العدد 2604 - الخميس 22 أكتوبر 2009م الموافق 04 ذي القعدة 1430هـ

زوبعة النقاب وأزمة المؤسسة الدينية (1)

أثارت المؤسسة الدينية الرسمية المصرية في الفترة الأخيرة زوبعة جديدة حول النقاب، انتهت حتى الآن بحظر لبس النقاب داخل قاعات الدرس أو السكن المقصورة على الإناث طالبات ومدرسات، وبرفع الحظر في الأماكن التي يغشاها الرجال. هذا بالنسبة إلى الأزهر على مستوى جامعاته ومعاهده، وتواكب هذا مع حظر المدن الجامعية في الجامعات الأخرى على المنتقبات، وعدم السماح بتعيين عاملات من الأمن النسائي بأبواب الجامعة للتحقق من هويات المنتقبات، وإناطة هذه المهمة لرجال الأمن.

ومع أن هذه القضية جاءت في وقت بالغ الحساسية على المستويين السياسي والديني إلا أنها غطت أو زاحمت في زخمها الإعلامي على قضايا أكبر منها بكثير، مثل الاعتداء الوحشي الإسرائيلي على المسجد الأقصى، وإدانة رئيس السلطة الفلسطينية - محمود عباس- على إعاقته تقرير جولدستون، إلى ما أثاره مفتي مصر الدكتور علي جمعة حول استنكاره أن يقوم الإخوان المسلمون بإنشاء حزب سياسي له مرجعية دينية!

وقد بدت لي ملاحظات مهمة أثناء هذه الأزمة، أسجلها في النقاط التالية:

1. دخلت المؤسسة الدينية في مساحة طالما حظرت الناس من ولوجها، معتبرة أن الإنكار فيها خط أحمر لا يسمح به شرعا، تلكم القضايا الفقهية الخلافية، والتي لا يفتأ الأزهر يكرر أنه لا يجوز إنكار المختلف فيه، وأنه لا ينكر إلا المنكر المتفق بين المدارس الفقهية على نكارته.

ولا شك أن النقاب واحد من أبرز القضايا الخلافية بين الاتجاهات الفقهية قديما وحديثا، ونظرة على أي كتاب فقهي يعرض للفقه المقارن سنجد أن في النقاب رأيين، أحدهما بالوجوب والآخر بالاستحباب.

وهذا طبعا قبل أن يخرج علينا في القرن الأخير رأي ثالث شاذ يرى أنه ليس واجبا ولا مستحبا، بل هو عادة، وتطور هذا الرأي بسرعة مذهلة ليصفه بالعادة الذميمة شرعا ويصفّه في وادي البدع والمنكرات، مع أن أصحاب هذه المقالة أصلا ممن لا يكادون يقرون فقهاءنا على ممر التاريخ في الأمور التي وصفوها بالبدع، بل تكاد هذه المفردة تختفي من قاموسهم تماما إلا في مسألة النقاب!

فالخلاف حول درجة مشروعية النقاب نظريا وعمليا، مسألة كبيرة في زماننا هذا، إلى درجة أنه يعد واحدا من أبرز المعالم التي تمايز بين الاتجاهات الفقهية؛ ولا أدل على ذلك من أن أمن الدولة في مصر يعرضون الشخص على عدة مسائل للتعرف على اتجاهه قصد تصنيفه، ومن أبرز هذه الأسئلة: زوجتك منتقبة أم مختمرة؟

فالملاحظة الأولى هنا أن المؤسسة الدينية رسبت في هذا المبدأ الذي تعمل على إرسائه، وتدخلت في قضية فقهية خلافية، ولم تكتف بالإنكار بالقلب، بل أنكرت باللسان وباليد، فأغلظ شيخ الأزهر على الفتاة بلسان الإنكار وأمر الفتاة بخلع النقاب، ولم يكتف بهذا، بل تعهد باتخاذ قانون يجرم فيه النقاب ليمارس فيه الإنكار بصوره الثلاثة، ليحقق الرسوب الكامل في مبدأ «لا إنكار في مسائل الخلاف».

2. انتهى المجلس الأعلى للأزهر في قراره الذي توعد به شيخ الأزهر إلى حظر لبس النقاب داخل قاعات الدرس أو السكن المقصورة على الإناث طالبات ومدرسات، وبرفع الحظر في الأماكن التي يغشاها الرجال...

ومعنى هذا أن شيخ الأزهر خالف أيضا هذا القرار الذي اتخذه فيما بعد؛ لأن الفتاة التي كانت تلبس النقاب إنما كانت في فصل غشيه شيخ الأزهر والوفد المرافق معه، وهم رجال وأي رجال!، ففيم أخطأت الفتاة إذا؟ ولم كانت هذه الضجة إذا؟ مع أن مدرسة الفتاة أخبرت شيخ الأزهر أن الفتاة اضطرت إلى لبس النقاب لما رأت شيخ الأزهر ورفاقه، وأنها لا تلبسه حينما يخلو الفصل من الرجال!

3. ان شيخ الأزهر صرح في هذه المعركة الأخيرة أنه ليس ضد النقاب وأنه يحترم المنتقبات، ولكن رأيه الشخصي أن النقاب عادة ليس له علاقة بالدين. وقد أوقعنا شيخ الأزهر في حيرة مألوفة من فضيلته إزاء تصريحاته المتضاربة في القضية الواحدة، ذلك أننا إذا رجعنا إلى تفسير شيخ الأزهر (التفسير الوسيط) فإننا نجده يقول بوجوب النقاب، يقول في تفسير قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورا رَحِيما» (الأحزاب:59)، «والمعنى: يأيها النبي قل لأزواجك اللائي في عصمتك، وقل لبناتك اللائي هن من نسلك، وقل لنساء المؤمنين كافة، قل لهن: إذا ما خرجن لقضاء حاجتهن، فعليهن أن يسدلن الجلابيب عليهن، حتى يسترن أجسامهن سترا تامّا، من رؤوسهن إلى أقدامهن، زيادة في التستر والاحتشام، وبعدا عن مكان التهمة والريبة.

قالت أم سلمة (رض): لما نزلت هذه الآية، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها، وقوله: «ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ» بيان للحكمة من الأمر بالتستر والاحتشام».

بل يبلغ بنا العجب منتهاه حينما نجد أن شيخ الأزهر اختار في تفسيره رأيا متطرفا خالف فيه جماهير المفسرين والفقهاء، وذلك أنه جعل الآية تشمل الحرائر والإماء فأوجب فضيلته النقاب على الإماء مخالفا في ذلك جماهير المفسرين إلا نفرا قليلا منهم، يقول فضيلته في هذا التفسير: «قال بعض العلماء: وقد يقال إن تأويل الآية على هذا الوجه، وقصرها على الحرائر، قد يفهم منه أن الشارع قد أهمل أمر الإِماء، ولم يبال بما ينالهن من الإِيذاء من ضعف إيمانهم، مع أن فى ذلك من الفتنة ما فيه، فهلا كان التصون والتستر عامّا فى جميع النساء.

والجواب، أن الإِماء بطبيعة عملهن يكثر خروجهن وترددهن فى الأسواق، فإذا كلفن أن يتقنعن ويلبسن الجلباب السابغ كلما خرجن، كان فى ذلك حرج ومشقة عليهن، وليس كذلك الحرائر فإنهن مأمورات بعدم الخروج من البيوت إلا لضرورة ومع ذلك فإن القرآن الكريم قد نهى عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات جميعا - سواء الحرائر والإِماء، وتوعد المؤذين بالعذاب المهين.

والشارع - أيضا - لم يخطر على الإِمام التستر والتقنع، ولكنه لم يكلفهن بذلك فدعا للحرج والعسر، فللأمة أن تلبس الجلباب السابغ متى تيسر لها ذلك...

العدد 2604 - الخميس 22 أكتوبر 2009م الموافق 04 ذي القعدة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً