العدد 325 - الأحد 27 يوليو 2003م الموافق 28 جمادى الأولى 1424هـ

جنين... التي أحرقها نابليون ونكّل بها الانجليز والصهاينة

قــدر مدينـــة

حذر مختصون فلسطينيون من مخطط يهودي للمساس بالبعد التاريخي لمدينة جنين القسّام في الضفة الغربية التي سماها الصليبيون بـ «جبرين الكبرى» من خلال مصادرة مئات الدونمات من أراضيها، لاسيما تلك المحاذية للخط الأخضر لصالح جدار الفصل العنصري الذي تقيمه قوات الاحتلال في الضفة الغربية بدعوى منع العمليات الاستشهادية الفلسطينية في الدولة العبرية.

وقال المختصون إن سلطات الاحتلال صادرت حتى الآن أكثر من 1800 دونم من أراضي قرى المحافظة، وأن أكثر من 4500 شجرة زيتون تم اقتلاعها في عمليات التجريف التي سبقت بناء الجدار المذكور، وتم عزل 20 ألف شجرة زيتون وحوالي 12 ألف دونم من الأراضي الزراعية والحرجية داخل الجدار الفاصل.

وبفعل ذلك أصبح أصحاب الأراضي المعزولة، غير قادرين على الوصول إلى أراضيهم وخدمتها أو زراعتها أو جني ثمار أشجارهم بسبب اشتراط سلطات الاحتلال حصولهم على تصاريح مسبقة لدخول أراضيهم، مع العلم ان شرط الحصول على تصريح لمالكي الأراضي هو ذريعة إسرائيلية لمنعهم من فلاحة أراضيهم، لأن قاعدة الاحتلال في التعامل مع مالكي الأراضي المذكورة هي عدم منحهم تلك التصاريح بدعاوى مختلفة.

واعتبر أهالي القرى التي قضمت أراضيها أن ما تدعيه سلطات الاحتلال من توفير الأمن للإسرائيليين من خلال إقامة هذا الجدار، هو في الأساس خدمة للسياسة التوسعية للاحتلال وحرمان هؤلاء الفلاحين من مصادر رزقهم وضرب الاقتصاد الزراعي في محافظة جنين، الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي في هذه المحافظة. وبموجب التعديلات التي أدخلت على الخطة الخاصة بعمليات تنفيذ هذا الجدار، فإن عدة قرى في غرب وجنوب غرب جنين ستكون داخل المنطقة العازلة بين الجدار الفاصل و«الخط الأخضر»، مثل: رمانة والطيبة وبرطعة الشرقية وطورة الغربية وأم الريحان وزبدة.

وكانت سلطات الاحتلال أصدرت قبل عامين قرارا باستملاك 73 ألف دونم من أراضي محافظتي جنين وطولكرم، تم عزلها وطلبت من المواطنين القاطنين فيها (26 ألف نسمة)، الحصول على مستندات صادرة عن القائد العسكري للمنطقة، تثبت إقامتهم في المنطقة المعزولة، من أجل ضمان دخولهم إليها وخروجهم منها، وصادرت تلك السلطات 164 دونما من أراضي قرية جلبون شرقي جنين و578 دونما من أراضي قرى: العرقة وبرطعة وزبدة غربي جنين، و53 دونما من أراضي قرية الطيبة، و121 من أراضي قرية طورة الشرقية و753 من أراضي قرية نزلة زيد و245 من أراضي بلدة يعبد، وفي قرية زبوبا، صادرت سلطات الاحتلال لغايات تنفيذ الجدار الفاصل 250 دونما.

وفي عانين اصبح 12 ألف دونم في عداد الاراضي المصادرة، ويمنع أصحابها من دخولها وفلاحتها من دون تصريح من الاحتلال، وأن 530 دونما من أراضي القرية صودرت رسميا واقتلعت 4500 شجرة زيتون لتنفيذ شارع التفافي يخترق أراضي القرية، في حين أن 20 ألف شجرة زيتون وأشجار لوزيات وأخرى مثمرة أصبحت من دون فلاحة لوجودها في الأراضي التي أضحت بحكم المصادرة واقعة بين الجدار الفاصل و«الخط الأخضر».

جذور جنين التاريخية

ولمدينة جنين القسّام بعد تاريخي فلسطيني، فهي تقع عند التقاء دائرة عرض 32,28 شمالا، وخط طول 35,18 شرقا، أي عند النهاية الشمالية لمرتفعات نابلس فوق أقدام الجبال المطلة على سهل مرج بن عامر، وهي خط لالتقاء بيئات ثلاث، الجبلية والسهلية والغورية، وبهذا أصبحت مركزا لتجمع طرق المواصلات القادمة من نابلس والعفولة وبيسان، وهي نقطة مواصلات مهمة إذ تربط الطرق المتجهة من حيفا والناصرة شمالا إلى نابلس والقدس جنوبا.

وتحظى المدينة بمكانة تاريخية قديمة، فقد أنشأها الكنعانيون قرية تحمل اسم (عين جيم) في موقع جنين الحالية، وترك هذا الموقع بصماته على مر التاريخ، إذ كانت المدينة عرضة للقوات الغازية المتجهة جنوبا أو شمالا، لذلك كانت تتعرض للتدمير والخراب أثناء الغزو. وفي العهد الروماني أطلق عليها اسم (جينا)، ولما ورث البيزنطيون حكم البلاد أقاموا فيها كنيسة جينا. وقد عثر المنقبون الأثريون على بقاياها بالقرب من جامع جنين الكبير، يرجع تاريخ انشائها إلى القرن السادس الميلادي.

وفي القرن السابع الميلادي نجح العرب المسلمون في طرد البيزنطيين منها واستوطنتها بعض القبائل العربية، وعرفت البلاد لديهم باسم (حينين) الذي حرّف فيما بعد إلى جنين، وأطلق العرب عليها هذا الاسم بسبب كثرة الجنائن التي تحيط بها.

المدينة بين الصليبيين والمسلمين

استمرت جنين تحت الحكم الإسلامي وأصبحت تابعة لإدارة جند الأردن الذي كانت طبريا حاضرة له، وفي سنة 1103م(496هـ) وقعت جنين تحت الحكم الصليبي بعد أن داهمها الصليبيون بقيادة تنكريد دوق نورمانديا، وضمت إلى إمارة بلدوين ومملكة بيت المقدس، وأطلق عليها الصليبيون اسم (جبرين الكبرى)، وبنوا فيها القلاع وأحاطوها بالأسوار لأهميتها في جنوب المرج. وهاجمها المسلمون بقيادة صلاح الدين في معرض غاراتهم على الكرك، وغنموا منها الشيء الكثير ثم انسحبوا منها، إلا أنهم عادوا إليها بعد هزيمة الصليبيين في موقعة حطين المشهورة العام 1187م(583هـ ). ثم عادت جنين إلى سيطرة الصليبيين بموجب اتفاق الكامل الأيوبي والامبراطور فريدريك الثاني سنة 1229م (626هـ)، ثم نجح الملك الصالح أيوب في اخراجهم نهائيا منها سنة 1244م. وفي سنة 1255م غدت فلسطين تتبع سلاطين المماليك، وكانت جنين تحت سيادتهم تتبع سنجق اللجون، وظلت البلدة في حوزتهم إلى آخر عهدهم. وكانت في عهد المماليك إحدى إقطاعيات الظاهر بيبرس، وفي سنة 1260م ولّى السلطان المنصور قلاوون (بدرالدين درباس) ولاية جنين ومرج بن عامر. وفي سنة 1340م بنى الأمير طاجار الداودار المملوكي خانا اشتمل على عدة حوانيت وحمام، ووصف المقريزي هذا الخان بأنه حسن البناء.

ومن أبرز الحوادث التي تعرّضت لها جنين في العهد المملوكي الوباء الذي انتشر في مصر والشام وقضى على سكان جنين ولم يبق منها إلا امرأة عجوز. كما كانت جنين مركزا للبريد، إذ كان يحمل من جنين إلى صفد، ومن جنين إلى دمشق عن طريق طبريا - بيسان - اربد - دمشق.

وفي العام 1516م (922هـ)دخلت جنين تحـت الحكـم العثماني بعد أن وقف أمير جنين إلى جانبهم فاعترفوا بنفوذه في سنجق اللجـون الـذي غدا تابعـا لـولاية دمشـق، وفي سنة 1516م (974هـ)، بنت فاطـمة زوجـة لالا مصطفى باشا جامعا كـبيرا في جنين، في سنة 1602م (1010هـ)، تولى الامير أحمد بن طرباي حكم جنين تحت سيادة العثمانيين الذي تولى حكم صفد ثم اللجوء واشترك في الفتن التي نشبت بين ولاة الدولة العثمانية.

نابليون ينهب ويحرق جنين

ووفق وثائق المركز الصحافي الفلسطيني تعرّضت جنين للحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إذ عسكر قائده كليبر في مرج بن عامر فهاجمه جنود الدولة العثمانية بمساعدة أهالي نابلس وجنين، وكادوا يقضون على الفرنسيين في تلك المنطقة، ما دفع بنابليون إلى إرسال نجدة إلى كليبر. ولما انتصر الفرنسيون أمر نابليون بحرق جنين ونهبها انتقاما منهم لمساعدتهم العثمانيين. وبعد انسحاب الفرنسيين منها أصبحت مركزا لمستلم ينوب عن والي صيدا، ثم دخلت جنين كباقي مدن فلسطين تحت الحكم المصري بعد أن نجح ابراهيم باشا في طرد العثمانيين، وعين حسين عبدالهادي حاكما عليها، كما جعلها مركز لواء خاصا به، إلا أن حكم المصريين لم يدم طويلا إذ اضطروا إلى الخروج من بلاد الشام عام 1840م، وعادت جنين قائمقامية في متصرفية نابلس التابعة لولاية بيروت التي أنشئت بدلا من ولاية صيدا.

جنين وتنكيل الانجليز

وفي القرن العشرين ارتبطت جنين بالسكك الحديد التي وصلتها بالعفولة وبيسان ونابلس. وفي الحرب الأولى أقام الجيش الألماني مطارا عسكريا غربها، وفي عهد الانتداب البريطاني أصبحت مركزا للقضاء، ولها سجل حافل بالنضال ضد الاستعمار البريطاني والصهيوني، إذ أعلنت أول قوة مسلحة ضد الاستعمار البريطاني العام 1935م بقيادة الشهيد عزالدين القسام، واشترك سكان المدينة في اضراب العام 1936م، وتعرضت ابان فترة الانتداب البريطاني، إلى كثير من أعمال العنف والتنكيل والتخريب وهدم البيوت على أيدي القوات البريطانية نتيجة لبعض الحوادث مثل قتل حاكم جنين «موفيت» في العام 1938م.

وفي 14 مايو/أيار 1948م تركها الإنجليز ما دفع اليهود إلى محاولة يائسة للسيطرة على المدينة وفشلت أمام صمود المقاتلين الفلسطينيين بمساعدة الجنود العراقيين. وبعد توقيع الهدنة العام 1949 هاجم الفلسطينيون والعراقيون مواقع اليهود واستطاعوا استرداد عدد من القرى مثل فقوعة وعرانة والمقيبلة وصندلة وجلمة وغيرها، وطرد اليهود منها وبقيت جنين مركزا للقضاء يتبع دار نابلس. وفي العام 1964م أصبحت مركزا للواء جنين ضمن محافظة نابلس. وفي العام 1967م وقعت تحت السيطرة الإسرائيلية مثل باقي مدن الضفة الغربية، واستمرت كذلك حتى قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية العام 1995م.

نشاط أهالي جنين

مارس السكان في جنين عدة أنشطة اقتصادية أهمها:

الزراعة: وهي الحرفة الرئيسية للسكان، بل كانت الزراعة المورد المحلي الوحيد في المنطقة، إلا أن هذه الحرفة تعرضت لتراجع بسبب تناقص الاراضي الزراعية جراء اغتصاب «إسرائيل» لأراضي اللواء، فقد تناقصت بمقدار 11,1 في المئة العام 1967 عما كانت عليه العام 1940، وكذلك هجرة الكثير من أبناء اللواء إلى شرق الأردن في أعقاب حرب 1967. وقام السكان بزراعة الكثير من المحاصيل الزراعية على رأسها الأشجار المثمرة ثم المحاصيل الحقلية، ثم الخضراوات والحمضيات، وقد وصلت كمية الإنتاج الزراعي في اللواء العام 1940 إلى 16,3 ألف طن من المحاصيل الحقلية، وبلغ إنتاج الخضار والأشجار المثمرة في تلك السنة 7,4 - 13,8 ألف طن، إلا أن الإنتاج تدنى العام 1963 للأسباب السالفة الذكر.

بالإضافة إلى الزراعة فقد اهتم السكان في جنين بتربية الحيوان وخصوصا الماعز، إلا أن هذه الأهمية تناقصت بعد تقدم الزراعة وتناقص مساحة المراعي والأحراج التي كانت منتشرة في المنطقة وبالتالي اختلفت النسب النوعية لمكونات الثروة الحيوانية، فبعد أن كان الضأن يمثل 25 من جملة الثروة الحيوانية العام 1934 أصبح يشكل 67,6 في المئة العام 1993، ثم أخذت أعداد الحيوانات وخصوصا الأغنام والماعز تتزايد بسبب اعتماد السكان على اللحوم المحلية بدلا من الاستيراد من «اسرائيل».

الصناعة: لا توجد في مدينة جنين أو لوائها صناعة بمعنى الكلمة، إلا بعض الحرفيين والمهنيين مثل الخياطين والحدادين وغيرهم. وتوجد بعض الصناعات الزراعية مثل عصر الزيتون ومطاحن الغلال، كذلك توجد صناعات خاصة مثل البناء، كمقاطع الحجارة والكسارات وصناعة البلاط والموزايكو، وهناك صناعات الملابس والاحذية والصناعات الخشبية والحديد.

النشاط الثقافي: شهدت المدينة حركة تعليمية منذ زمن بعيد، إذ كان نظام الكتاتيب سائدا منذ بداية القرن التاسع عشر، وشهدت مساجد المدينة الحلقات التدريسية والمناظرات العلمية من قبل مشاهير العلماء المسلمين، وغلب على هذه الحركة العلمية الطابع الديني. وفي نهاية القرن التاسع عشر أقيمت أول مدرسة ابتدائية ضمت أربعة صفوف، ثم أنشئت مدرسة أخرى، وفي العام 1943 أنشئت في جنين مدرسة ثانوية وساعد على تطوير الخدمات التعليمية في جنين تشكل لجنة المعارف المحلية التي كانت مهمتها البحث عن الموارد والمصادر المالية لتطوير التعليم. وبعد حرب العام 1948 لم تكن في المدينة سوى مدرستين، واحدة للذكور تضم صفوف المرحلة الابتدائية والثانوية، وأخرى للإناث تضم صفوف المرحلة الابتدائية.


المعالم الأثرية

تضم جنين الكثير من المعالم منها:

1- الجامع الكبير: هو من المعالم التاريخية في جنين، أقامته فاطمة خاتون ابنة محمد بك بن السلطان الملك الاشرف قانصوة الغوري.

2- الجامع الصغير: ليس له تاريخ معروف ويقال إنه كان مضافة للأمير الحارثي، في حين يلحقه البعض بإبراهيم الجزار.

3- خربة عابة: تقع في الجهة الشرقية من المدينة في أراض سهلية، وتشتمل هذا الخربة على قرية متهدمة وصهاريج منحوتة في الصخر.

4- خربة خروبة: تقع على مرتفع يبعد قرابة كيلومترين عن مدينة جنين.


النمو السكاني

وبحسب السجل السكاني الفلسطيني فإن نمو عدد السكان في جنين لم يكن كبيرا في الفترة من 1922م إلى 1931م، بسبب هجرة الكثير من سكانها إلى مدن السهل الساحلي، إلا أن هذا النمو بدأ يرتفع فيما بعد ليتضاعف العام 1947م، لعدة أسباب: عودة سكان المدينة إليها والركود الاقتصادي الذي أصاب المناطق الساحلية، والحرب العالمية الثانية والحوادث الجارية في المنطقة. وفي العام 1952م سجل سكان جنين ارتفاعا كبيرا بسبب تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين بعد حرب 1948، وعاد ليشهد انخفاضا حادا العام 1967م، بسبب نزوح أعداد كبيرة من سكانها إلى شرق الأردن ودول الخليج في أعقاب الحرب. وفي العام 1980م عاد عدد السكان إلى الارتفاع بسبب عودة سكان المدينة إليها ومازال يواصل ارتفاعه حتى الآن

العدد 325 - الأحد 27 يوليو 2003م الموافق 28 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً