يشير آخر تقرير اقتصادي لبنك الكويت الوطني عن ميزان المدفوعات الخارجية لدولة الكويت خلال العام 2002 إلى أن الحساب الجاري حقق فائضا قدره 82,1 مليار دينار أي ما يعادل نسبة 21 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، متراجعا بنحو النصف عما حققه خلال العام 1002. فيما ساهم التراجع المحدود في الصادرات النفطية والتي حافظت على ثالث أعلى مستوى لها خلال فترة 02 سنة في تقلص الفائض في الحساب الجاري، كان للانخفاض في الدخل من الاستثمارات الخارجية، بالإضافة إلى الزيادة في الواردات، دور أكبر في ذلك.
ووفقا لبيانات ميزان المدفوعات التي أصدرها مؤخرا بنك الكويت المركزي فإن صافي تدفقات الحساب الرأسمالي والمالي إلى الخارج بلغ 50,1 مليار دينار، أي ما يقارب مستواه للعام الماضي. ويبين الحساب المالي التدفقات التي تفصح عنها المؤسسات الحكومية والمالية فقط، وبالتالي فإنه لا يعكس التدفقات الرأسمالية الخاصة كلها، إذ إن بعضا من هذه التدفقات الرأسمالية الآنفة الذكر تدخل ضمن بند التدفقات المتبقية، وهو بند «أخرى (صافي)» الذي يشمل أيضا «الخطأ والسهو». ويبين هذا البند تدفقات صافية إلى الخارج قدرها 915 مليون دينار خلال العام 2002، وذلك بالمقارنة مع مبلغ 536 مليون دينار في العام السابق.
مليار دينار كويتي فائض ميزان المدفوعات
وبينما سجل الميزان الكلي للمدفوعات أول عجز له منذ خمس سنوات، والذي تمثل في انخفاض الموجودات الاجنبية لدى البنك المركزي بمبلغ 192 مليون دينار كويتي، فإن ميزان المدفوعات بمفهومه الاوسع حقق فائضا قدره 80,1 مليار دينار كويتي، أو ما يعادل نسبة 01 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، وهذا بالمقارنة مع 51,3 مليارات دينار كويتي في العام 1002. ويمثل ميزان المدفوعات بمفهومه الاوسع الزيادة الصافية في صافي الموجودات الخارجية لبعض المؤسسات الحكومية بما فيها الهيئة العامة للاستثمار ومؤسسة البترول الكويتية وبنك الكويت المركزي. ووفقا لهذا المؤشر فان دولة الكويت تمتعت بفائض فعلي في ميزان المدفوعات منذ العام 5991، ما سمح لها بأن تضيف ما يقارب 41 مليار دينار كويتي إلى الاحتياطات الاجنبية المتوافرة للدولة، حتى نهاية العام 2002. وفيما لا تصرح الدولة عن الحجم الفعلي للاحتياطات الاجنبية يقدر بنك الكويت الوطني هذه الموجودات بنحو 03 مليار دينار كويتي. وفي الواقع فإن ارتفاع حجم الموجودات الاجنبية المتوافرة لدولة الكويت كان عاملا أساسيا وراء قيام معظم مؤسسات التصنيف العالمية برفع درجة الملاءة الائتمانية لدولة الكويت.
وكان السبب الاساسي وراء الانخفاض الكبير في فائض الحساب الجاري خلال العام 2002 تراجع صافي الدخل من الاستثمارات في الخارج، وذلك بنسبة 5,33 في المئة لتبلغ نحو مليار دينار كويتي، والذي يعود درجة كبيرة الى استمرار الانخفاض في اسعار الفوائد العالمية، وتقلص أرباح الشركات في الدول الصناعية الكبرى. كما أن انخفاض هامش الاسعار لمنتجات النفط المكررة ساهم بدوره في تقليص الدخل من الاستثمارات الخارجية، إذ إن جزءا من هذا الدخل يتحقق من عمليات تكرير النفط لدى الشركات التابعة لمؤسسة البترول الكويتية في الخارج.
العائدات النفطية تحافظ على مستوياتها المرتفعة
قامت الكويت خلال العام 2002 بخفض معدلات إنتاجها للنفط الخام وذلك تماشيا مع قرارات منظمة أوبك.وفيما انخفض المعدل الأوسط لسقف إنتاج النفط المحدد لدولة الكويت بنحو 5,01 في المئة عن معدلها خلال العام 1002، انخفض الانتاج الفعلي لدولة الكويت من النفط بنسبة أقل من ذلك وخصوصا خلال الفصل الاخير من العام، عندما سعت الدول الاعضاء لمنظمة أوبك إلى التخفيف من تأثير إضراب عمال النفط في دولة فنزويلا على اسواق النفط العالمية، بالاضافة الى اشاعة الطمأنينة بقدرة دول منظمة اوبك في التعويض عن أي تراجع في صادرات العراق من النفط خلال الاشهر التي سبقت حرب الخليج الثانية. وفي غضون ذلك فقد ساعد الارتفاع في معدل سعر النفط الخام الكويتي، الذي بلغت نسبته 7,01 في المئة في التخفيف من وطأت الانخفاض في معدل الانتاج على العائدات النفطية، التي انخفضت للسنة الثانية على التوالي لتبلغ 72,4 مليارات دينار.
ففي الوقت الذي شهدت الصادرات الكويتية تراجعا ارتفعت وارداتها بنسبة هي الاعلى منذ ما يقرب من العقد، بحيث بلغت نحو 5,31 في المئة لتصل الى مستوى 54 و2 مليار دينار كويتي. وكانت نسبة النمو في صافي المدفوعات للخارج مقابل الخدمات نحو 5,41 في المئة جاء معظمها نتيجة الزيادة في الانفاق على خدمات النقل والسفر والخدمات الحكومية.
وبدورها ارتفعت الصادرات غير النفطية بمعدل 4,5 في المئة لتبلغ 014 ملايين دينار كويتي، إذ نتجت هذه الزيادة بشكل رئيسي عن زيادة صادرات منتجات الايثيلين من قبل شركة إيكويت (EQUATE)، وهي أكبر مصنع للمنتجات البتروكيماوية في الكويت، والتي أصبحت صادراتها تمثل أكثر من نصف صادرات الكويت غير النفطية. والواقع أن دولة الكويت باشرت في خطط إنشاء مصنع آخر للمواد البتروكيماوية، بالاضافة الى مصنع لانتاج العطريات. ومع حلول نهاية هذا العقد يتوقع ان تؤدي الصادرات من منتجات هذه المصانع الى زيادة كبيرة في حصة الصادرات غير النفطية من إجمالي الصادرات الكويتية. أما في الوقت الحاضر فهذه الصادرات تمثل نسبة 8,8 في المئة من اجمالي الصادرات الكويتية.
ومن جانب آخر، ارتفعت تحويلات العاملين في الكويت الى الخارج لتبلغ 585 مليون دينار كويتي، أي بنسبة 9,6 في المئة عن العام الماضي. والواقع أن هذه التحويلات من قبل الاعداد الكبيرة من العمال الاجانب الذين يمثلون نحو 18 في المئة من اجمالي القوة العاملة في الكويت قد بلغت 4,5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي خلال العام 2002.
وفي الوقت نفسه تقلص الفائض في الحساب الرأسمالي الى 705 ملايين دينار كويتي، وذلك نتيجة الانخفاض في قيمة التعويضات التي قامت لجنة الامم المتحدة بدفعها الى القطاعين الحكومي والخاص في دولة الكويت، والتي بلغ مجموعها نحو 715 مليون دينار كويتي مقارنة بمبلغ 409 ملايين دينار كويتي خلال العام 1002.
الاستثمارات في محافظ الأوراق المالية طغت على التدفقات المالية إلى الخارج
ارتفعت قيمة الموجودات الاجنبية للمؤسسات الحكومية والمالية في الكويت بما يعادل 65,1 مليار دينار كويتي أي قيمة صافي التدفقات في الحساب المالي الى الخارج. وقد كانت هذه أقل من مستويات العام الماضي بنسبة قدرها 91 في المئة، ويعود ذلك بشكل رئيسي الى التقلص الحاد في صافي الاستثمارات في محافظ الاوراق المالية لا سيما من قبل القطاع الحكومي، والتي بلغ اجمالي قيمتها 689 مليون دينار كويتي مقارنة بـ 82,2 مليار دينار كويتي في العام 1002 و98,3 مليارات دينار كويتي في العام 0002. وبينما انخفضت قيمة استثمارات القطاع الحكومي في المحافظ المالية قام القطاع الخاص بزيادة استثماراته بنحو 104 مليون دينار كويتي وذلك فقط من خلال المصارف والمؤسسات المالية بعد ان كانت خفضت تلك الاستثمارات في العام الاسبق. وفي المقابل قامت الجهات الحكومية بزيادة موجوداتها من النقد والودائع الاجنبية بشكل ملموس، إذ بلغت قيمة هذه الزيادة ما يعادل 038 مليون دينار.
اما الاستثمارات المباشرة فشهدت انخفاضا بلغ صافي قيمته 94 مليون دينار كويتي، وذلك نتيجة تقلص حجم استثمارات القطاعات الحكومية في الخارج. وبدورها شهدت الاستثمارات الاجنبية المباشرة في الكويت نموا محدودا لم يتعد مليوني دينار كويتي.
التدفقات المالية الحكومية إلى خارج الكويت
وكما جرت العادة مثلت الاستثمارات الحكومية الجزء الاكبر من التدفقات المالية الواردة في ميزان المدفوعات، إذ بلغ صافي الزيادة في الموجودات الحكومية نحو 95,1 مليار دينار كويتي. لكن هذا المبلغ كان أدنى من مستوى العام السابق بنسببة 03 في المئة، وهو ادنى مستوى يصله منذ العام 8991. ولاول مرة منذ حوالي العقد كان صافي الزيادة في النقد والودائع (038 مليون دينار كويتي) اعلى قيمة من الزيادة في محافظ الاوراق المالية الاجنبية (585 مليون دينار) والتي كانت انخفضت عن مستواها في العام الاسبق بنسبة 97 في المئة ويبدو ان هذه التطورات تمثل جزءا من مساعي الدولة لاعادة توزيع استثماراتها الخارجية.
العدد 361 - الإثنين 01 سبتمبر 2003م الموافق 05 رجب 1424هـ