بينما أستمع إلى خطيب الجمعة أخذت تقفز إلى ذهني عبارة ملحة هي( لقد بلغ السيل الزبي)، لا يمكن ان يستمر الحال على ما هو عليه في خطاب ديني صار معظمه تكرارا لحكايات مختارة من التراث منبتة الصلة بالحاضرأو بأساسيات الدين، أو فقه تراثي يرقى به الخطيب إلى مستوى العقيدة، أو اصرار على نوافل تجعل المسلم يحس بالذنب لعدم قدرته على ادائها والفوز بثوابها، أما المعاملات وهي المطلوبة فإن ذكرت فهي تحرم معظم ما نمارسه في حياتنا اليومية وتجعلنا نشعر إما بغربة الواقع عن الدين أو غربة الدين عن الواقع. أما قيم العمل وتعمير الأرض فهي الفريضة الغائبة عن ذلك الخطاب.
إنه خطاب يدعو إلى الاكتئاب والانفصال عن الحياة وعدم الاعتداد بقيم العمل والتقدم، فالمهم كما يؤكد الشيخ الجليل في خطبته ـ هو قيام الليل وختم القرآن في ثلاثة أيام والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وللحق فلقد ذكر في جمل سريعة ان قيام الليل ليس فريضة ولكنه سنة يجب ان تتكرر كل ليلة، أما الاعتكاف فهو ضرورة، وذكر فتوى بدا انها غير محببة إلى نفسه بأن الموظفين يمكنهم الذهاب إلى عملهم ثم العودة للاعتكاف ان لم يمكنهم اخذ اجازة وكان عملهم مهما( هل هناك عمل غير مهم)، واضافة إلى ذلك فلقد اكد الخطيب انه لايجتمع في قلب مسلم القرآن والموسيقى والغناء، فإما القرآن وحده واما المجون والفجور وردد آيات الترهيب والتعذيب( على رغم انها موجهة أصلا للكفار) وأنا هنا أحاول ان استخدم نفس عباراته حتى لا أتجنى على رجل لا أشك في نياته الطيبة، ولكن كم من النيات الطيبة تؤدي إلى عكس أهدافها.
أنا هنا لا أتحدث عن زاوية صغيرة في قرية نائية، وإنما اتحدث عن جامع كبير في القاهرة يتبع جمعية دينية كبرى نكن لها كل الاحترام، والخطبة في هذا المسجد لا تقل عادة عن ساعة كاملة، ومنذ عدة شهور توجهت إلى الخطيب وحادثته برفق عن مدة الخطبة مقترحا ان يتأسى بالرسول عليه الصلاة والسلام فكان رده انه ذكر لي الاسبوع الذي يخطب فيه في هذا المسجد كل شهر وانه يمكنني عدم الحضور في ذلك الاسبوع، أما الذي أحزنني حقا فهو سلوك التابعين والمريدين للشيخ الذين أغلظوا لي وهددوني صراحة لأنني تطاولت على شيخهم وطلبت منه تقصير الخطبة بينما هم قد حضروا خصيصا لسماعه، أما الخطبة فهي تفصيلات مضنية لحكايات من التراث عن بعض التابعين وأحداث يصعب ان يكون لها انعكاس علي الحاضر، أما الأنكى فهو الصراخ والعويل والهجوم الضاري علي كل من هو ليس مسلما وهو ما يجعلني دائما أشعر بالخجل وأتمنى لو ان عطلا أصاب مكبرات الصوت التي تنشر هذه الكراهية على الملأ والدين منها براء.
لقد أتاحت لي أسفاري على مدى العقود الثلاثة الماضية أداء صلاة الجمعة في معظم دول أوروبا وآسيا وإفريقيا، وفي معظم الأحوال كنت أرى المصلين بعد انتهاء صلاتهم مبتسمين ومنشرحين ومتحفزين لاستكمال حياتهم وعملهم بدفعة روحية ايمانية اكتسبوها بعد خطبة الجمعة وصلاتها، أما في مصر فالحال مختلف إذ تصيبك خطبة الجمعة في معظم الأحوال إما بالرغبة في الانفصال عن الحاضر والعيش في ماضٍ خيالي، أو الاكتئاب لأننا وصلنا إلى حافة الحياة إذ اقتربت الساعة ومن مظاهرها عموم الفساد في الأرض، واللامبالاة لأنك قد لاتستطيع أن تقوم بكل هذه النوافل لتحوز الجنة، فلا فائدة إذن من عبادتنا حيث إن مصيرنا المحتم هو النار خالدين فيها.
أحمد الله على أنني أستطيع الهروب في كل مرة من الانزلاق إلى أي من هذه المصائر الثلاثة وأعود إلى هدوء نفسي وحبي للخالق وخلقه والعمل من أجلهم بعد أن أهرب من واقع ذلك القرع والتنديد والوعد والوعيد، ولكن كم منا يستطيع ذلك.
والنتيجة هو مانراه متمثلا في الأحوال النفسية للشعب المصري علي المستوى الفردي والجمعي، وعلي ادائه الانتاجي ونظرته الكلية للحياة.
إنها هجمة شرسة يتبناها البعض ممن تجاهلوا حكمة الله في الإسلام( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) حتى جعلوا من الدين عبئا ثقيلا تنوء به أجساد وعقول هي منهكة أصلا من مصاعب العصر، وكان الأولى بالخطاب الديني ان ييسرعليهم الحياة ويقودهم بسلام إلى صراط مستقيم دليله العمل الجاد المؤدي إلى تعمير الأرض وخير الناس، وان يفتح لهم دروب الأمل إلى حياة يملؤها الحب والتآخي بين البشر.
لا يمكننا أن نلقي بالعبء على وزارة الأوقاف وحدها وهي تبذل جهدا طيبا ومخلصا إذ ان هذا الأمر يحتاج إلى جهد جماعي علي مستوى المؤسسات والأفراد، ولذلك فإنني أدعو كل مخلص في هذه الأمة خاصة من رجال الدين إلى الاجتماع والعمل الجاد الدؤوب من أجل تخليص صحيح الدين وخطابه المؤثر في الناس من شوائبه، والعمل على العودة به إلى صحيح الايمان الذي يضمن للناس الأمن والسلام.
إننا بحاجة إلى خطاب ديني متوازن يشمل الحفز على قيم العمل والتقدم، انني اعتقد انها فريضة واجبة على كل مسلم من أجل ان تحوز امة الإسلام على مكانها اللائق في العالم المعاصر، ومن أجل العيش الآمن المطمئن مع بقية اخوتنا في البشرية من بني آدم.
العدد 2632 - الخميس 19 نوفمبر 2009م الموافق 02 ذي الحجة 1430هـ