كان التراث الفكري الإسلامي هاديا ومرشدا وملهما وكنزا معرفيا، لكن دون أن يكون قيدا على العقل المسلم، يقف به عند مذهب من المذاهب، أو جيل من الأجيال، أو قرن من القرون، ولذلك فإن التراث الفكري الذي هو إبداع بشري، ليس قيدا على التجديد والإبداع.
ففي إطار الكليات الدينية المقدسة، التي مثلت الأطر المرجعية، تظل الأبواب مفتوحة على مصاريعها لتطور الاجتهاد والتجديد الذي يواكب حركة الواقع، المتغير دائما والمتطور أبدا.
ولأن تراثنا هو تراث أمة، تميزت بالعالمية، تبعا لشريعتها العالمية والخاتمة وليس تراث قبيلة أو قومية أو جنس أو لون أو إقليم، ولأن هذا التراث قد أبدعته شعوب مختلفة، وقوميات متعددة، في عصور وأجيال متمايزة، وفي ظل ملابسات وتحديات متنوعة، فلقد جاء هذا التراث متنوعا، بل - وأحيانا - متناقضا.
وتلك حقيقة جوهرية ومحورية لابد من الانتباه إليها ونحن نتحدث عن دور هذا التراث في تعامل أمتنا مع معارف العصر الذي نعيش فيه الآن، وعن علاقة هذا التراث بالتجديد.
لقد عرف تراثنا تيارا فكريا نصوصيا تبلور في حياتنا الفكرية كرد فعل مناقض للعقلانية اليونانية، التي وقفت عند البرهان العقلي وحده، ولم يكن لديها نص ديني تحتكم إليه، والأمر الذي لا شك فيه أن التراث النصوصي - إذا أخذ بحرفيته - لا يقف موقفا وديا من مجتمع المعرفة المعاصر؛ لأنه يضيق بالانفتاح على الآخر، ويتحفظ على أدوات النظر العقلي وعلى التأويل ويشد أهله إلى الماضي، ويهاجر بهم إلى تجارب السلف، ويخاصم التطور والتجديد إلى حد كبير.
كذلك عرف تراثنا تيارا فكريا باطنيا غنوصيا عرفانيا، وقف بأصحابه عند خطرات القلوب، وإلهامات الضمائر ومجاهدات الأرواح، فغض الطرف عن دور النقل، وعن تعقل العقول، وسلك إلى ذلك ألوانا من التأويل المنفلت من قواعد اللغة وثوابت الاعتقاد، حتى لقد فرغ اللغة من «الحقيقة» وسلكها كلها في سلك «المجاز»، ومن ثم فرغ الشعائر والعبادات من «حقائقها»، ومن وظيفتها لدى جمهور المخاطبين.
وتراث هذا التيار - الباطني الغنوصي العرفاني - وخصوصا شرائح الغلو فيه، لا يقف موقفا وديا من مجتمع المعرفة الذي نعيش الآن فيه؛ لأن معارف العصر تعلي من مقام العقل، ومن مكانة التجربة والحواس، كما أنه قد مثل في الحقيقة - «قطيعة» مع جوهر التراث وثوابت الموروث.
كذلك عرف تراثنا تيارا جبريا، أنكر حرية الإنسان واختياره وقدرته واستطاعته، فخلف مقولات شديدة الضرر على سعي إنساننا المعاصر للتحرر والتقدم والإبداع والنهوض.
أيضا عرف تراثنا شريحة محدودة العدد والتأثير، وقفت عند تقليد العقلانية اليونانية، فلم تفسح في فكرها - مكانا ملحوظا للنص الديني ولم تهتم - كثيرا بعلوم القلوب والسلوك ولم تقم بالتوفيق بين الفلسفة والدين، بين الحكمة والشريعة.
ومن المهم التأكيد على وجوب التمييز في تراثنا بين فكر العصور التي هدد الغزو الخارجي فيها وجود الأمة، فضمرت فيها مساحة الانفتاح على الآخر، وبين فكر عصور القوة والمنعة والأمن، التي فتحت فيها الأمة أبواب التفاعل مع الآخرين.
ولقد عرف تراثنا - كذلك - تيارا فكريا اشتغل أهله بالعلوم التجريبية والملاحظة والاستقراء، منطلقا من دعوة القرآن للنظر في عوالم الخلق والملكوت، واستفاد هذا التيار من التراث الإغريقي الذي ترجموه ثم فحصوه وكتبوا عليه «الشكوك» وعلامات الاستفهام والمراجعات والتصحيحات - انطلاقا من المنهج التجريبي الذي أبدعته الحضارة الإسلامية، والذي جعل علماء هذا التيار يطورون ويضيفون إلى الميراث الإغريقي في العلوم الطبيعية والدقيقة والمحايدة.
ولقد تميز تراثنا هذا في العلوم الطبيعية والتجريبية عن نظيره الإغريقي بأن أهله ومبدعه قد جمعوا إلى الحواس والتجربة، الإيمان القلبي ومنظومة القيم الإسلامية، وملكة العقلانية الإسلامية المؤمنة، أي أنهم قد آمنوا بالنصوص الدينية، دون أن يقفوا عند ظواهرها، وإنما فقهوها بالعقول المؤمنة، وكتب كثير منه على علوم القلوب والسلوك، دون أن يهملوا الفلسفة العقلية، ولا التجارب الحسية، فتكاملت عند هذا التيار في تراثنا الإسلامي أعلى مستويات الجدارة في الانفتاح على جديد المعرفة والتزكية للتجديد والإبداع.
لقد قادتهم اكتشافات أسرار الكون إلى مزيد من الخشية لمبدع هذا الكون، فبرئوا من الفصام الفكري بين «الخبراء الذين لا قلوب لهم، والفقهاء الذين لا عقول لهم»!.
لذلك كان إحياء تراث هذا التيار من تياراتنا الفكرية طاقة فاعلة في تزكية انخراط العقل المسلم المعاصر في معارف العصر ومجتمع المعرفة العصرية، بحسبان ذلك الانخراط هو تطور طبيعي لتراثنا الموروث، وليس انقلابا عليه.
وعلينا أن نعترف - وننبه- إلى أن هذا اللون من التراث الإسلامي هو أكثر ألوان التراث تعرضا للإهمال، فليس له إلا معهد يتيم في سورية وحدها!
كذلك - ونحن نتعامل مع التراث ونبحث عن دوره في حفز عقلنا المعاصر إلى الانخراط في معارف العصر والتجديد علينا أن ننتبه إلى سنة التطور التي حكمت خط سير المذاهب والأنساق الفكرية والفقهية في تراثنا.
فالتيار النصوصي الذي بدأ «رد فعل» على العقلانية اليونانية اللادينية، لم يقف - في مسيرته وصيرورته - عند الجمود على «رد الفعل»، وإنما تطور على يد مواكب المجددين من علمائه، الذين مارسوا «الفعل» ولم يقفوا عند تراث «رد الفعل» ولقد حدث ذلك للسلفية، التي تطورت على يد شيخ الإسلام ابن تيمية (661 - 728 هـ - 1263 - 1328م) وابن القيم (691 - 751 هـ - 1292 - 1350 م) وابن عقيل البغدادي (431 - 513 هـ 1040 - 1119م)، وابن الجوزي (508 - 597 هـ 1114 - 1201م)، فلم تجمد هذه السلفية عند نصوصية الإمام أحمد ابن حنبل (164 - 241 هـ 780 - 855 م) التي كانت «رد فعل « على ترجمة اليونانيات، ولا أدرية الشعوبية الفارسية.
وحدث ذلك أيضا للأشعرية، التي تطورت على يد حجة الإسلام أبي حامد الغزالي (450 - 505 هـ - 1085 - 1111 م) والباقلاني (453 هـ 1013 م) والجويني- إمام الحرمين (419 - 478 هـ 1028 - 1085 م) فلم تقف عن «رد الفعل» الذي مثله أبو الحسن الأشعري (260 - 324 هـ 874 - 936م) ضد المعتزلة.
حتى لقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - وهو فيلسوف السلفية وأبرز أعلامها: «إن كثيرا من المتأخرين المنتسبين إلى الإمام أحمد - كابن عقيل، وصدقة بن الحسين (477 - 573 هـ 1084 - 1177 م) وابن الجوزي، قد مالوا على بعض كلام المعتزلة، بينما كان الأشعري أقرب إلى مذهب الإمام أحمد من هؤلاء!»
فالتطور في تراثنا الفكري والمذهبي - الكلامي والفقهي - هو قسمة أصلية، وتسليط الأضواء على هذه القسمة يساعد على تفكيك الجمود المذهبي، ويعين على توجيه التراث لتقبل محدثات العصر الذي نعيش فيه، وعلى جعله طاقة حافظة إلى الإبداع والتجديد.
كذلك يجب أن نزكي التوجه الذي يحتضن تراث الأمة - كل تراث الأمة - دون أن يتخندق في مذهب واحد من مذاهب التراث، ذلك أن الولاء لكل التراث مع الاختيار منه، يزكي عقلية الانفتاح على عوالم المعرفة الحديثة والمعاصرة، على عكس عقلية الانغلاق على مذهب واحد من مذاهب التراث؛ فالانغلاق المذهبي حائل دون التجديد والإبداع.
ونحن نرى مصداق ذلك في البلاد التي تحصر عقلها الفقهي في مذهب واحد لا تتعداه، فإيران قد نصت في دستورها على جواز تعديل كل مواد الدستور إلا المادة التي نصت على أن المذهب الجعفري هو مذهب إيران!
وفي المملكة العربية السعودية يتفرد المذهب الحنبلي بالسيادة، حتى ليفرض فقهه على الحجيج الذين ينتمون إلى مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية!
وفي المغرب تم تقنين واحدية المذهب المالكي - لمواجهة امتدادات السلفية الحنبلية! وفي تركيا يتفرد المذهب الحنفي بين أهل السنة الأتراك، بينما تحتضن مصر كل هذه المذاهب الفقهية الإسلامية...
ولقد ظل الأزهر يدرسها جميعا، حتى عندما كانت مصر جزءا من دار الخلافة العثمانية وهي - أي مصر - تنتقي وتختار الأصلح والأنسب من هذه المذاهب، وتصدر موسوعتها الفقهية على المذاهب الثمانية - الموثقة أصولها الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي والظاهري والزيدي والجعفري والإباضي، بينما وقفت الموسوعة الفقهية الكويتية عند المذاهب السنية الأربعة الشهيرة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فضربت مصر - بذلك - المثل على ما يجب أن ننهجه من الانفتاح على مذاهب الأمة وكل تراثها، دون التخندق في مذهب لا نتعداه.
العدد 2604 - الخميس 22 أكتوبر 2009م الموافق 04 ذي القعدة 1430هـ