العدد 2625 - الخميس 12 نوفمبر 2009م الموافق 25 ذي القعدة 1430هـ

منهج الإسلام في مواجهة مشكلة الفقر

إن التصور الإسلامي للمشكلة الاقتصادية أي مشكلة الفقر‏،‏ لم يرتبط منذ البداية بهدف توفير الضرورات الأساسية للمعيشة‏،‏ وإنما بهدف رفع مستوي المعيشة وتحسينه‏،‏ وهي ما انتهي إليه أخيرا الفكر الاقتصادي الحديث بعد أربعة عشر قرنا معبرا عنه بمصطلح الرفاهية الاقتصادية أو الرخاء المادي‏.‏ من ذلك يتبين أن الفقير في الإسلام فردا كان أو دولة‏،‏ هو من يعيش في مستوي تفصله هوة سحيقة عن المستوى المعيشي السائد في المجتمع المحلي أو العالمي المتقدم‏.‏ ويترتب على ذلك أن المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام‏،‏ هي على المستوى المحلي تكمن أساسا في اختلال التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع‏،‏ وهي على المستوى العالمي تكمن في الهوة المتزايدة بين الدول النامية والدول المتقدمة‏،‏ الأمر الذي نبه إليه الإسلام منذ أربعة عشر قرنا بقوله تعالى‏:(‏كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم‏).‏

مشكلة الفقر في الاقتصاد الإسلامي‏ مردها الإنسان ذاته وفساد نظامه الاقتصادي سواء من حيث ضعف الإنتاج أو سوء التوزيع فهي ذات صفة مزدوجة أو هي كالعملة الواحدة ذات وجهين أولهما يتعلق بوفرة الإنتاج، وثانيهما يتعلق بعدالة التوزيع‏،‏ بحيث لا يغني أحدهما عن الآخر‏.‏ ذلك أن وفرة الإنتاج مع سوء التوزيع هي احتكار واستغلال لا يسلم به الإسلام‏،‏ كما أن عدالة التوزيع من دون إنتاج كاف هي توزيع للفقر والبؤس مما يرفضه الاستلام‏.‏

إن مشكلة الفقر في إحدى الدول أو المجتمعات الإسلامية هي مشكلة إنتاج وتنمية أكثر من مشكلة توزيع وعدالة‏،‏ بينما يراها في دولة أو مجتمع إسلامي آخر هي مشكلة توزيع وعدالة أكثر منها مشكلة إنتاج وتنمية‏،‏ ولا يؤدي به ذلك إلى أن يكون متبعا ـ في الحالة الأولي ـ الفكر الاقتصادي الرأسمالي‏،‏ أو أن يكون متبعا ـ في الحالة الثانية ـ الفكر الاقتصادي الاشتراكي‏،‏ ما دام لا يساير في الأساس الفكرين الوضعيين في تشخيص مشكلة الفقر‏،‏ وبالتالي موقفه في مواجهتها وحله لها‏.‏

وثمة أمر مهم يعتبره الإسلام في تشخيصه لمشكلة الفقر‏،‏ فهو لا يقف بالنسبة للفقراء موقف الأثرة واللامبالاة شأن الفكر الاقتصادي الرأسمالي‏،‏ كما لا يقف بالنسبة للأغنياء موقف الكراهية وتغذية الصراع ضدهم شأن الفكر الاقتصادي الاشتراكي‏،‏ وإنما هو يعمل علي التقريب بين الفئتين عن طريق إحلال التعاون والتكامل بينهما لا التناقض والصراع‏،‏ ثم هو في النهاية‏،‏ وعلى خلاف مختلف المذاهب والنظم الاقتصادية الوضعية‏،‏ لا يستهدف في تعرضه لمشكلة الفقر الجانب المادي أو الاقتصادي فحسب‏،‏ وإنما هو يستهدف أساسا الجانب الروحي أو الخلقي‏،‏ فهو حين طالب الناس بالعبادة وذكر الله‏،‏ علل ذلك في القرآن بقوله تعإلى‏:(‏فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف‏).‏

ومن هنا حكم الإسلام بأن الاكتفاء أو التقدم المادي وحده لا يفيد‏،‏ كما أن العبادة والتقدم الروحي وحده لا يكفي‏،‏ وكما نرى ونلمس‏،‏ لا قيمة لحضارة متقدمة أو تقنية متفوقة من دون مثل وارتباط بالله تعالى وخشيته‏،‏ وإلا فإن هذه الحضارة وتلك التكنولوجيا ستصبح من دون صمام أمان‏،‏ وبالتالي لابد أن تطغى وتنتهي لتصبح عنصر فساد وتدمير‏.‏

كشف لنا الإسلام عن سبب مشكلة الفقر وأن القضية ليست قضية ندرة موارد كما يذهب الفكر الرأسمالي أو مردها أشكال الإنتاج السائد كما يذهب الفكر الاشتراكي، وإنما مردها سلوك الإنسان نفسه سواء بظلمه إزاء أخيه الإنسان‏،‏ أو بكفرانه النعمة إزاء الموارد الطبيعية‏.‏ لذلك كان الحل الإسلامي هو ضمان حد الكفاية لكل فرد يوفره لنفسه ولمن يعولهم بعمله وجهده‏،‏ فإن لم يستطع ذلك لسبب خارج عن إرادته‏،‏ كمرض أو عجز أو شيخوخة أو تعطل تكلفت له بذلك الدولة من مال مؤسسة الزكاة التي انفرد الإسلام بإنشائها منذ أربعة عشر قرنا‏.‏

ولقد عالج الإسلام كفران النعمة بما وضعه للإنتاج من أحكام‏،‏ كما كفل محو الظلم بما وضعه للتوزيع من تعاليم،‏ وكان له في ذلك حلوله الخاصة سواء بالنسبة للإنتاج أو بالنسبة للتوزيع‏،‏ مما يميزه عن سائر المذاهب والنظم الوضعية‏،‏ ونبينه فيما يلي‏:‏ـ

‏(‏أ‏)‏ بالنسبة للإنتاج‏:‏ يدعو الإسلام إلى التعمير والتنمية الاقتصادية بقوله تعالى‏: (‏هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها‏)‏ هود‏/61‏ أي كلفكم بعمارتها‏،‏ ويعتبر العمل والإنتاج والتنمية من ضروب العبادة‏،‏ بل هو بنص الأحاديث النبوية من أفضل صورها‏،‏ ولقد ساوى الله تعالى بين المجاهدين في سبيل الله وبين الساعين على الرزق بقوله تعالى‏: (‏وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله‏)‏ المزمل‏/ 20،‏ بل بلغ حرص الإسلام على التنمية الاقتصادية وتعمير الدنيا أن قال الرسول عليه الصلاة والسلام‏:‏ إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ـ أي شتلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها‏،‏ فليغرسها فله بذلك أجر‏،‏ وهو في ذات الوقت ينذر بعذاب أليم الذي يكنزون المال أو يحبسونه عن الإنتاج والتداول‏،‏ ويصف الكسالى والمستضعفين في الأرض بأنهم ظالموا أنفسهم وأن مأواهم جهنم وبئس المصير‏.‏

‏(‏ب‏)‏ بالنسبة للتوزيع‏:‏ يقرر الإسلام ضمان حد الكفاية لكل فرد باعتباره حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق وبحيث لا يسمح بالغني مع وجود الفقر والحرمان وإنما يبدأ الغني والتفاوت فيه بعد إزالة الفقر والقضاء على الحرمان‏،‏ ومع ذلك فإن هذا التفاوت ليس مطلقا‏،‏ بل هو تفاوت منضبط بالقدر الذي لا يخل بتوازن المجتمع‏.‏

يجمع فقهاء الإسلام على اعتبار ولي الأمر آثما إذا لم يوفر حد الكفاية لكل فرد أخذ مما زاد عن حاجة الأغنياء لقوله تعالى‏: (‏في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم‏)‏ فاستخدم الله تعالى مصطلح حق ولم يقل إحسان أو تبرع وقوله تعالى‏: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن‏)،‏ فلم يقل تعالى ما اكتسبوا وإنما فقط نصيب مما اكتسبوا إذا كانوا أفرادا، ونصيب مما أفاء الله عليهم إذا كانوا دولا‏،‏ ومن ثم جاء الحديث النبوي صريحا‏:‏ تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم‏.‏

ولا يفهم من ذلك نزع الملكية أو الاستيلاء على أموال الناس‏،‏ وإنما فقط أخذ الفضل من الغني بقدر كفاية الفقير إذ لا يتصور الإسلام أن يبيت فرد أو دولة على شبع وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم‏.‏ وصدق الخليفة عمر بن الخطاب في قوله‏:‏ إن الله استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ونوفر لهم أمنهم‏،‏ فإن لم نفعل فلا طاعة لنا عليهم ذلك لأن المال في الإسلام هو مال الله‏،‏ والبشر ـ بنص القرآن ـ مستخلفون عليه ومسئولون عنه أمام الله‏،‏ وعليه فإن يدهم على هذا المال أو الثروة في يد أمانة‏،‏ وملكيتهم لها هي مجرد وظيفة شرعية أو اجتماعية‏،‏ ومن ثم فقد أوجب الله تعالى على كل فرد غني‏،‏ وبالمثل كل دولة غنية‏،‏ التزامات معينة تتمثل في تقديم ما يزيد على حاجة الفرد الغني أو الدولة الغنية إلى الفرد أو الدولة المحتاجة وذلك دون حدود سوى مايسد أو يكفي هذا الفرد أو تلك الدولة المحتاجة‏،‏ على أن يبدأ بالأقرب فالأقرب وكل ذلك إعمالا لقوله تعالى‏:‏ «ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو والعفو هنا هو الفضل‏»،‏ أي ما زاد علي الحاجة وقوله تعإلى‏: (‏ولاتنسوا الفضل بينكم‏).‏

ولقد صاغ الإمام الشافعي العلاقة بين الأغنياء والفقراء‏،‏ أفرادا كانوا أو دولا في عبارة دقيقة مشهورة عنه بقوله إن للفقراء أحقية استحقاق في مال الغني‏،‏ حتى صار بمنزلة المال المشترك بين صاحبه وبين الفقير بينما ذهب الفقيه أحمد بن علي الدلجي في كتابه «الفلاكة والمفلوكون» أي الفقر والفقراء إلى القول‏:‏ إن من حق المحروم أن يرى النعم التي بأيدي الناس مغصوبة‏،‏ والمالك المستحق يطالب باسترداد ماله من أيدي الغاصبين‏.‏

هذا هو موقف الإسلام بالنسبة لأكبر مشكلة أو أكبر تحد يواجه دائما الإنسانية عبر مسارها وتاريخها الطويل‏.‏ بل هذا هو حق الإنسان في الإسلام‏،‏ الذي أكده منذ أكثر من أربعة عشر قرنا‏،‏ من حيث ضمان حد الكفاية لكل فرد أيا كانت جنسيته أو ديانته‏،‏ وذلك كحق إلهي مقدس يعلو فوق كل الحقوق‏،‏ ولو أدى الأمر في حالات الشح أو المجاعة‏،‏ وهي ظروف استثنائية‏،‏ إلى أن يتساوي الجميع في حد الكفاف.

العدد 2625 - الخميس 12 نوفمبر 2009م الموافق 25 ذي القعدة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً