في مشهد شبيه بما يحدث في الأفلام الأجنبية، تحلق عدد كبير من الصحافيين ومراسلي وكالات الأنباء حول رئيس تحرير صحيفة «الوسط» منصور الجمري، أمام باب وزارة العدل، بينما راحت الكاميرات تلتقط له الصور وهو يدلي بتصريحات مقتضبة إثر قرار قاضي المحكمة الكبرى الجنائية عبدالرحمن السيد، تأجيل النظر في القضية المرفوعة من النيابة العامة ضد الصحيفة، ممثلة برئيس تحريرها والصحافي حسين خلف، الذي كتب خبر الإفراج بكفالة عن ثلاثة من المتهمين في قضية «الخلية».
ولم تثن الرطوبة ولا الجو الخانق في ساعات الصباح المبكرة عددا لا بأس به من الصحافيين والجهات الحقوقية والجمعيات الشبابية وكذلك بعضا من أعضاء المجلس النيابي عن حضور الجلسة الأولى من المحاكمة، بينما استعدت بعض الجهات الشبابية بلافتات رفعتها مطالبة بإسقاط قانون المطبوعات رقم (47) الذي صدر قبيل انعقاد المجلس النيابي في العام 2002، وانتقدت لافتات أخرى حرية التعبير المنقوصة.
عيون المتضامنين الذين غصت بهم قاعة المحكمة، حتى اضطر أصحاب القضايا الأخرى إلى الوقوف خارجها، كانت معلقة على الباب الذي من المفترض أن يأتي منه القضاة الثلاثة والسيناريوهات كانت تتداول بين الحضور، حتى ساد جو من الارتياح للهجة القاضي السيد، الذي خيّر المحامي خليل أديب، إما المضي في مواجهة المتهمين بما نسب إليهما من تهم، وإما التريث لحين اطلاع المحامي على بقية الأوراق التي تضمنها ملف القضية، فاختار المحامي الرأي الثاني، فتوقف القاضي برهة حتى يغادر الجمع القاعة ليواصل النظر في القضايا الأخرى التي أمامه.
جلسة أمس كانت اختبارا لأكثر من طرف، اختبار للصحافة البحرينية، وهو ليس الأول من نوعه، ولكنه الأول في عهد الإصلاحات، واختبار للجمعيات والهيئات التي تنادي بالحريات ودعمها، واختبار للمؤسسات المهنية الصحافية، إذ قال رئيس اللجنة التحضيرية لنقابة الصحافيين البحرينية محمد فاضل إن «وقوف النقابة مع «الوسط» أمر مبدئي، فما يمس أي صحافي يمس جميع الصحافيين، وهذا مبدأ أساسي من مبادئ التضامن المهني، وان الدعوة إلى التضامن المهني ستتكرر في حال مثول صحيفة «أخبار الخليج»، أو أية صحيفة أخرى أمام القضاء في أمر يخص حرية التعبير»، والجلسة كذلك تمثل الاختبار القديم/ الجديد للجهاز القضائي البحريني، كما أنه اختبار لعهد متقدم أساسه القانون، أرادت البلاد جميعها الدخول إليه، ولكن من منافذ مختلفة.
المنامة - هاني الفردان
تضامنت الكثير من الجهات صباح أمس مع «الوسط» في القضية التي رفعتها النيابة العامة ضدها بشأن نشر خبر الإفراج عن ثلاثة من متهمي الخلية المسلحة بتاريخ 26 مارس/آذار الماضي.
فقد أجلت المحكمة الكبرى الجنائية النظر في القضية لمراجعة محامي «الوسط» ملف الادعاء لتاريخ 1 يوليو/تموز المقبل.
إلا أن ما ميز الجلسة وبشكل استثنائي حضور عدد كبير من المهتمين والمراقبين ووكالات الأنباء التي تناقلت خبر الجلسة مع تفاعل فئات مختلفة من الشعب بعضها رفع اللافتات وبعضها جلس «يرتقب قرار المحكمة في شأن القضية.
في هذا الشأن أصدرت جمعية العمل الإسلامي بيانا وزعته وقت انعقاد الجلسة أكدت فيه تضامنها مع رئيس تحرير «الوسط» منصور الجمرى والزميل حسين خلف، وذلك «انطلاقا من خشيتها من تعرض حرية التعبير والفكر لمزيد من القيود، وخلق وسائل للتضييق على حرية الصحافة والصحافيين التي أقرتها جميع القوانين الدولية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة وهيئات ومؤسسات حقوق الإنسان في العالم».
ودعت الجمعية جميع الصحافيين والمثقفين والحقوقيين النشطاء والمهتمين بقضايا الحريات في مختلف مؤسسات المجتمع المدني، وسائر المواطنين، إلى إعلان تضامنهم عبر الوسائل السلمية المتحضرة.
وأكدت «أن مبدأ حرية التعبير والصحافة قيمة مقدسة يجب الحفاظ عليها وتنميتها، وخصوصا أن المجتمع المدني الذي تهدف الجمعية لترسيخه يقتضي تعزيز مناخ الحريات الصحافية والعامة في البحرين، وتوسيع هامش الحرية المتاحة».
كما أصدرت جمعية الوفاق الوطني الإسلامية بيانا بعنوان «تقييد الحرية الصحفية بداية التحول لقانون أمن الدولة»، إذ اعتبرت استدعاء الجمري إلى المحكمة الجزائية يوم أمس «سابقة خطيرة في عهد الإصلاح».
ورأت «الوفاق» إن خطورة الاستدعاء تكمن في الارتباط الوثيق بـ «تهديدات وزير الإعلام نبيل الحمر للصحافيين ورؤساء التحرير بالملاحقة والسجن».
وأعلنت الجمعية رفضها لاستدعاء أي رئيس تحرير صحيفة من الصحف الصادرة في البحرين معللة ذلك الرفض بأنه ليس «لشخص بعينه، وإنما نرفض تقييد الحريات التي وضعت أمانتها في أعناق الصحافة».
وجاء في البيان: «إن الوفاق تقدر أن قانون الصحافة والنشر قانون غير إصلاحي، لأنه لا يمت إلى الديمقراطيات العريقة التي وعدنا بها في ميثاق العمل الوطني، وقانون غير متسامح لأنه يسلط عقوبة السجن» على كل من يتعدى الخطوط الحمر التي رسمها إلى الصحافيين.
وطالبت القيادة السياسية «بتغيير القانون وتبديله» والأخذ بالملاحظات التي أبداها رؤساء التحرير واللجنة التي شكلت للنظر في هذا القانون، واعتماد مسودة القانون التي أقرتها اللجنة المنبثقة عن لجنة تفعيل الميثاق.
ورأى رئيس لجنة حقوق الإنسان في جمعية الوفاق عادل العباسي واحد المتضامنين مع «الوسط» في جلسة يوم أمس «أن الحرية هي التي وقفت في قفص الاتهام أمام القاضي» واصفا ما حدث بالشيء المخجل وخطوة إلى الخلف «مشيرا إلى إن هذا الدعم والتضامن ليس فقط لـ «الوسط» ورئيس تحريرها بل هو دعم للحريات».
وحضر المحكمة النائب الأول في مجلس النواب عبدالهادي مرهون وقال: «مهمة النائب في المجالس التفاعل مع المجتمع من خلال سماع أرائهم وانتقاداتهم من خلال الحضور اليومي مع الناس في الساحة».
وأضاف مرهون «أن الكثير مما يحدث في الساحة يمثل مطالب شعبية ينبغي أن نعمل جميعا على تحقيقها، فالنائب المفصول عن المجتمع لا يحق أن يكون جديرا بالثقة، ونائب لا يملك سعة صدر تجعله قادرا على تقبل كل كلمة وانتقاد من الناس يجب أن يراجع نفسه».
واتفق النائبان عبد الهادي مرهون وعبدالنبي سلمان على أنه يجب ألا يتحول قانون المطبوعات إلى «قانون عقوبات وجزاءات» وذلك على خلفية المحاكمة التي تمت جلساتها صباح أمس لـ «الوسط» مؤكدين انه ليس من الممكن أن يجر بسببه الصحافيين وأصحاب الرأي إلى قاعات «المحاكم في عهد الانفتاح والشفافية».
وقال النائبان إن العملية السياسية التي دخلتها البحرين منذ ثلاثة أعوام كان من أهم مكوناتها وأساسها حرية الرأي والتعبير والنشر والذي يبدو أنها لا تستقيم وإجراءات تقييد الحريات وتهميش أصحاب الرأي والفكر بدواعي الحفاظ على المصلحة الوطنية، متسائلين «هل ما يطرح من آراء وأفكار وكتابات جميعها تبقى غير مخلصة وغير ذات صدقية وان أصحاب الرأي بحاجة إلى أن يتعلموا أساسيات حب الوطن والمواطنة».
وأكدا أن تعامل الجهات التنفيذية مع رؤساء تحرير الصحف والكتاب يجب أن يتم على أسس واضحة من المصلحة الوطنية التي هي هدف الجميع ولا يصح التشكيك في صدقية أحد طالما بقي الجميع يطرح القضايا الوطنية ومصالح الناس «التي يتفق الجميع على أنها بحاجة إلى مراجعة حقيقية بعيدا عن إسقاطات فوقية لا تمت إلى واقع مهنة الصحافة».
وأشارا إلى ضرورة ألا يعامل الكتاب والمفكرون وأصحاب الرأي وكأنهم «خارجون عن القانون ومخالفون للمصلحة الوطنية»، إذ ما يطرح في الصحافة من قضايا الوطن الكبرى كالتمييز والفساد وغيرها يجب ألا تسبب «حساسية للبعض طالما ارتضينا جميعا أن معالجة أخطاء الماضي تحتاج إلى حرية أوسع وصدور رحبة».
وكان ضمن الذين حضروا قاعة المحكمة أمين سر الاتحاد العام لعمال البحرين عبدالله محمد حسين الذي أكد تضامن الاتحاد مع حرية التعبير والصحافة بشكل عام باعتبارها «أداة تنمية للمجتمع» وما يمس حرية الصحافة يمس المجتمع ويؤدي إلى الكثير من القضايا والمشكلات.
وقال: «إذا وجد خطأ ولا يسمح بانتقاده وتغليب رأي على الرأي الآخر يسبب مشكلات كبيرة في المجتمع» ومن هنا فنحن نطالب بألا تمس حرية الرأي والتعبير وألا تكون هناك قيود وعراقيل مع وجود المشروع الإصلاحي وهناك «أطراف لا تعجبها هذه الإصلاحات وتسعى إلى وضع عراقيل وأهمها قانون الصحافة والنشر». وضرورة وجود قانون يعبر عن «تطلعات المجتمع» وطرح الرأي والرأي الآخر وأن يكون بمستوى المشروع الإصلاحي الحقيقي الذي يسعى إليه الشعب البحريني.
وكانت النيابة العامة استدعت كلا من رئيس التحرير منصور الجمري والزميل حسين خلف بتاريخ 31 مارس/آذار الماضي وحققت معهما لمدة نصف يوم وأطلقت سراحهما بكفالة ألف دينار عن كل واحد منهما، بانتظار المحاكمة التي بدأت أمس.
لندن - المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة
تناقلت وكالات الأنباء العالمية أمس خبر مثول رئيس تحرير «الوسط» وأحد محرريها أمام المحكمة بسبب نشر الصحيفة أخبارا «غير موافق عليه» كما تقول المحكمة
من جهتها، قالت المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير أنها علمت بتأجيل محكمة بحرينية اليوم (أمس) في المنامة جلستها الأولى التي كان مقررا عقدها للنظر في قضية صحيفة «الوسط» اليومية إلى الأول من الشهر المقبل. وتضمن بيان المنظمة تفاصيل أخرى إذ إشار إلي أن السلطات البحرينية تتهم الصحيفة بنشر أخبار غير مصرح بها عما بات يعرف بقضية تنظيم الخلية. وفي اتصال مع المنظمة من المنامة، قال الصحافي منصور الجمري ناشر ورئيس تحرير صحيفة «الوسط»: «إن المحكمة أجلت جلستها إلى الأول من الشهر المقبل بسبب عدم اكتمال أوراق الدعوى والفوضى التي تدب في ملفها، إذ تتهم السلطات الصحيفة ورئيس تحريرها والصحافي حسين خلف بنشر أخبار من دون تصريح في السادس والعشرين من شهر مارس/آذار الماضي عما بات يعرف بقضية الخلية». وأكد الجمري أن الصحيفة لم تقم بنشر الخبر إلا بعد أن أطلقت السلطات ثلاثة من المتهمين بعد انتهاء التحقيق معهم، وبعد أن نشرت وسائل إعلام عربية وعالمية هذا الخبر، كصحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن ووكالة الأنباء الفرنسية ووكالة الأنباء الألمانية.
المستشار القانوني للمنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير لشئون المشرق العربي المحامي أنور البني قال: «إن الصحافيين منصور الجمري وحسين خلف يواجهان، طبقا لقانون الصحافة والمطبوعات الصادر في 23 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عقوبة قد تصل إلى السجن لسنة واحدة مع غرامة ألف دينار بحريني». وأضاف المحامي البني يحتوي القانون على نص غريب، إذ يقضي ليس فقط بمعاقبة ناشر الخبر، بل ورئيس التحرير أيضا. وتعقيبا على القضية، قال الأمين العام للمنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير نزار نيوف: «إن قانون المطبوعات البحريني شكل مخالفة صريحة للدستور نصا وروحا، وللوعود التي أطلقها الملك حمد بن عيسى آل خليفة والتي على أساسها جرت المصالحة الوطنية في البلاد». ومن المعلوم أن القانون المذكور ووجه بانتقادات واسعة النطاق من الجسم الصحافي والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير داخل البلاد وخارجها، وهو ما استدعى رئيس الوزراء إلى تشكيل لجنة استشارية رسمية لتعديل القانون بما يتماشى وروح الدستور البحريني وعملية المصالحة الوطنية في البلاد». وأضاف من المستغرب والمستهجن أن تتم إحالة السيد منصور الجمري الذي هو عضو في اللجنة الاستشارية المذكورة إلى القضاء استنادا إلى منطوق القانون نفسه الذي شكلت اللجنة لتعديله ! إن المنظمة العربية للدفاع عن حرية الصحافة والتعبير، وإذ تطالب السلطات البحرينية بوقف هذه المحاكمة كونها تفتقد أي مبرر قانوني وتستند إلى قانون مخالف للدستور وروح المصالحة الوطنية، تطالب السلطات البحرينية بالإسراع في تعديل القانون بما يتماشى والدستور البحريني والاتفاقات والمواثيق الدولية الناظمة لحرية الرأي والصحافة والتعبير، وبشكل خاص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»
العدد 289 - السبت 21 يونيو 2003م الموافق 20 ربيع الثاني 1424هـ