالتالي يبقون ضعفاء غير قادرين على حكم أنفسهم ومعرضين لظلم الغرباء،» يقول تومسون مختتما.
يمكن لتعليقات تومسون أن تكون ملاحظات شخص معاصر، إلا أنه كتبها العام 1870 في كتاب «أرض الكتاب»، وهي وصف لأسفاره كمبشر في أراضي شرقي البحر الأبيض المتوسط.
ليست عملية كسر هذه الشكوك المتأصلة بعمق والتاريخية بالعملية السهلة، إلا أن منظمة البحث عن أرضية مشتركة، وهي منظمة عالمية غير حكومية متخصصة في حل النزاعات قد أطلقت مبادرة وطنية على مستوى الجذور لتدريب أساتذة ومعلمات المدارس على أساليب التوسط وحل نزاعات الصفوف المدرسية بين الشباب اللبنانيين... «الفكرة هي مأسسة أساليب الإصغاء وحل النزاعات بين التلاميذ في سن 8 - 12 سنة في المدارس،» تقول مديرة برنامج لبنان سارة شومان:
يتجادل الشباب اللبنانيون ويتقاتلون بشأن قضايا صبيانية سخيفة تماما مثل الشباب الآخرين في كل أنحاء العالم. إلا أنه إضافة إلى ذلك فإن تحاملات أهاليهم السياسية والدينية يمكن أن تتسرب إلى ملعب المدرسة وخاصة في أوقات التوتر العالي، الأمر الذي يعمل على إدامة إرث انعدام الثقة الطائفية.
يركز برنامج منظمة البحث عن أرضية مشتركة الريادي على سبع مدارس، ثلاث منها خاصة وأربعة حكومية في مدن وكذلك في أقاليم ريفية.
ويأتي المدربون، وهم من مجموعات لبنانية من المجتمع المدني ومن مجموعات ترتبط بمشروع المنظمة، من خلفيات سياسية ودينية مثلها مثل المدارس التي جرى إرسالهم إليها. تم تدريبهم في قبرص من قبل فاليري دوفي، وهي جنوب إفريقية تربوية في مجال السلام عملت في جنوب إفريقيا ما بعد نظام الفصل العنصري.
«كان الأسلوب الذي تواصلنا من خلاله مع بعضنا بعضا جميلا جدا»، تقول نهى شاهين، وهي مدربة تعمل في مدرسة في بيروت. «كان الأمر يشكل تحديا، ولكنه أثبت أن لدينا جميعا هدفا مشتركا رغم خلفياتنا المتنوعة».
عقدت السيدة شاهين وزميلها المدرب طارق أبو زينب صباح يوم جلسة لثماني معلمات في مدرسة حكومية في جون، وهي قرية تضم خليطا من السكان الشيعة والمسيحيين. تحيط بالقرية كروم الزيتون والتلال الطبشورية قرب ميناء صيدا. تضم المدرسة نحو 200 طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و13 سنة.
جلست النساء الشيعيات والمسيحيات، وهن يعكسن طبيعة القرية، بانتباه على مقاعد تلاميذهن.
يتركز معظم التدريس حول المنطق والأخلاق الحميدة، مثل الانصات للآخرين وتقبل الاختلافات. عندما تبدأ المعلمات بالكلام بين بعضهن بعضا يقف طارق أبو زينب ضخم الجثة وله لحية صغيرة على رأس الصف ويده مرفوعة وقبضته مشدودة. تتوقف النساء عن الكلام بالتدريج وينظرن إلى الأعلى.
«هل ترين ذلك؟ إحدى طرق جعل الأطفال يتوقفون عن الكلام هو الوقوف ورفع القبضة إلى الأعلى»، يقول أبو زينب. «إذا صرختم على الأطفال لن تحققوا شيئا، سوى استحداث جو من النزاع».
تؤخذ مهارات كهذه على أنها طبيعية اعتيادية في الغرب، ولكن التدريب التربوي لا يحصل على التمويل الكافي هنا.
نواجه الكثير من النزاعات لأننا نعاني من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية هنا»، تقول هناء حيدر، المتدربة التي تدّرس اللغة الإنجليزية في المدرسة. «ولكنني أتعلم الكثير من الأشياء... التي ستكون مفيدة لنا».
إذا أثبت البرنامج التجريبي نجاحه، تأمل منظمة البحث عن أرضية مشتركة أن تتمكن من توسيعه خلال السنوات الثلاث المقبلة. تقوم المنظمة غير الحكومية كذلك بإنتاج برنامج أطفال تلفزيوني عنوانه «كلنا بالحي» يعيش فيه ستة أطفال، هم أرمني ومسيحي ودرزي وفلسطيني وشيعي وسني في نفس المبنى السكني. يعلّم البرنامج الذي تبثه محطة إل بي سي الفضائية اللبنانية الأطفال كيف يعتنقون وحدتهم ويتقبلون خلافاتهم.
رغم أن لبنان كان هادئا نسبيا منذ العام 1990، عندما انتهت الحرب الأهلية التي استمرت 16 سنة، يبقى السلام الدائم معرضا للخلافات الطائفية والشقاق بين الغني والفقير والتدخل الخارجي والشللية.
وصل لبنان في شهر مايو/ أيار الماضي إلى حافة النزاع الأهلي مرة أخرى أثناء اقتتال في الشوارع حرّض الفصائل الشيعية ضد السنة والدروز. ورغم انعقاد انتخابات برلمانية سلمية في يونيو/ حزيران، إلا أن تشكيل حكومة ائتلافية أحبطته الخلافات السياسية.
«تنزع السياسة هنا لأن تنقسم بين معارضي الغرب وأنصاره، ولسوء الحظ أن السياسيين قاموا بتعزيز هذه الخلافات في لبنان»، يقول أبو زينب، الذي قضى عدة سنوات في مجموعات المجتمع المدني اللبناني.
«لهذا السبب يعتبر هذا النوع من المشاريع مهما»، يختتم أبو زينب قائلا: «فهو يجمع الناس من جميع أنحاء لبنان معا. ما ندّرسه في المدارس هو أننا جميعا لبنانيين وأننا جميعا يد واحدة».
العدد 2583 - الخميس 01 أكتوبر 2009م الموافق 12 شوال 1430هـ