العدد 359 - السبت 30 أغسطس 2003م الموافق 03 رجب 1424هـ

صعوبة الميسور

البلاد القديم - غازي الحداد 

30 أغسطس 2003

تكون الكتابة في أعلى درجات الصعوبة والتعقيد عندما تشكل بناء تقويميا لظاهرة إنسانية مفترعة على موضوعات العلم المتنوعة بقدر من التساوي، بحيث يكون فيها الأديب معادلا للمؤرخ والفقيه، معادلا للفيلسوف المتكلم إرغاما لجوهر التباين بين طبيعة هذه الأشتات لما لها من خصوصية فطرية في الأدوات والأهداف ومناهج التفكير ومناحي الدراسة.

لكنك تكون مجبرا بأن تدمج كل هذه التشعبات في منظومة واحدة لتتلمس روحا مسَّها الله بوحي هدايته وإفاضات بركاته لتلج في جسد من نور الولاء لأئمة الهدى من آل محمد (ص) فتكون أمام مشهد عظيم لانسان لا تختفي عليه سمات الكرامة والبهاء وصدق الاخلاص لله والوفاء لرسالته التي تترقرق على لسانه فوق المنابر ببيان كالسلسبيل يرشح بنداه على أفواه الظمأى لمعرفة الحقيقة فيروِّيها بسليقته الطليقة. انه الفليسوف الذي قال: «إن من أبرز مظاهر العصبية عند المسلمين إقرارهم بمقدمات تستغرق نتائج حتمية يحجمون عنها ويكفّرون من استخلصها لنفسه». وانه المؤرخ الذي دعا الى إعادة كتابة التاريخ بمنهجية موضوعية وعلمية إذ قال: «لو استطاع المسلمون ان يرفعوا ضغط السياسة عن التاريخ لتجلت لهم الحقيقة كالشمس في رابعة النهار، ولتمكنوا من المطابقة بين الحقيقة التاريخية والحقيقة القرآنية». وهو الفقيه الذي قال: «لم أجد بعد روح الله رجلا من أهل الفقاهة حمل القدر الأكبر من حقائق الفقه الإلهي حتى بدا لي انه آخر الرجال». وهو الذي صرح بأن «الغالب من فقه المذاهب الإسلامية أصيل في مضمونه وطرق استنباطه وان لم يتوافق في بعض الاحيان مع الارادة التشريعية للسماء فذلك أمر طبيعي؛ لأن المصادر إلهية والاستنباط بشري يرتكز على قابلية هذا المخلوق للخطأ والصواب».

ومن أبرز آرائه الفقهية والتي ناقش فيها علماء الأزهر الشريف ان أرباح الوديعة المصرفية ليست ربا لعدم اتفاق المودع مع المصرف على زيادة مشروطة، فردوا عليه بالقاعدة الأصولية القائلة ان (المعلوم علما كالمشروط شرطا عند عدم الشرط)، فرد عليهم بأن هذه القاعدة لا تنطبق على هذه الحال لأن المودع لا يغلب على نيته تحصيل الزيادة وانما حفظ المال من الضياع ثم ان غالبية المصارف شركات مساهمة توظف رؤوس أموالها في عمليات استثمارية يأخذ فيها المودع من الناحية العملية موقع المساهِم بدليل انه لا يعترض على مقدار الزيادة ان زاد أو نقص فمقتضى حاله يؤكد عدم اشتراطه المسبق لها. وهو الأديب اللوذعي الألمعي البارز الذي تغنيك درر ديوانه وسبكة بيانه وعمق بلاغته ورصانة جملته عن الخوض في جوهر صنعته وحقيقة موهبته. ويكفي انه في احدى المنتديات الأدبية في النجف الأشرف في الستينات تفوق بقصيدته في أمير المؤمنين (ع) على الجواهري، وما أدراك ما الجوهري؟ بشهادة النخب الحاضرة من كبار العلماء. ومن آرائه المتميزة والتي تفرد بها ان السيدحيدر الحلي قد غلب الشريف الرضي في اللوعة والأسى، والشريف الرضي قال عنه الناقد الكبير مازن المبارك في كتابه (عبقرية الشريف الرضي) إنه أعظم شاعر عرفته العربية على الاطلاق إلا ان لأديبنا رؤية مبررة بأنماط علمية من النقد والتحليل ترفدها ثقافة غزيرة. ولو كان هذا المقال التأبيني مقام شواهد لأثرينا القارئ بها ليعرف متتبع هذه السطور أي أديب وأي فقيه وأي مؤرخ وأي فيلسوف متكلم فقدته الأمة الإسلامية بفقدها الشيخ أحمد بن الشيخ حسون بن سعيد بن حمود الليثي المعروف بالدكتور الوائلي، وكأني بالأدب قد عزى به الفقه والفكر والفلسفة والكلام بقوله:

عزاؤكم في الوائلي عزائي

فأبكوا عليه حسرة ببكائي

حتى إذا أفرغتُمُو جمر الحشا

مُدُّوا يدا واستوقدوا بحشائي

العدد 359 - السبت 30 أغسطس 2003م الموافق 03 رجب 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً