من المبادئ التي يركز عليها الإسلام في مجال التنمية هو مبدأ إعلاء قيمة العمل الجماعي... التعاون وروح الفريق فلا تقدم من دون عمل فريقي ولا تقدم مع سيادة الأنانية والفردية. والإسلام يؤكد على الجماعة في الصلاة والصيام والحج، فكل عباداته جماعية، وصلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، ومن شذّ على الجماعة شذ في النار، ويد الله مع الجماعة، يقول تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، والناظر في تاريخ المسلمين أو تاريخ الأمم التي تقدمت يلاحظ أن العمل الفريقي هو أساس تقدمها والإسلام يحض علي الوحدة والتجمع والاعتصام بحبل الله، والبعد عن التفرق والتمزق والفردية والأنانية، ففيها الهلكة والتخلف والتبعية والسقوط.
- احترام قيمة الوقت... فالإسلام يؤكد أهمية استثمار الوقت لأنه يساوي ـ حياة الإنسان ـ والصلاة كتاب موقوت، وصوم رمضان يرتبط بوقت محدد، وكذلك الحج، فاحترام العمل المنتج واحترام الوقت أساس للتقدم والتنمية، وسيسأل الإنسان عند ربه عن حياته وشبابه ووقته كيف قضاه وأنفقه.
- أعطى الإسلام قيمة كبرى للمال... فهو في الإسلام قوام الحياة، وأكد الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ أن نعم المال الصالح للعبد الصالح، وكان يسأل الله الهدى والتقى والعفاف والغنيى, وجعل كل السبل على جمع المال الحلال أمرا مشروعا مندوبا وفي مقدمته العمل والزراعة وإحياء الأرض الأموات والصناعة، وقد كان غالبية أنبياء الله صناعا يتقنون أعمالهم ـ فنوح كان نجارا، وإبراهيم وإسماعيل بنائين، وداود حدادا يصنع الدروع، وإدريس خياطا.. والمال أساس مهم من أسس التنمية.
- سيادة المعايير العامة أو سيادة القانون على الجميع من دون استثناء... بغض النظر عن الدين والعرق والطبقة والطائفة والغني والفقر، فالعدل يقيم الدول، والظلم يؤذن بسقوط العمران كما أكد بن خلدون، والرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول: إذا قتل امرئ ظلما، كان القاتل في النار حتي وإن كان المقتول كافرا. وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما شفع لديه أسامة في حد من حدود الله قال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها».
هذه أبرز شروط التنمية وعناصرها، ركز عليها الإسلام وجعل منها فريضة دينية، والسؤال المحير الذي نواجه به أنفسنا وغيرنا، إذا كان ديننا يحض على هذه الكنوز الثمينة التي تحقق أقصى درجات النهضة والتقدم، فكيف نفسر ما فيه المسلمون والمجتمعات الإسلامية من تخلف وتبعية وذلة وهوان؟ لقد وصف الله بني «إسرائيل» لأنهم حملوا التوراة ثم لم يحملوها بأنهم كالحمار كقوله تعالى: «مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا»، فما الوصف الذي ينطبق علي مسلمي اليوم وقد حملوا التوراة والإنجيل والزبور وصحف موسى وحملوا الكتاب الخاتم وهو القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؟!
وما السبيل إلى العودة إلى المنهج الإلهي في الوحدة والاعتصام بحبل الله وبناء القوة وبناء المجتمع القادر على أداء واجبات الاستخلاف... هذا يحتاج إلى حديث طويل وتشخيص موضوعي للداء قبل وصف الدواء. لكن الحل يتمثل في إحياء المنهج الإلهي في بناء المجتمع الذي يتمثل في إحياء أربعة مفاهيم أساسية هي:
- إحياء المفهوم الصحيح للعبادة ـ أداء الفرائض والتعاون بين الناس وعمارة الأرض.
- إحياء مفهوم التنمية وهي عمارة الأرض ـ العلم والتطبيق العلمي في مجال الصناعة والتجارة وإحياء الأرض الموات والتعليم وتحسين نوعية الحياة على الأرض.
- إحياء المفهوم الشامل للعمارة في الإسلام ـ عمارة الكون، وعمارة الإنسان ـ عمارة عقله وروحه وبدنه ونفسه، عمارة الدنيا وعمارة الآخرة، والوصول بالإنسان إلى حد الكفاية والتمتع بالطيبات والمعيشة الكريمة، والشعور بالأمن الشامل:
(أ) عمارة الروح بالإيمان والأخلاق.
(ب) عمارة النفس بالعبادات.
(ج) عمارة المجتمع بالإنتاج ـ الكفاية والعدل.
- إعادة مفهوم بناء القوة ـ العلمية والتكنولوجية والاقتصادية المؤسسة على القوة العقائدية والإيمانية لأداء واجبات الاستخلاف ونشر الحق والعدل والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والحسنى لكل سكان الأرض، فضلا عن نصرة المظلومين، وردع الأعداء ومنعهم من التفكير في الاعتداء على المجتمع الإسلامي أو على المسلمين بغير حق.
العدد 2625 - الخميس 12 نوفمبر 2009م الموافق 25 ذي القعدة 1430هـ