العدد 394 - السبت 04 أكتوبر 2003م الموافق 08 شعبان 1424هـ

الطفل العراقي يدفع ضريبة التخلف والقيم التربوية المستوردة

لم يتجرع طفل في العالم من القهر كما تجرعه ببطء الطفل العراقي. فالحيف وهو احساس بالخذلان والتخلف عن ركب الحضارة والتطور واسبابه احد مظاهر القهر. وهو ما مارسته السيطرة الرسمية الحديد على اساليب التربية والتعليم لتوجهها بالوجه الذي يخدم الولاء المطلق للسلطة المختزلة لكل الولاءات المتعددة مثل الولاء للوطن والشعب والارض وحتى العائلة بالولاء للقائد الفرد.

سنوات من هذه الممارسات كان الطالب/ الطفل ينسحق تحتها والمطلوب منه ان ينجح ويحقق تفوقا ثم فجأة داهمته موجة التغيير عاتية محمولة على دبابة محمية بأشعة الليزر وطائرة مروحية تكاد تصطدم بسطح مسكنه كما رآها في الافلام او العاب الكمبيوتر بعد ان قضى ثلاثة ارباع من موسمه الدراسي لعام 3002 قبل ان تتوقف الدراسة اثناء الحرب الاميركية البريطانية التي احتلت البلاد واطاحت بالدولة ومؤسساتها وليس فقط بالنظام السياسي. وكان على هذا الطالب الطفل بعد كل الذي جرى وافزعه ان يعود الى مدرسته المنهوبة او المحترقة لاسباب شتى ويصغي الى المعلم واقفا وهو يملي عليه التعليمات الجديدة ويمزق اوراقا كثيرة ويرى الصورة «المقدسة» للقائد التي تكتظ بها الكتب وحتى الدفاتر المدرسية امامه منكفئة على الارض.

على أية حال هذا متغير من المتغيرات التي قد يعتاد عليه هذا الطفل وان ضرورة الخلاص من الدكتاتورية قد استوجبت تضحيات وكان لابد ان يدفعها الجميع بما في ذلك الاطفال. ولكن الآن ومع مطلع العام الدراسي الجديد وتغيير المناهج صار عليه ان يعرف ان معظم ما كان يتلقاه متخلفا عن ركب الحضارة فكرا واسلوبا وان العالم قطع اشواطا في مستويات المناهج وارتباطاتها بعجلة التطور الضوئية السرعة. وان عليه الآن ان يزيل من ذاكرته كل الكم المتراكم في ذهنه في سنوات دراسته السابقة لصالح معلومات تناقض مخزون ذهنه لتتحول المعلومات عبئا على عقله وسلوكه.

فالعاصفة التربوية الغربية بكل معطياتها التي نعرفها آنيا ترفس الواقع التربوي الذي ظل قائما لعقود وتنسف الكثير من القناعات وتجبر الطفل على تلقي احيانا ما كان يتقاطع مع كل ما كان يتلقاه، قد تكون هذه العاصفة ضرورية لتصحيح جريمة السياسة بحق الطفل العراقي، ولكن هل القائمون على العملية التربوية في العراق حاليا يدركون ما قد ينتج عن هذه العاصفة من تصادم سيظهر بمرور الزمن تداعيات على سلوكيات الطفل وبقدر لا يخلو من امراض نفسية ومعاناة.

مؤكد ان الطفل العراقي سينوب عن التاريخ والقاضي وميزان العدالة ليحاسبنا عن سنوات عمره البهية، ويسألنا اين سرنا بها؟ وعن يفاعته وصباه وشبابه كيف ملأناها؟ وبماذا؟وحين ينفض رأسه ليتساقط كل ذلك الخزين النافد الصلاحية منذ قرون ويقارنه بما سيضخ فبماذا عندئذ نجيب؟ وأي محام سيتولى الدفاع عنا؟

واذا كان هذا بعض قهر الاطفال من طلبة المدارس؛ فماذا لو التقينا الاطفال (العتاكة) وهو مصطلح باللهجة العامية يطلق على الاطفال الذين يتعاملون في بيع وشراء الاشياء العتيقة ينفرد به المجتمع العراقي ولا سيما البغدادي منه، وعلى رغم ذلك فإنه لا يوصل المعنى بدقة الا اذا قلنا انه يعني اولئك الاطفال الذين يهبون فجرا من المناطق الفقيرة ويتوزعون في انحاء بغداد باتجاه اكوام الازبال في المناطق الثرية لينبشوها ويلتقطوا ما يمكن بيعه ولا سيما الاشياء المصنوعة من البلاستيك التي تقوم عليها صناعة المواد البلاستيكية المعاد تصنيعها؛ ويشكل هؤلاء الاطفال اهم مصادر موادها الاولية. ثم يعودون حاملين اكياسهم المملوءة مشيا او على عربات الحمير او دراجات هوائية محورة محليا. انهم مجموعات من الاطفال يأتون متثائبين ويعودون مزابل متنقلة.

وتضاف اليهم مجموعات اخرى تعمل في تصليح السيارات بأجرة او بلا اجرة مقابل تعلم الصنعة. اما الاطفال العاملون في القطاع الهامشي كما يسميه الدارسون فأعدادهم خارجة عن السيطرة فهم باعة لأي شيء يتمكنون من حمله والتنقل به من مكان الى آخر وعمال يستخدمهم مقاولو تنظيف الشوارع لتدني اجورهم.

وثمة مجموعات من اولئك الاطفال تختبئ في الزوايا مدمنة على استنشاق الغاز المخدر المنبعث من علب الصمغ ويستخدمهم الكبار لاغراض شتى ومنها مراقبة الاماكن قبل سرقتها.

يقينا اذا ما تيسرت للطفل العراقي امكانات الشكوى في المحاكم الخاصة فإنه سيكسبها باجماع القضاة والمتفرجين. لاسيما اذا كان احد المتقدمين للشكوى واحدا او اكثر من الاطفال في دور الرعاية الاجتماعية، دور الايتام، معاهد الصم والبكم، دور العوق البدني، معاهد النور لفاقدي البصر، ودور المشردين والمشردات. وهؤلاء يمثلون في الح••ابات التربوية العلمية للالفية الثالثة اسوأ المقهورين ان كان للقهر درجات واكثر من حصول التلاعب بحياتهم والتدليس عليهم سواء من المعنيين بادارة شئونهم حتى اعلى المستويات او من المنظمات العالمية التي اطلعت على اوضاعهم.

فالطفل في هذه المعاهد والدور يعيش في فنادق (خمس نجوم) اذ تأتيهم المساعدات والمكرمات والحسنات من كل حدب وصوب. ومساكن حديثة مكيفة وطعام غني بالفيتامينات وحلويات بمختلف المناشئ والماركات وكلها محشوة بالبندق واللوز وملابس فاخرة جميلة مزينة بـ (ميكي ماوس) وحيوانات (ديزني لاند) الاخرى وحين تسألهم الآن من اين كل هذا يقولون من بابا صدام وهم يعرفون انها مرسلة من المنظمات الانسانية وتدخل تحت سمعهم وبصرهم. وحين تسألهم الآن من اين هذا يقولون من (بابا... فلان) ويذكرون اسم المحسن الجديد او اسم المنظمة او الهيئة من مختلف الدول العربية والاجنبية. ولكن هذا جانب من دمعة العين الا ان النحيب الذين يدين العالم بعد أي عراقي يعرف الحقيقة هو ان هذا الطفل لا يتلقى في هذه الدور والمعاهد تربية صحيحة ولا يتم تدريبه على مهن، ولا تتم معاملته وفق منهج تربوي سليم، فالمزاج هو الموجه، وهذا ما سيملأ حياته بالكثير بالعقد ومأساته تكون اشد حين يخرج من الفندق الفخم الى الشارع مباشرة بعد ان يبلغ سن الثامنة عشرة بحسب تعليمات القانون من دون الحصول على تأهيل يكسبه مهنة يتحصن بها حين يلج الحياة المتلاطمة بعد سنوات العسل في الفندق الباذخ.

اما معاهد الصم والبكم فالطالب بعد ان ينهي دراسته فيها وقد تعلم جانبا من القراءة والكتابة او لغة الاشارة عليه ان يذهب الى البيت ولا يعود ابدا. هكذا وبكل بساطة؟ فلا مهنة ولا تدريب ولا أحد يلتقيه ليتكلم معه بلغة الاشارة، واذا استطاع الوصول الى الورشة المحمية الخاصة بالصم والبكم وهي نادرة الوجود وهزيلة ليعمل في اعمال النجارة ليصبح اجره لا يساوي جهده. ذلك ما حدث ويحدث الآن فكيف اذا خرج بعد شهر او سنة ذلك الطفل الذي تعلم على نمطيات حياتية وتربوية وتعليمية نسفها الواقع الجديد؟ فمن سيجيبه اذا سأل: لماذا لم تعدوني إعدادا صحيحا وعلى وفق معطيات العصر؟

الواضح لكل المطلعين بدراية على واقع الطفل العراقي ان هناك مؤامرة حاكها العقل التسلطي المتخلف لقهر الطفل العراقي، هذه المؤامرة لا يمكن للمرء ان يتبرأ من مسئوليته عنها. وهي تشكل في مجملها دليلا آخر يديننا نحن الساكتين العارفين بهذا الوضع ولم نفعل شيئا.

وان كان بعضنا قد فعل ما يستطيع حتى يئس. فإن اليأس لا يقوم دليلا على البراءة. فاذا كان كذلك فلماذا لم ينبرِ احد ليفتي بوجوب الجهاد من اجل الطفل العراقي وتحريره من اساليب القهر التي مازالت جارية؟

العدد 394 - السبت 04 أكتوبر 2003م الموافق 08 شعبان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً