النفط مادة مراوغة ولكنها ليست منفلتة بقدر ما هي أرقام الكميات التي يبيعها المحتلون الأميركان. إذ تحتفظ السلطات في كركوك بأرقام ما يجري من تخريب سرا، لأنها لا تستطيع وقف تفجير أنابيب النفط إلى تركيا. وفي بغداد يستمر الرجال الذين يعدون أرقام انتاج النفط العراقي في تزوير الإحصاءات باستمرار.
ويتلاعب الحاكم المدني الأميركي بول بريمر في أرقام الانتاج إلى درجة انه حتى موظفو النفط يهزون رؤوسهم تعجبا. فكركوك مثلا، لم تفصح سلطات الاحتلال عن تقرير التخريب في الأنابيب إلا بعد أن التقطت كاميرات شبكات التلفزة صور الأنبوب المحترق، وهو ما حدث في 81 أغسطس/ آب الماضي. ولكن خط أنابيب النفط التركي نفسه تعرض أيضا للتخريب قبل وبعد هذا التاريخ. وفجّر مرة أخرى في 71 سبتمبر/ أيلول الماضي، إذ ألتقيت مسئولا تنفيذيا في قطاع النفط شاهد الانفجار بنفسه. ثم تعرض للتخريب أربع مرات أخرى في اليوم التالي. وحاليا تجوب الدوريات والمروحيات الأميركية على طول خط الأنابيب، ولكن في ظل وجود وديان واسعة ومناطق قبائل يمر عبرها الأنبوب فإن هناك أجزاء طويلة منه لا يمكن تأمينها.
وأدرك خبراء النفط الأوروبيون في بغداد الآن أن موظفي النفط العراقيين في وزارة النفط - احدى مؤسستين حكوميتين فقط قام الأميركيون بتأمينهما من اللصوص - يعلمون جيدا أن التخريب سيحدث في الأنابيب. فقد صارحني أحدهم قائلا: «أخبرني موظفو النفط العراقيون في يونيو/ حزيران انه لن تكون هناك صادرات نفط من الشمال، فهم يعلمون بما سيحدث من تخريب. ومن الواضح أنه تم التخطيط لذلك منذ وقت بعيد قبل الغزو في مارس/ آذار».
وفي بداية الاحتلال، اتخذ الأميركيون قرارا سريا غير حكيم، بإعادة توظيف كثير من خبراء النفط البعثيين، ما يعني أن نسبة كبيرة من مسئولي الوزارة مازالوا معادين للأميركيين. لذلك فإن العائدات النفطية الوحيدة التي يستطيع هؤلاء الحصول عليها تأتي من الجنوب. وفي منتصف أغسطس الماضي، حاول بريمر أن يعطي انطباعا بأن الانتاج بلغ نحو 5,1 مليون برميل في اليوم، ولكن الرقم الحقيقي حينها كان 000,087 برميل، وبالكاد يصل الانتاج إلى مليون برميل في اليوم. ووفقا لوجهة نظر خبير نفطي زار العراق، يعتبر هذا «كارثة لا تغتفر». فعند بدء الغزو في مارس، كان العراق ينتج 7,2 مليون برميل يوميا. وقد تبين الآن، انه في الساعات الأولى من دخول بغداد في 9 ابريل/ نيسان، سمحت القوات الأميركية للصوص باقتحام وزارة النفط. وبحلول الوقت الذي وصل فيه الضباط الأميركيون الكبار ليأمروا بخروجهم، دمر اللصوص بلايين الدولارات من المعلومات التي لا تعوض. وبينما قررت شركات النفط الأميركية الكبرى استثمار بلايين الدولارات عند استئناف انتاج النفط، طلب كثير من رؤسائها التنفيذيين من إدارة بوش - قبل الحرب - معرفة الكيفية التي تنوي بها منع التخريب. وفي الواقع، لم تكن لصدام خطط لتدمير حقول النفط نفسها، إذ تركزت غالبية التفجيرات على أنابيب التصدير.
وأخطأت وزارة الدفاع الأميركية من البداية، عندما أسرعت بجنودها لحماية الحقول النفطية، ولكن أهملت خطوط الأنابيب المعرضة للخطر.
لقد عمّت الفوضى في عراق ما بعد الحرب فأصبح من المستحيل أن يعمل المستثمرون الدوليون هناك دون تأمين، وهو السبب الذي جعل مسئولي الاحتلال يقررون سرا أن توجيه نصف مبلغ الـ 02 بليون دولار المخصص للعراق لتأمين البنية التحتية لانتاجه. وحتى أثناء الحرب، أشار تحليل مفصل لمحاضر في الجامعة الأميركية ببيروت (يحيى سادويسكي) إلى أن ترميم الآبار والأنابيب في عراق ما بعد الحرب سيكلف نحو 1 بليون دولار، وأن رفع انتاج النفط إلى 5,3 ملايين برميل في اليوم سيستغرق ثلاث سنوات، ويتطلب استثمار 8 بلايين أخرى و02 بليون دولار إضافية لإصلاح شبكة الكهرباء التي تشغل المضخات والمصافي. أما رفع الانتاجية إلى 6 ملايين برميل في اليوم سيكلف 03 بليون دولار أخرى ويقول البعض 001 بليون دولار أميركي.
رسميا يمتلك العراق 21 في المئة من احتياطات النفط العالمية، إذ ان ثلثي هذه الاحتياطات تمتلكها أربع دول أخرى هي السعودية، إيران، الكويت والإمارات، ولكن يمكن أن يحتوي العراق على 02 أو حتى 52 في المئة من الاحتياطات العالمية. فمنذ العشرينات تم حفر 0032 بئر فقط، وهي تقع في وديان نهري دجلة والفرات. أما صحاريه فلم يتم التنقيب فيها على الاطلاق.
ومن الممكن القول ان قرار صدام بالتحول من الدولار إلى اليورو في نوفمبر/ تشرين الثاني 0002، جعل «تغيير نظامه» مهما للغاية للولايات المتحدة. وعندما هددت إيران باتباع التوجه نفسه، تمت إضافتها إلى «محور الشر». إذ ان الدفاع عن الدولار مهم للولايات المتحدة مثلما هو الدفاع عن النفط. ولكن المفارقة المضحكة تتمثل في طبيعة القوة الأميركية الجديدة في العراق. إذ ان احتياطات النفط الأميركية بدأت تستنفذ بشكل متزايد، وبحلول العام 5002 ستبلغ وارداتها النفطية نحو 07 في المئة من الطلب الإجمالي المحلي. لذلك تحتاج إلى السيطرة على احتياطات العالم، وهي سيطرت الآن ربما على حوالي 52 في المئة من احتياطات العالم. ولكن غير قادرة على تسيير تدفق النفط. إذ ان كلفة تدفقه ستسبب لها أزمة اقتصادية. وهذا هو سبب زيادة الذعر لدى إدارة بوش، وليس القتل اليومي للجنود الأميركيين الشباب.
إن واشنطن وضعت يدها على أكبر صندوق كنز في العالم، ولكنها لم تستطع فتح غطائه. فلا عجب أن تشرع في تزوير السجلات في بغداد.
العدد 394 - السبت 04 أكتوبر 2003م الموافق 08 شعبان 1424هـ