لقد اتبع الاميركيون الجمعة الماضي التقاليد البعثية العريقة بعرض جثث أعدائهم على شاشة التلفاز. فعودة إلى العام 1963، عندما عرضت جثة عبدالكريم قاسم على التلفاز، لم يكن التلفزيون ملونا، فظهر بالأبيض والأسود رئيس الوزراء الذي أعدم بعد أن ناله الكثير من الاتهامات من قبل البعثيين وضباط الجيش. نشرت صورته وهو مسند في كرسي... ولكنه غارق في الموت. وتحصيل حاصل ان نقول ان الصور يوم الجمعة كانت بالألوان الطبيعية... ووجها عدي وقصي صدام حسين تم ترميمهما بعناية على يد حانوتيي الجيش الأميركي ووضعا على سرير، وقد تم تقطيب جسديهما واستخدمت ألوان غير طبيعية لوجهيهما الحليقين حديثا... ولكنهما غارقان في الموت.
العراقيون عرض عليهم جثمان عبدالكريم قاسم ليصدقوا انه مات، والأميركيون عرضوا صور عدي وقصي ليصدق العراقيون انهما ماتا. ومن الواضح ان وجهيهما الحقيقيين قبل أن يلمسا لم يقنعا العراقيين، فالأميركيون حلقاهما بعناية، فبديا أقرب شبها بأبناء صدام، ماعدا أثر الطلقتين خلف أذن قصي اليمنى وانفجار وجه عدي. ومن الرحمة بنا ان الأميركان وفروا علينا رؤية جثة مصطفى ابن قصي البالغ 14 عاما الذي قتلوه، ولم يأخذ أي نصيب له من عناوين الأخبار في الولايات المتحدة الاميركية، مع ان قائد الجيش الأميركي ألمح هذا الاسبوع إلى ان الشخص الأصغر كان آخر من مات.
وعموما كانت تلك أسوأ بداية لعروض المشرحة! فجيش الاحتلال وحده كان بإمكانه أن ينتج صورا حقيقية لعدي وقصي في وقت محدد - في يوم الجمعة العطلة الاسبوعية للمسلمين - فيما لم تكن هناك صحيفة في بغداد يمكنها ان تنشرها. ولكن بعد زيارة الصحافة العالمية لمعرض «الجثث» فان الجثث «أعيد» تسخينها للاستهلاك المحلي. فالصفحات الأولى للصحف هنا في بغداد، ستغطيها مرة أخرى هذه الصور المروّعة.
ولكن ماذا يفترض أن يخرج به العراقيون من كل ذلك؟ السلطات الأميركية أعلنت انها عالجت الأجساد في مشرحتها بمطار بغداد «بالاحترام نفسه» الذي ستعامل به أي جثة، كما لو ان استعراض أجساد الموتى على التلفاز من أكثر الأمور اعتيادية في العالم. وان المرء ليتساءل: هل سيحظى صدام حسين أو أسامة بن لادن بالمعاملة نفسها؟ أو الملا عمر؟ أو كراجيتش او ميلاديتش؟ ثم ان السلطات الأميركية أعلنت انها تنتظر «مجيء أحد أفراد العائلة ليأخذ الأخوين للدفن»! وكأن صدام حسين سيذهب إلى المطار في سيارة مرسيدس ليوقع على ورقة استلام جثتيهما!
ولكن بما أن كل ذلك يفترض انه تمّ من اجل الشعب العراقي، فمن المفيد أن نقوم بجولة حول المدينة صباحا وفي الوقت نفسه للتسوق لشراء سائل غسيل وصابون وفواكه واوراق تنظيف ومربى الفاكهة والجبنة و...، مع إجراء استطلاع خاص للرأي العام عن تلك الجثث. الخبر الجيد ان 60 في المئة من الخمسين عراقيا الذين تحدثت إليهم يعتقدون ان الصورة الأصلية كانت لقصي فعلا، والخبر السيئ هو أن كل هؤلاء الستين في المئة تقريبا طلبوا معرفة لماذا لم يكلف الأميركيون أنفسهم القبض عليهما لكي يتسنى تقديمهما إلى محاكمة على جرائمهما البشعة.
تاجر الأدوات المعدنية الذي توقفت عنده أخيرا - وبالمناسبة اسمه عدي - كان أكثرهم فصاحة، إذ قال: «انه هو ، بالطبع انه هو، ولكن لماذا حرمنا الاميركيون من محاكمته؟ كان بالامكان استسلام ذلك المنزل بسهولة إذ لم يكن بداخله غير أربعة أشخاص والانتظار حتى يستسلموا. هناك الكثير الكثير من العراقيين الذين كانوا ينتظرون العدل الحقيقي، عدل الديمقراطية ليس من النوع العسكري. وبدلا من المحاكمة أعطَونا صورة»!
وكانت هناك الكثير من الشكاوى ان الأميركان كان عليهم حلق لحية قصي لإظهاره كما كان يبدو في الحقيقة، وهو ما قام به الأميركيون قبل العرض التلفزيوني الأخير. وربما يكون ذلك هو السبب وراء عدم تصديق 40 في المئة من أولئك العراقيين بموت قصي. وفي محل للبقالة سألني رجل غاضبا لماذا لم يعرض الاميركان جسد مصطفى؟ وأكمل بسؤالٍ آخر: «لانهم لا يريدون عرض أطفال قتلى؟».
والقصة نفسها عندما نعود إلى موقع تفجيرات حي المنصور في أبريل/ نيسان الماضي عندما قطّع الاميركان 16 مدنيا بريئا إلى أشلاء على أمل عبثي ان يكون صدام وابناه في منزل مجاور. نعم، انه عدي، وربما كان قصي. ولكن هل بذل الأميركان أي محاولة جادة لاعتقالهما؟ و-طبعا- لماذا لم يقدموا أي تعويضات لضحايا مجزرة المنصور؟ أحد الناجين من تلك المجزرة، عبدالله مسيحة، طالب من محكمة عراقية التعويض ولكن الاميركيين لم يقدموا شيئا.
ومن سخرية القدر ان النسّاخ الذي كان قريبا جدا من الموقع الذي أعدم فيه عبدالكريم قاسم قبل أربعين عاما، سألني لماذا اعتقد الأميركان ان موت عدي وقصي، الذي تقبله هو، سيقلل من المقاومة للاحتلال الأميركي؟.
وذلك يقود إلى أخبار سيئة فعلا. فكل من تحدّثت إليهم من العراقيين - ومن دون استثناء- قالوا ان رجال العصابات الذين يقاومون الاميركان ليسوا فقط من «فلول» صدام، ولكن من «المقاومة الشعبية» (كتبها بالعربية)، وفي هذه المسألة بالنسبة إلى أميركا الكذب هو الحل. فالمستر بوش قد يقول العكس، ومسئولو جيش الاحتلال هنا يودون وسط اليأس لو يصدقوه، ولكن في بغداد هناك تعاطف واسع، ليس مع القتلة والجلادين في نظام صدام الذين يهاجمون الاميركان فعلا، وانما مع الحركة الاسلامية السنية الأخطر التي تتولى معارضة الاحتلال.
أحد الرجال في المنصور صاغها في العبارة الصريحة التالية: «انك تعيش على أوهام كاذبة إذا ظننت ان هذه الصور ستغيّر شيئا. حرب التحرير بدأت ونحن وراءها». فإذا صح ذلك... فسيكون هناك المزيد ...والمزيد من الجثث
العدد 325 - الأحد 27 يوليو 2003م الموافق 28 جمادى الأولى 1424هـ