لقد اخذت المسألة من جورج بوش سبعة أيام حتى يتعلم بنفسه الحقائق الموجعة العقيمة في الشرق الأوسط. فقبل أكثر من أسبوع كان الرئيس يبتسم في منتجع العقبة في الاردن، يحيطه من الجانبين رئيسا الوزراء الاسرائيلي والفلسطيني، فيما بدا قمة ثلاثية للانطلاق نحو خريطة الطريق نحو السلام.
خريطة الطريق تلك ربما لم تتمزق إلى قطع صغيرة حتى الآن، ولكن بعد الانفجار المدوي جراء المحاولة الاسرائيلية لاغتيال القائد البارز في حماس (عبد العزيز الرنتيسي) وما اعقبها من عملية تفجير انتحارية مدمرة في القدس وما تلاها من ضربات عسكرية انتقامية من الجانب الاسرائيلي في قطاع غزة، فإن رؤية الاستقرار الشامل في الشرق الأوسط مع نهاية العام 2005 لم يعد يبدو أبعد مما هو عليه الآن.
ولا يبعد الكلام عن الحوادث المأسوية التي اندلعت في تلك الساعات الثمانية والأربعين، عن القول بـ «فشل» الرئيس بوش، والذي كلفه رأسمالٍ سياسي غاليا. ولن يلام رئيس أميركي على محاولته تأمين الأمن، في الواقع حتى إطلاق خريطة الطريق في ابريل/ نيسان، ولكن الانتقاد الأولي للإدارة انها لم تلتزم بقوة كافية بحلٍ لأزمة الشرق الأوسط.
وإذا كان اي (أمل) تم إضعافه وسط إراقة الدماء الأخيرة، فان الكلمات وحدها تكفي. وكان المفترض أن يضم اسلوب بوش أهدافا (وأكثر إلحاحا خلق دولة فلسطينية محددة) وترك التفاصيل المحّيرة إلى الآخرين. فالرئيس بوش وهو يشبع رغباته في تخيلاته (التلفزيونية)، تحدث عن دوره وكأنه «قائد للقطيع». وهو انما سيقوم بتحريك الطرفين وجمع رأسيهما معا للتأكد من احترامهما للجدول الموضوع، وما يجب أن يكون.
والشروط الضرورية الأخرى تبدو في محلها. فرئيس الوزراء الفلسطيني الجديد جاء إلى السلطة بموافقة واشنطن ومباركتها، وادان العنف. وبإنهاء نظام صدام حسين ، الذي طالما ألحت عليه اسرائيل، أصبحت الدولة اليهودية الآن مدينة لبوش.
ولكن الامور في الشرق الأوسط لا تجري دائما في خط مستقيم. فواشنطن ربما تتظاهر بأن ياسر عرفات قد تم تهميشه، ولكن هل أصبح عرفات فعلا خارج الصورة؟ بل انه بدلا من ذلك فإن رئيس الوزراء الجديد، محمود عباس، هو الذي يواجه الآن خطر التهميش، ما لم يتمكن من تدجين الارهابيين.
واسرائيل ايضا أشارت إلى انها لن تتوقف عن العنف، سواء وجدت خريطة الطريق أم لم توجد. وأظهرت الحوادث، مرة اخرى، وجود اتفاق ضمني على الهدف ما بين المتطرفين الفلسطينيين والمتشددين الاسرائيليين ليؤكد ان الحل الوسط مستحيل. والعنف الذي يقوم به النظام المتشدد في «اسرائيل» انما يخدم فقط طروحات حماس، والعكس بالعكس.
إذا، ماذا تعمل واشنطن؟ ان تضع نفسها بصورة لا لبس فيها مع اسرائيل، فتواجه التهمة المألوفة عاجلا ان الولايات المتحدة تقدم الغطاء بصورة مطلقة للقدس إسرائيل، وأي شيْ أقل من ذلك سيثير غيظ وحنق اللوبي اليهودي والمحافظين المسيحيين الذين انتهوا فعلا الى ان خريطة الطريق كانت «سخية جدا» مع الفلسطينيين.
لا عجب ان البعض تطلّع إلى تدويل جهود تعزيز السلام... ففي وسط عملية «لي الأذرع» العقيمة في المنطقة، دعا رئيس لجنة الشئون العسكرية المؤثر في مجلس الشيوخ الأميركي، جون وارنر، إلى تواجد الناتو. فالولايات المتحدة وحدها لن تكون الوسيط النزيه الموثوق به، كما قال، ولكن الاسرائيليين والفلسطينيين وحدهم فقدوا السيطرة على الحوادث بكل ما في هذه الكلمة من معنى. وعلى هذه النقطة يمكن أن يتفق الجميع على أقل تقدير.
ينشر المقال بالاتفاق مع صحيفة «الاندبندنت» البريطانية
العدد 287 - الخميس 19 يونيو 2003م الموافق 18 ربيع الثاني 1424هـ