بعد أن عالج ابن رشد الجانب النظري من الجمهورية (المدينة) انتقل إلى شرح الجوانب العملية في مجال التأمل التطبيقي لقيام مثل تلك الدولة. فالحاكم عند أفلاطون هو الفيلسوف «الذي يضع الدستور ويحافظ عليه» (ص 137). وتكون غايته القصوى الاهتمام بالعلوم النظرية وفق شروط منها «أنه يجب أن يكون قادرا على كشف الحقيقة وتعليمها» بطريقتين: الطرق البرهانية (للأذكياء) والطرق الإقناعية والخطابية (عامة الجمهور).
حتى يصل الفيلسوف إلى الكمال لابد أن يمتلك العلوم النظرية والعملية معا «إلى جانب الفضائل الفكرية والخلقية» (ص 138). ويضع ابن رشد «الفيلسوف» في مرتبة الملك أو الإمام وهو يعني «الرجل المتبوع في أفعاله» (ص 139). ولا تتوافر في أي شخص صفات الإمامة أو الفيلسوف إلا إذا كانت له القدرة على تحصيل العلوم النظرية، وأن يكون جيد الحفظ، ومحبا للعلم، ومحبا للصدق وكارها للكذب، وكارها للذات، وغير محب للمال، وأن يكون كبير النفس، وشجاعا، وينحو للجمال والعدل، وأن يكون بليغا حسن العبارة، وأن تتوافر فيه الخصال الجسمانية. فكل هذه الفضائل برأي قاضي قرطبة واجب «وجودها في هؤلاء الحكام» وإذا اجتمعت في شخص واحد فهو يكون «الرجل المناسب» ليحكم المدينة ويضع دستورها. ويدرك ابن رشد أن هناك صعوبة في أن نجد «مثل هؤلاء» لذلك «إنه من الصعب أن تقام مثل هذه المدينة» وبالتالي «فإن كل ما قلناه من قبل في ذلك يمكن أن تتبين لنا الآن استحالته» (ص 142).
وشبّه حال استحالة مدينته بحال «ما هو قائم في زماننا وفي شريعتنا» فإذا حدث وقام في شريعتنا مثل هؤلاء الرجال آنذاك «من الممكن أن تقوم مثل هذه المدينة» (ص143). فابن رشد يوظف شروط قيام المدينة في جمهورية أفلاطون واستحالة وجود «الفيلسوف الحق» لتأسيسها، بحال الدولة الإسلامية في زمنه وعدم وجود «الرجل المناسب» القادر على حمل قيم الشريعة وفضائلها. فالشرط الأساسي لقيام المدينة عنده هو وصول «الفيلسوف الحق» إلى مرتبة الكمال وبما أن «بلوغ الكمال الأقصى» غير موجود تظهر هيئات تميل «إلى اللذات بكل شره» وتلحق «العار والأذى بالفلسفة وبكل فيلسوف حق». فابن رشد يشير إلى نفسه وصراعه مع أدعياء الفلسفة والفقه في زمانه، ويحتمل أنه يلمح إلى مشاكله الخاصة مع خصومه (ص 144-146).
ويحاول أن يشرح أسباب الخلاف بين الناس وآراء الحكماء في الموضوع بإعادة المسألة إلى غاية وجود الإنسان ومعنى حياته إذ هناك من يرى الغاية «في تحقيق الغنى والثروة» ومنهم من يرى «أنها الشرف والوجاهة» ومنهم يراها في «اللذة»، وتنقسم اللذة إلى شهوة أو معرفة. ومنهم من يرى أن غاية الإنسان «إنما تكون بقهر الآخرين وحكمهم وأن يجمع في أيديه كل الخيرات مثل المال واللذة والشرف وأي أمر يخطر ببال». ويلمح إلى رجال الشريعة في زمانه وقولهم إن غاية الإنسان «هو إرادة الله». بينما يرى هو أن معرفة الشريعة تنقسم إلى «مجردة فقط» أو «عملية مثل الفضائل الأخلاقية» وهي بذلك تلتقي في غايتها مع «غاية الفلسفة مع ذات النوع والغرض» (ص 149).
بسبب تلك الخصوصية يتميز الإنسان عن الحيوان في امتلاكه قوة خاصة تسمى «القوة العاقلة»، وتتألف من قسمين العقل العملي والعقل النظري. ولأن الأمر هكذا «فإن غاية الإنسان وسعادته إنما تتحققان إذا ما تم إدراك خير وسعادة قوته العاقلة وبأقصى غاية» (ص 152). وبما أن فضائل البشر متعددة كذلك الكمالات البشرية أكثر من واحدة (نظرية، خلقية، وصناعات عملية) وبعضها «مما ينسب إلى العملي وبعضها مما ينسب إلى النظري»، فإنه من الصعب أن نجدها «مجتمعة في كل شخص شخص» (153). وبما أن هذا «الشخص الشخص» غير موجود وأن كل شخص ميال بطبعه لأن يمتلك كمالا واحدا جزئيا «أضحى تعاون البشر في ما بينهم ضرورة» (ص 154). وضع مسألة «تعاون البشر» مقدمة نظرية لفن آخر يسميه «فن تدبير المدن» لكنه يعود ليتشدد في التأكيد على فصل العلوم النظرية عن الصناعات العملية لأن العلوم النظرية هي «للنظر وللنظر فقط، وليس للعمل أو الارادة صلة بذلك» (ص 156).
ظن قاضي قرطبة أن تمسكه المطلق برفض الاتصال بين العلمين النظري والعملي يعطي مشروعه قوة الاستمرار الزمني ويجعل أفكاره «خالدة في بعض أجزائها» (ص 160)، إلا أن الواقع اتجه عكس تحليله لأن الأفكار عادة تستمد قوتها من البشر وتأخذ معناها المطلق من حيث قدرتها على التأثير النسبي. وبسبب ابتعاد مشروع فيلسوف الأندلس عن واقع البشر استمرت أفكاره السياسية تحلق في سماء لا صلة لها بالحس العملي فتجردت مع الأيام من فعاليتها أو قدرتها على إدراك ما هو تحت الهموم النظرية التأملية. فالكمال الإنساني بنظره هو الكمال التأملي في العلوم النظرية وهو في طبيعته يتسم بالخلود الذي لا يشيخه الزمن أو يفسده الواقع الذي يتغير دائما كأي كائن محسوس. فالناس برأيه، ورأي أفلاطون، يظنون أنهم يرون الأشياء في حقيقتها. وهم في الواقع لا يدركون «أكثر من ظلالها» بينما الفلاسفة «فهم الذين استطاعوا أن يغادروا الكهف إلى النور» (ص 164). إلا أن إدراك النور لا يعني إدراك الحقيقة لذلك لابد من تربية الفلاسفة «خطوة خطوة بأن نوجههم إلى ما هو أيسر عليهم وأولا بأول» (ص 164).
على أساس القاعدة التأملية لنظرية العلوم يبدأ ابن رشد بوضع برنامجه التعليمي للفلاسفة. فأول خطوة تربوية هي تدريس العلوم الرياضية ابتداء من الأيسر وهو علم الحساب والعدد، وبعده علم الهندسة، ثم يأتي علم الفلك (الهيئة) والموسيقى. فهذه العلوم أساسية في منهاجه التربوي إلا أنها ليست كافية إذ يجب أن تسبقها دراسة «صناعة المنطق» على أن يتم بعد ذلك التحول نحو «دراسة علم الحساب ثم الهندسة فالفلك فالموسيقى فعلم البصريات ثم في الآخر علم الميكانيك، وبعده يأتي العلم الطبيعي، وأخيرا علم ما بعد الطبيعة» (ص 168).
عندما يبلغ الطلبة (مشروع الفلاسفة) السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمرهم يبدأ تعليمهم الفلسفة و»يستمرون في تعلم الفلسفة حتى يصلوا إلى سن الثلاثين من أعمارهم وأن يحصّلوا كل أقسامها». بعدها توضع «قيادة الجيش» في أيديهم لمدة خمس عشرة سنة تقريبا و»عندما يصلون إلى سن الخمسين من أعمارهم، يصبحون جديرين بقيادة هذه المدينة وحكمها» (ص 169)، وأخيرا يحالون على التقاعد عندما يتقدم بهم العمر ويجلسون بعيدا في «جزائر الأبرار» من أجل «التأمل في مثال الخير» (ص 170).
عند هذه النقطة يأخذ ابن رشد بفصل مثال مدينته عن جمهورية أفلاطون، فهو بعد أن يوافق على أن طريقته هي أحسن طريقة لوجود هذه الدولة يرى أنه من الممكن «أن تقوم بطرق أخرى، وإن كان ذلك يحتاج إلى زمان أطول» (ص 171). إلا أنه لا يذكر تفاصيل مختلفة عن تلك الطريقة ويكتفي بتشبيه مدينة أفلاطون بالمدينة الصالحة. ويعطي نموذج المدن الأمامية كمثال على تلك المدينة الصالحة. وبرأيه أن «المدينة الأمامية» ويقصد الأرستقراطية كانت «موجودة عند الفرس الأُوَل (الأوائل)» (ص 172).
يعطي ابن رشد المثال المشابه ولا يدخل في التفاصيل ويكتفي بالإشارة إلى بحوث سابقة له عالج فيها طبيعة هذه «المدينة الأمامية» التي كانت قائمة، كما يبدو، قبل الفتح الإسلامي. بعدها ينتقل من المثل المطابق للمدينة الصالحة إلى الكلام السريع عن المدن البسيطة وهي برأيه «مدن ضالة» ولا تستحق الحديث عنها ويكفي إدراك طبيعتها حتى يتم احتراسها ومعرفة شرورها. فالمدن الضالة «غير فاضلة» وهي بسيطة في مختلف أنواعها وتتحول «الواحدة إلى الأخرى» (ص 174).
العدد 2632 - الخميس 19 نوفمبر 2009م الموافق 02 ذي الحجة 1430هـ