العدد 273 - الخميس 05 يونيو 2003م الموافق 04 ربيع الثاني 1424هـ

وأوروبا أيضا تخرق حقوق الإنسان...

ليس قليلا عدد أعضاء البرلمان الألماني الذين قالوا في السابق إنه ينبغي على وزير الخارجية الألماني أن يحمل في حقيبته التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية حين يقوم بزيارة واحدة للدول التي تخرق حقوق الإنسان أو انها على الأقل لا تحمل هذه الحقوق على محمل الجد. وكي تعبر ألمانيا عن اهتمامها بحقوق الإنسان، هناك لجنة برلمانية لحقوق الإنسان ترأسها حاليا كلاوديا روت التابعة لحزب الخضر وتحالف 90، الشريك الصغير في الائتلاف الحاكم تحت زعامة المستشار الاشتراكي غيرهارد شرودر. لكن هذا لم يمنع من أن يرد اسم ألمانيا في تقرير منظمة العفو الدولية الذي تم تقديمه للصحافة قبل أيام قليلة ويتضمن عرضا بانتهاكات حقوق الإنسان في أنحاء العالم. ويكشف التقرير كيف أن انتهاك حقوق الإنسان لم يعد مقتصرا على الدول النامية أو الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية بل أصبحت متفشية في الدول التي تتبجح بشعارات الديمقراطية والحرية الفردية وحقوق الإنسان.

ووجهت منظمة العفو الدولية اتهامات شديدة للولايات المتحدة الأميركية ومجموعة من الدول الأوروبية إذ استغلت هذه الدول وخصوصا القوة العظمى، ما يسمى الحرب المناهضة للإرهاب وجردت مجموعة كبيرة من الأشخاص من أبسط الحقوق التي يكفلها لهم القانون الدولي وميثاق حقوق الإنسان.

منذ سنوات ارتفع عدد انتهاكات حقوق الإنسان في عدد من الدول الأوروبية بصورة ملفتة للنظر، ولم تعد موجة عداء الأجانب مقتصرة على الدول الكلاسيكية التي انتشرت فيها هذه الظاهرة وخصوصا ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والسويد والدانمارك وكذلك التشيك وغيرها. ولايزال معسكر الاعتقال غوانتنامو في جزيرة كوبا، التابع للولايات المتحدة، محور انتقادات دولية واسعة إذ لا يسود أي قانون في هذا المعسكر. ووجهت منظمة العفو الدولية اللوم إلى الدول التي تمارس الصمت على وجود مواطنين تابعين لها داخل هذا المعتقل، إذ يعاملون معاملة الكلاب، من دون محاكمة ومن دون تهم محددة، والأكثر من ذلك، من دون حق بالاستعانة بمحامي دفاع. وكشف تقرير منظمة العفو الدولية أن بين المعتقلين في غوانتنامو مواطنين ينتمون إلى دول أوروبية بينها الدانمارك التي شاركت في التحالف الذي تزعمته الولايات المتحدة وشن حرب العراق.

وقالت رئيسة الفرع الألماني لمنظمة العفو الدولية باربارا لوخبيهلر عند تقديمها تقرير العام 2002 إذ تقع النسخة الألمانية في 656 صفحة، إن ما يعرف باسم معتقل (اكس راي) في غوانتنامو الواقع على أرض جزيرة كوبا، عبارة عن رمز لانتهاكات حقوق الإنسان تحت غطاء الحرب المناهضة للإرهاب. ولا تقتصر مسألة حجب أبسط الحقوق عن معتقلين يحملون الجنسية الدانماركية بل معهم أيضا ما يزيد على ست مئة معتقل آخر يقبعون في غياهب غوانتنامو منذ زمن حرب أفغانستان من دون محاكمة أو رعاية إنسانية أو قانونية. وقد تم حرمانهم جميعا من الخضوع لمعاملة أسرى الحرب كي لا تضطر الولايات المتحدة إلى الإفراج عنهم بعد نهاية الحرب. وانتقدت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية إيرين خان السلوك الأميركي وقالت في لندن إن الولايات المتحدة تعمل بقانون مستقل عن القانون الدولي وميثاق حقوق الإنسان. فهذه الدولة في حرب دائمة مع منظمة (القاعدة) وتتخذ من هذه الحرب حجة لمواصلة احتجاز حرية معتقلي غوانتنامو حتى نهاية الحرب المناهضة للإرهاب والتي لا يتوقع أحد نهاية لها في المستقبل المنظور وخصوصا أن تفجيرات الرياض والدار البيضاء كشفت أن هذه المنظمة مازالت قادرة على تنفيذ أعمال عنف وتركز في الوقت الحالي على دول عربية لكن الولايات المتحدة تعيش حال استنفار وتقول إنها تتوقع اعتداءات جديدة. وشكت إيرين خان من تجاهل الأميركيين تحديد فترة اعتقال محددة لمعتقلي غوانتنامو.

لكن معتقل غوانتنامو ليس حالا نادرة، ذلك أن هجوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول العام 2001 على نيويورك وواشنطن أدت نتائجه إلى عوامل سلبية على حقوق الإنسان بصفة خاصة. وقامت مجموعة كبيرة من دول العالم باتخاذ إجراءات قاسية أسفرت عن انتهاكات حقوق الإنسان بصورة دون مثيل منذ خمسين عاما وتراجعت عن الالتزام بهذه الحقوق بحجة الأمن ومكافحة الإرهاب. والملفت للنظر أن هذه الإجراءات تعمل بها منذ وقت، دول ديمقراطية إذ تم فيها حصر الحرية الشخصية واعتقال أشخاص من دون محاكمة كما أصبحت عمليات إبعاد الأشخاص تتم بصورة روتينية وكذلك منع غير المرغوب بهم من دخول أراضي هذه الدول وبغض النظر عن نتائج هذه الإجراءات على مصائرهم. وقالت باربارا لوخبيهلر في برلين: إن من ينتهك حقوق الإنسان باسم الأمن، لا يسهم في حل مشكلة الأمن. مثالا على ذلك الولايات المتحدة. منذ الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول يجري إبعاد مواطنين أجانب من الأراضي الأميركية من دون إبداء أسباب كما يجري تسجيل الطلبة الأجانب الدارسين في جامعات ومعاهد أميركية في مكاتب الشرطة الفيدرالية ومثلهم مثل المجرمين يجري حفظ بصمات أصابعهم وفي الغضون يعلم العرب والمسلمون بصورة خاصة أن سلطات الأمن الأميركية تعمل في مراقبتهم. وتشير قضية أستاذ جامعي من العراق يقيم منذ سنوات طويلة في الولايات المتحدة يدعى محمد الهديب. فقد طرق باب شقته اثنان من عملاء الشرطة الفيدرالية أبلغاه أنه تم الحصول على معلومات بأنه مناهض لأميركا. ولما نفى الهديب هذه التهمة سمع أحدهما يقول: ولكنك ضد الحرب فأجاب أنه ليس وحيدا في هذا الرأي فهناك ملايين الأميركيين عارضوا الحرب وسأل إذا أصبح محظورا أن يعبر الفرد عن رأيه بحرية. يقول الهديب إنه يعيش منذ زيارة الشرطة الفيدرالية شقته في خوف دائم لكنه ليس حالا نادرة.

كما يتعرض تقرير منظمة العفو الدولية إلى انتهاكات حقوق الإنسان في مجموعة من دول أوروبا الغربية، فرنسا وإيطاليا وألمانيا إذ تجري فيها باستمرار اعتداءات عنصرية واستخدام الشرطة أساليب قمع شرسة بالإضافة إلى إبعاد لاجئين إلى دولهم الأصلية حتى في حال تعرضهم للتهديد مثل اللاجئين الشيشان. يشير تقرير المنظمة إلى وفاة الألماني شتيفان نايزيوس بتاريخ 11 مايو/أيار العام الماضي في مخفر للشرطة بمدينة كولون وبحسب أقوال شهود انهالت الشرطة بالضرب على الشاب الأمر الذي أدى إلى وفاته لاحقا. كما أورد التقرير قضية معتقل ألباني تعرض إلى ضرب مبرح من قبل حراس السجن لأنه تحدث مع أولاده على الهاتف باللغة الألبانية. كما يأتي التقرير على ذكر قرار المدعي العام في مدينة هامبورغ في نهاية يونيو/حزيران العام الماضي حين أوقف التحقيق بمقتل لاجئ سياسي من الكاميرون يبلغ عمره 19 عاما، داخل مخفر الشرطة. وكان أشيدي جون قبل ذلك قد أجبر خلال التحقيق معه على تناول جرعة ثقيلة من دواء يساعد على الاستقلاب للاشتباه بأنه ابتلع كمية من المخدرات ورفض المدعي العام التحقيق ضد الأشخاص الذين تورطوا في مقتل الشاب الكاميروني بحجة عدم ملاحظة مسئولية أي منهم. وفي برلين تم الإفراج عن شاب محسوب على النازيين الجدد بعد أن اعتدى بالضرب على نائب حزب الخضر كريستيان شتروبله. كما يعمل البوليس السري الألماني منذ وقت بمداهمة بيوت مواطنين عرب ومسلمين وعدد من الجوامع تحت غطاء الإجراءات المناهضة للإرهاب. وتنظر منظمة العفو الدولية نظرة ناقدة للحرب المناهضة للإرهاب، فالعرب والمسلمون في الولايات المتحدة وأوروبا يتعرضون إلى انتهاكات صارخة لحقوقهم وفي بلدان كثيرة أصبح شائعا أن مناهضة الإرهاب هي مناهضة الإسلام والمسلمين عدا أن الولايات المتحدة ترفعت على محكمة الجزاء الدولية برفضها توقيع ميثاقها ووقعت اتفاقات ثنائية مع 35 دولة حليفة لها تقضي بعدم تسليم مواطنين أميركيين لمحكمة الجزاء الدولية في حال ارتكابهم جرائم حرب أو مجرد الاشتباه أنهم شاركوا في جرائم حرب. من الأمثلة الدامية على ذلك سماح اليمن للعسكريين الأميركيين ضرب سيارة كان فيها ستة أشخاص بينهم شخص يشتبه بأنه عضو في منظمة (القاعدة) وتقول منظمة العفو الدولية إن مكافحة الإرهاب يجب ألا يتجاوز القانون وأنه ينبغي اعتقال المشتبه بهم وتقديمهم للمحاكمة وتصر المنظمة على احترام حقوق الإنسان حتى في زمن الفلتان الأمني العالمي

العدد 273 - الخميس 05 يونيو 2003م الموافق 04 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً