العدد 332 - الأحد 03 أغسطس 2003م الموافق 05 جمادى الآخرة 1424هـ

السياحة العربية: نزيف خارجي وكساد داخلي

المنامة - عبيدلي العبيدلي 

03 أغسطس 2003

من بعض المسلمات التي طرأت على سلوك المواطن الخليجي بعد فورة النفط الأولى التي عمت دول مجلس التعاون في منتصف السبعينات، هي ضرورة السفر إلى الخارج والاستمتاع بما توفره المنطقة المقصودة من وسائل ترفيه وراحة. وشكل ذلك جزءا كبيرا من حركة السياحة الداخلية العربية وترسخت في ذهنية المواطن أن العطلة الصيفية خارج بلده تعني المتعة والراحة التي تصل في بعض حالاتها إلى درجة لا تطاق من الخمول. هذا الفهم القاصر للسياحة يشوه كثيرا من أفق الصناعة السياحية، ومن ثم يفقد بعض الدول القدرة على التخطيط الصحيح لبرامج سياحية تندرج في نطاق التنمية الشاملة للبلد المعني. ولكي نخرج من النطاق الضيق لمفهوم السياحة إلى الأفق الأكثر رحابة، لابد من تحديد القطاعات السياحية المختلفة التي يمكن إدراج أهمهما وفقا للتصنيف أدناه:

1- السياحة الترفيهية: هي التي توفر المتعة والراحة وقضاء الأوقات بشكل مسل ومريح، وهذا النوع من السياحة يلائم البلدان ذات المناخ المعتدل والطبيعة الخلابة.

2- السياحة العلاجية: هي التي تلائم الدول ذات المشافي الطبيعية أو ذات الخدمات الطبية المتقدمة والمشهورة.

3- السياحة الثقافية: هي الأكثر شيوعا وتناسب البلدان التي تتوافر فيها آثار الحضارات القديمة المشهورة، والمنتجات التقليدية الشعبية.

4- السياحة الرياضية: هي التي تلائم البلدان التي تتوافر فيها مناطق القنص، وصيد الأسماك، والتزلج... إلخ.

5- السياحة الدينية: هي التي تلائم البلدان التي تقوم فيها الأماكن المقدسة التي يؤمها ملايين البشر لممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية التي لا يمكن ممارستها بعيدا عن تلك الأماكن المقدسة.

6- سياحة الإجازات: هي التي يمارسها من يريدون قضاء عطلهم الصيفية في دول تتميز بمناخها المعتدل ومرافقها الترفيهية. والعكس من ذلك سياحة الإجازات الشتوية التي تنتعش في بلدان التزلج الجليدي.

حركة السياحة الخليجية

شهدت أرقام السياح الخليجيين نموا يسيرا خلال السنوات الثلاث الماضية. فحسب مسح قامت به الوكالة الدولية للسفر أمضى مواطنو دول مجلس التعاون خلال العام 2000 ما يقارب من 199 ليلة خلال 8,8 ملايين رحلة. كانت الغالبية العظمى منهم من السعودية (4,8 ملايين رحلة) أمضوا 106 مليون ليلة، تليها دولة الإمارات (1,6 مليون رحلة)، أمضوا 38 ملايين ليلة.

وبحسب إحصاءات هيئة السياحة البريطانية، فإن المملكة المتحدة كانت دوما محط أنظار أبناء دول مجلس التعاون، وهذا ما جعلها تنعم بزيادة سنوية ملحوظة خلال السنوات التي تلت العام 1997، باستثناء الفترة التي تلت حوادث 11 سبتمبر/أيلول.

لكن هذا النمو في حركة السياح الخليجيين لا يصب في صالح حركة السياحة العربية الداخلية. هذا ما يؤكده رئيس المنظمة العالمية للفنادق والمطاعم عثمان عيدي حين يقول: «إن البلاد العربية تحتضن ما يقارب من 40 في المئة من المناطق الأثرية العالمية التي متى ما استثمرت بشكل صحيح بوسعها أن تستقطب نسبة لا بأس بها من اقتصاد السياحة العالمية». وألمح السيد عثمان إلى أن هناك حاجة إلى إجراء تحسينات في السكك الحديد والطرق والمطارات والاتصالات من أجل الإسراع في عمليات تطوير السياحة، ويحتاج الشرق الأوسط أيضا إلى المزيد من استثمارات القطاع الخاص سواء كان ذلك على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي.

وفي أحد مؤتمرات الاستثمار الذي عقد في العام 1995 في دمشق وجمع ما يزيد على 500 مستثمر في مختلف القطاعات السياحية، كان الهدف من وراء ذلك الاجتماع تقييم فرص وتحديات أمام السياحة العربية. ووجد الجميع حينها أن تنشيط السياحة لا يقتصر على إجراءات شكلية مثل الإعفاء من الضرائب أو المكوس الجمركية بقدر ما يحتاج إلى تشريعات وقوانين تحمي المستثمرين وتحدد حقوقهم وتحمي استثماراتهم على الأمد الطويل.

وتردد صدى قرارات مؤتمر 1995 المشار إليه أعلاه، في مؤتمر لاحق عقد في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1998 في القاهرة عن الاستثمار في قطاع السياحة. وأعيد اتخاذ القرارات نفسها التي تدعو الحكومات العربية إلى تطبيق القوانين والأنظمة التي تحمي الاستثمارات السياحية بما في ذلك إجراءات القضاء والتحكيم.

فعلى رغم وجود 40 في المئة من المواقع الأثرية في العالم في البلاد العربية فإنها لا تجتذب سوى 3 في المئة من الانفاق العالمي على السياحة وتستقطب ما يقل عن 3 في المئة من سياح العالم.

ما تجدر الإشارة إليه هو ضعف السياحة الداخلية العربية، وذلك يعود إلى صعوبة التنقل بين البلاد العربية. فبينما تصل نسبة السياحة الداخلية الأوروبية إلى 88 في المئة من القيمة الإجمالية السياحية لأوروبا. نجد ان السياحة الداخلية العربية لا تتجاوز 42 في المئة من إجمالي السياحة.

ولتقريب أهمية السياحة في الاقتصاد القومي وخصوصا بالنسبة إلى البلاد العربية النفطية لنفترض أن سعر برميل النفط قفز من 10 دولارات للبرميل (السعر في العام 1978) إلى 20 دولارا للبرميل في أواخر التسعينات. أي بزيادة قدرها 100 في المئة. عندما نقارن هذه الزيادة مع مؤشرات الزيادة العالمية ولنأخذ مؤشر دو جونز على سبيل المثال الذي قفز من 1000 إلى حوإلى 11000 نقطة أي بزيادة قدرها 1000 في المئة خلال الفترة ذاتها.

هذا يعني أن العرب مطالبون بالنظر جديا في صناعات بديلة أخرى غير النفط، إن هم أرادوا تنويع مصادر الدخل أولا، وتحقيق نمو قريب من ذلك التي تشهده صناعات مماثلة في دول أخرى.

وهذا ما ألمح إليه تقرير صادر عن منظمة السياحة العالمية عن تضرر السياحة العربية من حوادث 11 سبتمبر، إذ يعترف التقرير بتراجع عدد السياح الغربيين إلى المنطقة العربية من 23,2 مليون سائح خلال العام 1999-2000 إلى 5,22 ملايين خلال العام 2000-2001. أي بتراجع قدره 11 في المئة.

هذا التراجع في استقطاب السياح العرب والأجانب يقابله نزيف مستمر تعبر عنه حركة السياح العرب - والخليجيين منهم خصوصا - خارج البلاد العربية، وخصوصا نحو دول الشرق الأقصى. ففي دراسة نشرتها منظمة آسيا الباسيفيكية للسفر، تضاعف عدد الواصلين من دول الشرق الأوسط إلى دول مثل تايلند وسنغافورة ونيوزيلندا بشكل ملحوظ، خلال الفترة التي تلت حوادث 11 سبتمبر. فقد ارتفعت نسبة الواصلين من الكويت إلى نحو 25 في المئة، وهي نسبة صغيرة مقارنة مع تلك التي من الإمارات والتي بلغت نحو 30 في المئة والسعودية التي بلغت هي الأخرى حوإلى 35 في المئة.

القصد من وراء ذلك كله القول إن هناك كتلة سياحية عربية تمثل دخلا لا يستهان به وتشهد نموا متزايدا لا يمكن تغافله.

من جهة أخرى هناك مقومات سياحية عربية تلبي احتياجات الست فئات السياحية التي أشرنا إليها في بداية المقال.

هذا يدفعنا للتساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء كساد السياحة العربية أو عدم تحقيقها لمعدلات النمو المتوقعة لها، والتي كانت محصلتها سياحة عربية كاسدة داخليا، ومصدر نزيف دائم نحو الخارج. وعلى ذوي الشأن تقع مسئولية الإجابة

العدد 332 - الأحد 03 أغسطس 2003م الموافق 05 جمادى الآخرة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً