العدد 330 - الجمعة 01 أغسطس 2003م الموافق 03 جمادى الآخرة 1424هـ

الكويت مازالت رهينة مخاوفها بعد سقوط صدام

في الذكرى الثالثة عشرة للغزو العراقي:

تمر علينا اليوم ذكرى الغزو العراقي للكويت، ذلك الغزو الذي فتح باب الفتن على مصراعيه على الأمة العربية بفعل حماقات حكام بغداد. تمر الذكرى وبطل الغزو مختفٍ وأميركا عرضت 25 مليونا جائزة على رأسه.

في سبتمبر/ أيلول من العام 1980 شن العراق حربه على إيران، بدعوى استعادة الحقوق العربية، وكان وراء هذه المزاعم أهداف أخرى خفية. واستمرت الحرب ثمانية اعوام احرقت الاخضر واليابس وخرج البلدان الجاران منهكين. ووجد العراق نفسه وسط ازمة اقتصادية حادة وديون متراكمة.

وبعد اقل من عامين على إيقاف الحرب الاولى، اقتحمت قوات صدام الحدود في فجر الثاني من أغسطس/ آب من العام 1990، واتجهت صوب العاصمة الكويتية، بعد أن اجتاحت القوات الكويتية التي لا تضاهيها عددا وعدة. ورفع صدام حسين شعارا أقرب إلى النكتة حين زعم ان الغزو ما هو إلا «تأييد لانتفاضة شعبية في الكويت»، ولكن من قاومه من الكويتيين قوبلوا بالقتل والتعذيب. واتهم صدام الكويت بتعمد تخفيض أسعار النفط وضخ كميات أكبر من حصتها من الحقول المشتركة، ولكن الحقيقة ان الكويت رفضت إلغاء ديون العراق فقرر صدام غزوها.

وفرضت الأمم المتحدة عقوبات اقتصادية على العراق وحددت موعدا للانسحاب، ولكن الموقف العراقي أصر على ان الكويت محافظة من محافظاته. وكان ذلك حتى التقى طارق حنا عزيز بنظيره الأميركي الذي حمل رسالة تهديد مباشرة لم يستجب لها النظام العراقي. وفي الأثناء شكلت الولايات المتحدة تحالفا شاركت فيه 33 دولة، ووضعت خطة عسكرية بقيادة الجنرال نورمان شوارتزكوف تحت امس «عاصفة الصحراء»، اتي سيحفل التاريخ بأسماء أخرى مثيلة: من ثعلب وثعبان و...الصحراء! وبدأت العمليات في السابع عشر من يناير/ كانون الثاني 1991 بغارات شنتها طائرات أميركية وبريطانية وحليفة، معلنة بدء حرب الخليج الثانية، التي اسماها صدام: «أم المعارك»، وتركز القصف للأهداف العراقية على المقار العسكرية والقواعد الجوية والجسور والمباني ومحطات الطاقة ومراكز الاتصالات، وألقت طائرات التحالف ما زنته 85 الف طن من المتفجرات.

الخسائر المدنية

وارتفع عدد القتلى المدنيين بسبب عشرات الآلاف من الطلعات الجوية، واستهدف القصف في الثالث عشر من فبراير/شباط ملجأ للمدنيين قتل فيه 315 بينهم 130 طفلا، وقال عنه الأميركيون انه مركز للقيادة تحت الأرض! وفي يوم الرابع والعشرين من فبراير شنّت القوات المتحالفة هجوما بريا وجويا وبحريا واسعا أنزل الهزيمة بالجيش العراقي في خلال 100 ساعة. وأشعل العراق النيران في 600 بئر نفطي كويتي مسببا كارثة بيئية استمرت شهورا طويلة، وتخلّفت عنها غمامة سوداء غطت سماء الكويت وبعض البلدان المجاورة لأسابيع، فيما نقل بعض الاخبار عن هطول أمطار حمضية على جبال الهملايا. وبعد يومين من ذلك أعلن العراق سحب قواته من الكويت، ولكن الأميركان قصفوا الطريق العام بين الكويت والحدود فقتل آلاف العسكريين المنسحبين فيما عرف بـ «طريق الموت». وقدّرت خسائر الجيش العراقي ما بين 25 و30 الف قتيل في الحرب البرية.

وفي السابع والعشرين من فبراير استقبل الكويتيون طلائع القوات الحليفة في مدينة الكويت. وأثناء ذلك تم أسر عشرات الألوف من الجنود العراقيين الذين استسلموا من دون مقاومة للأميركيين بعد أن فروا من وحداتهم. ولم تتجاوز خسائر الاميركيين 48 قتيلا، و145 سقطوا في عمليات «غير قتالية» كما قيل. وقدّر الحلفاء خسائر الجيش العراقي بين 60 و200 الف قتيل، وتم دفن القتلى في مقابر جماعية بالصحراء.

وفي الثامن والعشرين من مارس/آذار قبل العراقيون رسميا وقف إطلاق النار، واجتمع قادة عراقيون واميركيون في خيمة نصبت بالقرب من بلدة صفوان الحدودية. وتضمن القبول إلغاء قرار ضم الكويت وتزويد الامم المتحدة بمعلومات كاملة عن الاسلحة الجرثومية والكيماوية التي ستبقى حجة يستغلها الاميركيون ومن ورائهم البريطانيين لمدة ثلاثة عشر عاما، لفرض حصار ظالم على شعب كتب عليه دفع ثمن حماقات قيادته، وانتهت بافتعال حرب ثالثة في الخليج لاستنزاف بقية الثروات، في ظل أجواء دولية مختلفة هذه المرة، حكمتها تداعيات هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2000. وفور الإعلان عن وقف إطلاق النار اندلعت الانتفاضات في مناطق الشمال والجنوب، ففي البصرة والنجف وكربلاء انطلقت مظاهرات ضخمة ضد النظام، فيما سقطت السليمانية بأيدي الاكراد، الذين سيطروا على مناطق الحكم الذاتي خلال أسبوع، في وقت دعا الرئيس الاميركي بوش (الأب) العراقيين الى تسلم زمام الامور بأنفسهم. ووصلت طائرات حربية عراقية للقيام بقصف مكثف لم تسلم منه المستشفيات والمدارس والمساجد والأضرحة والمقابر. وشُمّ من الموقف الأميركي رائحة التواطؤ مع النظام، وخصوصا ان الولايات المتحدة اعلنت عن قتل ما بين 30 و60 ألف عراقي بسبب بطش صدام. واليوم يتم اكتشاف مزيد من هذه المقابر الجماعية التي تعود الى تلك الحقبة السوداء التي لن تمحى من الذاكرة العراقية قبل قرون.

وفي الشمال هرب مليون ونصف مليون كردي إلى إيران وتركيا رعبا من كابوس استخدام الأسلحة الكيماوية التي استخدمها النظام انتقاما من الاكراد في الحرب الأولى وسط صمت دولي مشين، إذ ظل اسم «حلبجة» يقض مضاجع الأكراد ويثير مواجعهم طويلا.

جوانب الدمار الأخرى

لم يقتصر الدمار الذي خلفته مغامرة صدام على الجانب البشري، بل تعدته إلى البيئة إذ تأثرت الثروة الحيوانية في الكويت بالنفط المتسرب، بما فيها الطيور والسلاحف النادرة وتعدى ذلك إلى الجزر المرجانية، فيما اعلن اطباء كويتيون ارتفاع نسبة الاصابة بامراض السرطان والقلب بسبب الدخان الكثيف. وفي الوقت نفسه تسبب استخدام الاميركان لليورانيوم المنضب في أضرار بالغة على العراقيين، إذ ان استخدام الذخائر المصنوعة من اليورانيوم المنضب زادت من نسبة الإصابة بامراض السرطان والتشوهات الخلقية بنسبة تسعة أضعاف في مناطق جنوب العراق، وخصوصا في محيط البصرة. ومعروف ان اليورانيوم معدن ثقيل سام يسبب تلوثاُ طويل الأجل. وهو ما يؤكده الكثير من الجنود الاميركيين والبريطانيين الذين شاركوا في الحرب، ويعزون ما أصابهم من اعراض يعانون منها إلى استخدام تلك المادة. ومن هذه الأعراض الإصابة بالوهن والإرهاق المزمن والصداع وعدم التركيز وآلام المفاصل والغثيان والحمى، فيما عُرف بـ «مرض حرب الخليج»، وهو ما تنفي الإقرار بوجوده وزارة الدفاع البريطانية.

والكويت تمر بها الذكرى هذا العام وهي تفرك عينيها على حقيقة كانت تكابر عن التسليم بها، وهي ان الداخل في سجون صدام مفقود مفقود... إذ كان أهالي الأسرى والمفقودين الذين طالما لعب بأوجاعهم صدام ـ بساديته ومرضه وعقده ـ يعيشون على امل اللقيا بالأحبة المفقودين.... لعل وعسى، وكأن الغزو الغادر لم يكن كافيا لتعريفهم بصدام الذي دعموه في الحرب الاولى من القلب فانقلب ليعض اليد التي أكرمته ووقفت تسند «الجبهة الشرقية» -كما قيل حينها- من الانهيار. وما هي إلا عامان وإذا بالوحش الذي انقض على إيران يعود للانقضاض على الكعكة الصغيرة في الزاوية الجنوبية من خاصرته في ظرف ساعات.

غزو الكويت، مغامرة لم يدفع صدام واولاده ثمنها على الإطلاق، وانما دفعت ثمنها دول المنطقة التي ارتهنت ثرواتها لتسديد الديون، ودفعت الشعوب من رخائها وأمنها ثمنا غاليا، وكان الشعب الذي دفع الضريبة العظمى للطغيان هو شعب العراق الذي حوصر في غذائه ودوائه ثلاثة عشر عاما، ولم تنتهِ مأساة الطغيان إلا ببداية مأساة الاحتلال...

العدد 330 - الجمعة 01 أغسطس 2003م الموافق 03 جمادى الآخرة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً