أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان، فيما أكد وزير دفاعه روبرت غيتس أن طلائع القوات الأميركية الإضافية ستبدأ في الوصول إلى ذلك البلد خلال أسبوعين أو ثلاثة.
وقال أوباما في خطاب ألقاه فجر أمس (الأربعاء) في معهد وست بوينت العسكري المرموق: «قررت بصفتي القائد العام، إرسال ثلاثين ألف جندي إضافي إلى أفغانستان لما يمثله ذلك من مصلحة وطنية حيوية». وبدوره أكد غيتس في جلسة استماع في مجلس النواب «سيتم إرسال (هذه القوات) إلى أفغانستان وستتركز في المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد»، موضحا أن العناصر الأولية «ستبدأ في الوصول خلال أسبوعين أو ثلاثة».
بالمقابل، رحّبت الرئاسة الأفغانية أمس بالجدول الزمني الذي حدده أوباما لخفض عديد القوات الأميركية في أفغانستان، وقالت إنه يمثل فرصة لبناء قواتها الأمنية والاكتفاء الذاتي.
كابول، واشنطن - أ ف ب، رويترز
رحبت أفغانستان بالاستراتيجية الأميركية الجديدة في حين حثت باكستان الرئيس الأميركي باراك أوباما على التعاون الوثيق بشأنها وحذر الحلف الأطلسي الدول المتحفظة على إرسال تعزيزات إلى كابول، ومن جهتها، توعدت حركة «طالبان» بتصعيد عملياتها.
فقد رحبت الحكومة الأفغانية أمس (الأربعاء) بإعلان أوباما إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان فيما اعتبر قائد قوات حلف الأطلسي في هذا البلد أن هذه الاستراتيجية تزوده بالإمكانات «الضرورية» لإنجاز مهمته.
وقال وزير الخارجية الأفغاني رانغين دادفار سبانتا في مؤتمر صحافي إن «الرئيس أوباما جدد بكل وضوح تأكيد الولايات المتحدة التزامها في أفغانستان، وأن خطابه يتلاءم تماما مع تطلعات الحكومة والشعب في أفغانستان».
وأضاف «يتعين علينا تولي مسئولياتنا بشكل تدريجي بما يسمح لضيوفنا الأجانب العودة إلى بلادهم».
وكان الرئيس الأميركي أعلن فجر أمس إرسال 30 ألف جندي أميركي إضافي بداعي «المصلحة القومية الحيوية» لبلاده، وقال «لم نخسر أفغانستان» على رغم التقدم الذي أحرزته حركة «طالبان» على الأرض. ووجه أوباما تحذيرا شديد اللهجة إلى الرئيس الأفغاني حامد قرضاي قائلا إن «زمن الشيكات على بياض قد ولى». وأشار سبانتا إلى أن «الرئيس الأميركي شدد أيضا على خطورة التهديد الإرهابي على المنطقة، قائلا بوضوح إنه يتعين علينا عدم السماح بتحول المناطق المحاذية للخط الحدودي (مع باكستان) إلى معاقل ثابتة للقاعدة والإرهاب».
واعتبر قائد القوات الأميركية وقوات حلف الأطلسي في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال أن إرسال التعزيزات سيمنحه «الإمكانات» الضرورية لإنجاز مهمته.
وقال «إن المراجعة التي أجراها الرئيس (أوباما) للوضع في أفغانستان وباكستان حددت لي مهمة واضحة وأعطتني الإمكانات اللازمة لتحقيقها». وأضاف «أن الوضوح والالتزام والتصميم في خطاب الرئيس تعطي دفعا كبيرا لتحقيق الأمن في أفغانستان والقضاء على معاقل الإرهابيين الذين يهددون أمن المنطقة والعالم».
وسجل الثلثاء مقتل جندي أميركي شرق أفغانستان ما يرفع حصيلة الجنود الأميركيين القتلى في 2009 إلى 300، بالمقارنة مع مقتل 155 جنديا العام 2008.
من جهة أخرى، قال شاه آغا (43 عاما) الضابط السابق في الجيش الشيوعي الأفغاني إن «إرسال المزيد من الجنود الأجانب لن يساعد أفغانستان، وكل ما سيفعله هو أنه سيعزز فكرة وجود اجتياح أجنبي، وأن الأميركيين موجودون هنا للدفاع عن مصالحهم وتأمين وجود عسكري لهم في آسيا الوسطى قرب إيران والصين».
كما حثت باكستان أوباما الأربعاء على العمل بشكل وثيق مع إسلام آباد لضمان ألا تؤدي استراتيجيته الجديدة إلى الإضرار بباكستان. وجاء في بيان لوزارة الخارجية «نرحب بتجديد الرئيس أوباما التأكيد على أن الشراكة بين البلدين تبنى على أساس من المصالح والاحترام والثقة المشتركة».
وأضاف البيان أن «باكستان تتطلع إلى العمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة على فهم التأثير التام للاستراتيجية الجديدة وضمان عدم وجود تأثيرات عكسية على باكستان».
وتابع البيان أنه «يجب على باكستان والولايات المتحدة تنسيق جهودهما بشكل وثيق من أجل تحقيق الأهداف المشتركة. ومن المؤكد أنه توجد ضرورة للوضوح والتنسيق في كل مجالات تطبيق الاستراتيجية».
في غضون ذلك، توعد ناطق باسم «طالبان» بتصعيد عمليات الحركة لمواجهة التعزيزات الأميركية. وقال قاري يوسف أحمدي في اتصال مع وكالة فرانس برس «لقد أعلن الرئيس الأميركي استراتيجيته الجديدة والمعيبة. لكن آماله في السيطرة العسكرية على بلدنا لن تتحقق. وكل ما سيعززه الجنود الـ30 ألفا الإضافيون هو المقاومة».
وأضاف «الأميركيون محكومون بانسحاب مذل بعدما يدركوا عجزهم عن تحقيق هدفهم، كما حصل في السابق مع الروس».
بدوره، وجه الأمين العام لحلف الأطلسي أندرس فوغ راسموسن في بروكسل تحذيرا إلى الدول الحليفة المتحفظة على إرسال تعزيزات عسكرية إلى أفغانستان، موضحا أن واشنطن يمكن أن تتخلى بذلك عن النهج «التعددي».
وقال راسموسن في مناقشة في بروكسل إن «الأميركيين اختاروا نهجا تعدديا وأعتقد أنهم سيبدأون التشكيك في هذا الأسلوب إذا لم يتحمل الحلفاء الآخرون حصتهم من العبء» في أفغانستان.
وأضاف أن «الرئيس (الأميركي باراك) أوباما أعلن زيادة كبيرة في عديد القوات في أفغانستان ومن الأساسي في هذا الوضع أن يحذو الحلفاء الآخرون حذوه». وتابع أن «توازن الحلف على المحك ويجب ألا ينظر إلى العملية في أفغانستان على أنها محض أميركية»، داعيا «كل الحلفاء إلى زيادة مساهمتهم في أفغانستان».
وردا على سؤال عما إذا كان يشعر بخيبة الأمل من موقف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يستبعد إرسال تعزيزات تضم قوات قتالية إلى أفغانستان لكنه لا يمانع من إرسال مدربين عسكريين «بالعكس، تعليقات الرئيس ساركوزي شجعتني».
ودعا راسموسن هولندا أيضا إلى تنفيذ تعهداتها. وقال «آمل أن يأخذ كل الحلفاء في الاعتبار أنها عملية للحلف الأطلسي وأنا على ثقة بأن الحكومة الهولندية وغيرها سيأخذون ذلك في الاعتبار».
وأعلن راسموسن في وقت سابق أن حلفاء الولايات المتحدة سيرسلون «ما لا يقل عن» خمسة ألاف عنصر للانضمام إلى قوة إيساف الدولية التي يقودها الحلف في أفغانستان، إلى جانب الجنود الإضافيين الـ30 ألفا الذين سترسلهم الولايات المتحدة.
وقال راسموسن للصحافيين «يمكنني أن أؤكد أن الحلفاء (الأطلسيين) وشركاءنا سيقدمون مساهمة إضافية كبيرة لا تقل عن خمسة آلاف جندي وربما ما يزيد عن ذلك ببضعة آلاف».
ولمحت ألمانيا الأربعاء إلى استعدادها لبذل المزيد فيما يتعلق بتدريب قوات الشرطة في أفغانستان لكنها قالت إنه لا يمكنها أن تلزم نفسها بإرسال مزيد من القوات إلى هناك قبل أن تراجع استراتيجيتها في أوائل العام المقبل.
باراك أوباما
من المهم الإعادة إلى الأذهان لماذا أجبرت أميركا وحليفاتها على خوض حرب في أفغانستان أساسا. نحن لم نطلب خوض هذه الحرب. ففي 11 سبتمبر/ أيلول، 2001، اختطف 19 رجلا أربع طائرات واستخدموها في قتل قرابة 3000 شخص. وقد وجهوا ضربات لمراكزنا العسكرية والاقتصادية الحساسة. وأجهزوا على أرواح رجال ونساء وأطفال أبرياء بغض النظر عن مذاهبهم أو أعراقهم أو مراكزهم. ولولا الأعمال البطولية للركاب على متن واحدة من هذه الطائرات لكانوا سيضربون واحدا من أعظم رموز ديمقراطيتنا في واشنطن، ويقتلون عددا أكبر من الناس.
كما يعلم جميعنا، هؤلاء الرجال كانوا ينتمون للقاعدة، وهي مجموعة من المتطرفين الذين شوهوا ودنسوا الإسلام إحدى أعظم العقائد في العالم لتبرير ذبح الأبرياء. وكانت قاعدة عمليات تنظيم القاعدة في أفغانستان حيث كانت تؤويها حركة طالبان وهي حركة متحجرة وقمعية وراديكالية استولت على تلك البلاد بعد أن خربتها سنوات الاحتلال السوفياتي والحرب الأهلية، وبعد أن تحوّل انتباه أميركا وأصدقائنا إلى مناطق أخرى.
وبعد أيام قليلة من حوادث يوم 11 سبتمبر، أجاز الكونغرس استخدام القوة ضد القاعدة وأولئك الذين كانوا يؤونها - وهذا التخويل مستمر حتى يومنا هذا، وكانت نتيجة التصويت في مجلس الشيوخ 98 صوتا ضد لا شيء؛ أما نتيجة التصويت في مجلس النواب فكانت 420 صوتا ضد صوت واحد، وللمرة الأولى في تاريخها، طبقت منظمة حلف شمال الأطلسي المادة الخامسة - وهو التعهد الذي ينص على أن الهجوم على أي بلد عضو فيها يمثل هجوما على جميع الدول الأعضاء. كما أيّد مجلس الأمن الدولي استخدام كل الخطوات الضرورية للرد على هجمات 11 سبتمبر. وكانت أميركا وحلفاؤنا والعالم كله يعملون كتلة واحدة للقضاء على شبكة القاعدة الإرهابية ولحماية أمننا المشترك.
وتحت راية هذه الوحدة القومية والشرعية الدولية - وفقط بعد أن رفضت طالبان تسليم أسامة بن لادن - أرسلنا قواتنا إلى أفغانستان. وفي غضون عدة شهور تشرذمت القاعدة وقتل العديد من منفذي عملياتها. وأطيح بطالبان من السلطة وتم إخضاعها. وأصبح في أفغانستان التي كانت مكانا عرف الخوف لعقود طويلة ما يدعو للأمل. وفي مؤتمر عقدته الأمم المتحدة تم تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة الرئيس حامد كارزاي. كما شكلت قوة مساعدة الأمن الدولية للإسهام في إحلال سلام دائم في بلد مزقته الحرب.
وفي العام 2003 اتخذ القرار بشن حرب ثانية، في العراق. والجدل العنيف حول الحرب في العراق معروف جيدا ولا حاجة لتكراره هنا. ويكفي القول إنه على مدى السنوات الست التالية استهلكت الحرب في العراق الجزء الأكبر من قواتنا ومواردنا والقدر الأعظم من دبلوماسيتنا واهتمامنا الوطني. وقد تسبب قرار الذهاب للعراق في انشقاقات عريضة بين أميركا وجزء كبير من العالم.
واليوم وبعد تكبد تكلفة غير عادية وجدنا طريقا تقودنا إلى الأمام في العراق. ونحن بصدد وضع نهاية لحرب العراق بصورة مسئولة. فإننا سنسحب ألويتنا القتالية من العراق بنهاية الصيف القادم وستعود جميع قواتنا بنهاية العام 2011. وكوننا نفعل ذلك هو شاهد على طبيعة شخصية رجالنا ونسائنا أفراد القوات المسلحة. فبفضل بسالتهم وصمودهم تمكنّا من إعطاء العراقيين فرصة لرسم مستقبلهم وإننا نحقق النجاح بمغادرة العراق لنتركه لشعبه.
لكن فيما حققنا تلك العلامات البارزة بجهد جهيد في العراق كان الوضع في أفغانستان يتدهور. فبعد فرارها عبر الحدود إلى باكستان في العامين 2001 و2002 أسست زعامة القاعدة ملاذا آمنا لها هناك. ورغم أن الشعب الأفغاني انتخب حكومة شرعية فقد عرقلها الفساد وتجارة المخدرات والاقتصاد المتخلف وعدم وجود قوات أمن كافية. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية كان لطالبان قضية مشتركة مع القاعدة، إذ إن كلتيهما تسعى لإسقاط الحكومة الأفغانية. وتدريجيا بدأت طالبان السيطرة على قطاعات من مناطق أفغانستان، وفي الوقت نفسه تشارك في شنّ هجمات إرهابية تتزايد تدميرا ووقاحة ضد الشعب الباكستاني.
والآن وطيلة هذه الفترة، ظلت مستويات قواتنا في أفغانستان جزءا بسيطا مما كانت عليه في العراق. والواقع أنه حينما تقلدت المنصب لم يكن لدينا سوى أكثر بقليل من 32 ألف أميركي يخدمون في أفغانستان بالمقارنة مع 160ألف في ذروة الحرب العراقية. وطلب القادة العسكريون في أفغانستان مرارا وتكرارا دعما للتعامل مع عودة ظهور طالبان، لكن ذلك الدعم لم يصل. ولهذا السبب، وافقت بعد فترة وجيزة من تولي المنصب على طلب مزمن لمزيد من القوات. ثم أعلنت بعد مشاورات مع حلفائنا عن إستراتيجية تقرّ بالترابط الجوهري بين مجهودنا الحربي في أفغانستان وملاذات المتطرفين الآمنة في باكستان. وقد وضعت هدفا عرف تعريفا محكما على أنه «تعطيل وتفكيك وإلحاق الهزيمة بالقاعدة وحلفائها المتطرفين» وتعهدت بتنسيق مجهودنا العسكري والمدني على نحو أفضل.
ومنذ ذلك الحين، حققنا تقدما بشأن بعض الأهداف الرئيسية. فقد قتل قادة متطرفون رئيسيون من القاعدة وطالبان، وقمنا بتصعيد الضغط على القاعدة على نطاق عالمي. وفي باكستان، شنّ جيش تلك الدولة أكبر حملة له منذ سنين. وفي أفغانستان، منعنا، نحن وحلفاؤنا، طالبان من إيقاف انتخابات رئاسية، تلك الانتخابات التي- وإن شابها الغشّ- تمخضت عن حكومة تتساوق مع قوانين أفغانستان ودستورها.
ومع ذلك تبقى هناك تحديات هائلة. أفغانستان لم تفقد، لكنها ظلت تتخلف إلى الوراء عدة سنوات. ليس هناك تهديد مباشر محدق بالإطاحة بالحكومة، لكن طالبان كسبت زخما. ولم تظهر القاعدة مجددا في أفغانستان بنفس الأعداد كما كان عليه الحال قبل 9/11، ولكنهم يحتفظون بملاذاتهم الآمنة عند الحدود. وقد افتقرت قواتنا إلى الدعم الكامل الذي تحتاجه لتدريب قوات الأمن الأفغانية بصورة ناجعة والمشاركة معها وتوفير الأمن للسكان على نحو أفضل. وأفاد قائدنا الجديد في أفغانستان- الجنرال ماكريستال- بأن الوضع الأمني أخطر مما توقع. وباختصار: الوضع القائم لا يمكن تحمله.
وأنتم كمرشحي ضباط تطوعتم للخدمة في وقت الخطر. وبعضكم حارب في أفغانستان. والبعض سيرسل إلى هناك. وأنا كقائد أعلى، مدين لكم بمهمة محددة بجلاء وتستحق ما تقدمون من خدمة. ولهذا السبب، أصررت بعد أن استكمل التصويت الأفغاني، على مراجعة دقيقة وشاملة لإستراتيجيتنا. ودعوني أكون واضحا: فخلال هذه المراجعة، لم يكن هناك إطلاقا خيار أمامي يتطلب نشر القوات قبل 2010، وبالتالي لم يكن هناك تعويق أو حرمان من الموارد الضرورية لسير الحرب خلال فترة المراجعة. فبدلا من ذلك مكنتني المراجعة من أن أسأل الأسئلة الصعبة وأن أستطلع كل الخيارات المختلفة مع فريقي للأمن القومي وقيادتنا العسكرية والمدنية في أفغانستان، ومع شركائنا الرئيسيين. ونظرا للمخاطر القائمة أنا مدين للشعب الأميركي- وبكل عمق لقواتنا- ليس بأقل من ذلك.
والآن لقد استكملت هذه المراجعة. وبصفتي القائد العام للقوات المسلحة، فقد قررت أن مصلحتنا الوطنية الحيوية تقتضي إرسال 30 ألف جندي أميركي إضافي إلى أفغانستان. وبعد 18 شهرا، سوف تبدأ قواتنا عودتها إلى أرض الوطن. هذه هي الموارد التي نحن بحاجة إليها لأخذ زمام المبادرة، في الوقت الذي نبني فيه القدرة الأفغانية التي تتيح النقل المسئول لقواتنا إلى خارج أفغانستان.
إنني لا أتخذ هذا القرار باستخفاف وبلا تروٍّ. إذ إنني عارضت الحرب على العراق تحديدا لأنني أعتقد أنه يجب علينا ممارسة ضبط النفس في استخدام القوة العسكرية، وأنه يتعين علينا أن ننظر دائما في العواقب الطويلة الأجل التي تخلفها إجراءاتنا. إننا نخوض حربا منذ ثماني سنوات، تكبدنا بسببها ثمنا باهظا في الأرواح الغالية وتكاليف هائلة في الموارد. ولقد جعل الجدل الدائر منذ سنوات حول العراق والإرهاب وحدتنا بشأن الأمن القومي في حالة من التمزق، وأوجد درجة عالية من الاستقطاب والتحزب لهذا الجهد. وبعد أن عانى الشعب الأميركي لتوه من أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير، فقد أخذ يركز اهتمامه لأسباب مفهومة على إعادة بناء اقتصادنا وإعادة الناس إلى وظائفهم هنا داخل الوطن.
الأهم من ذلك كله، أنا أعلم أن هذا القرار يتطلب منكم بذل المزيد - جيش تحمَّل، مع أسركم، ما أصبح بالفعل العبء الأكبر. وبصفتي رئيسا، فقد وقّعت رسالة تعزية إلى عائلة كل أميركي بذل حياته في هاتين الحربين. ولقد قرأت الرسائل التي يبعث بها والدا وزوجات وأزواج الذين يتم نشرهم، وزرت محاربينا الجرحى الشجعان في مستشفى والتر ريد. وسافرت إلى دوفر لاستقبال النعوش المغطاة بالأعلام الأميركية التي احتوت 18 أميركيا عائدين إلى ديارهم لنقلهم إلى مثواهم الأخير. إنني أشاهد مباشرة التكاليف الرهيبة للحرب. ولو لم أكن أعتقد أن أمن الولايات المتحدة وسلامة الشعب الأميركي هما على المحك في أفغانستان، لكنت أمرت بكل سرور بعودة كل جندي من أفراد قواتنا المسلحة إلى أرض الوطن.
وعليه فأنا لا أتخذ هذا القرار ببساطة. فأنا أتخذ هذا القرار لأنني على قناعة بأن أمننا معرض للخطر في أفغانستان وباكستان. فهذه هي بؤرة للتطرف العنفي الذي تمارسه القاعدة، فمن هنا شنّ الهجوم علينا يوم الحادي عشر من سبتمبر. ومن هنا تحاك المخططات لشن هجمات جديدة في الوقت الذي أتحدث إليكم فيه. إن هذا الخطر ليس مجرد خطر خامل، ولا مجرد تهديد افتراضي. ففي الأشهر القليلة الماضية وحدها، ألقينا القبض على متطرفين داخل حدودنا أرسلوا إلى هنا من منطقة الحدود بين أفغانستان وباكستان لارتكاب أعمال إرهابية جديدة. وسيزداد هذا الخطر إذا انزلقت المنطقة إلى الوراء، وتمكنت القاعدة من العمل دون خوف من عقاب. يجب علينا أن نواصل ممارسة الضغط على القاعدة، ولكي يتسنى القيام بذلك، ينبغي علينا تعزيز استقرار وقدرات شركائنا في المنطقة.
وطبعا، هذا العبء ليس من واجبنا تحمله وحدنا. فهذه ليست حرب أميركا فقط. فمنذ هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر كانت الملاذات الآمنة لتنظيم القاعدة مصدرا للهجمات التي شنت على لندن وعمّان وبالي. ثم إن شعبي وحكومتي كل من أفغانستان وباكستان معرّضون للخطر. والأخطار أشد حتى داخل باكستان المسلحة نوويا، لأننا نعلم أن القاعدة وغيرها من المتطرفين يسعون لامتلاك أسلحة نووية، ونحن لدينا أسباب كافية تحملنا على الاعتقاد بأنهم سيستخدمونها.
هذه المعطيات تدفعنا إلى العمل بالتعاون مع أصدقائنا وحلفائنا. ولا يزال هدفنا الأشمل هو نفسه لم يتغير وهو: تعطيل وتفكيك، ودحر تنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان، والحيلولة دون قدرته على تهديد أميركا وحلفائنا من أي من البلدين في المستقبل.
ولبلوغ هذا الهدف، فإننا سوف نسعى إلى تحقيق الأهداف التالية داخل أفغانستان: يجب علينا حرمان القاعدة من الحصول على الملاذ الآمن. وعلينا أن نعكس الزخم الذي كسبته حركة طالبان وحرمانها من القدرة على الإطاحة بالحكومة. ويجب علينا تعزيز قدرة قوات الأمن والحكومة الأفغانية، حتى تتمكن من أخذ زمام المبادرة وتحمل المسؤولية من أجل مستقبل أفغانستان.
وسوف نحقق هذه الأهداف بثلاث طرق. أولا، سوف نسعى إلى تطبيق إستراتيجية عسكرية من شأنها أن تقضي على الزخم الذي كسبته طالبان وتزيد من قدرة أفغانستان على مدى الأشهر الـ18 المقبلة.
وسيتم نشر القوات الـ 30 ألفا الإضافية التي أعلنتُ عنها الليلة في الجزء الأول من العام 2010 - وذلك على جناح السرعة - حتى تتمكن من استهداف المسلحين وتأمين المراكز السكانية الرئيسية. وسوف تزيد من قدرتنا على تدريب قوات الأمن الأفغانية التي تتمتع بالكفاءة، والاشتراك معها حتى ينخرط المزيد من الأفغان في العمليات القتالية. وسوف نساعد على تهيئة الظروف للولايات المتحدة لنقل المسؤولية إلى الأفغان.
ونظرا لأن هذا المجهود مجهود دولي، فقد أصررتُ على أن يشاركنا حلفاؤنا التزامنا من خلال تقديم المساهمات. وقد تم بالفعل تقديم بعض منها، وأنا على ثقة من أنه سيتم تقديم مساهمات إضافية في الأسابيع المقبلة. لقد قاتل حلفاؤنا ونزفت دماؤهم وماتوا إلى جانبنا في أفغانستان. والآن، بات لزاما علينا أن نتضافر معا لإنهاء هذه الحرب بنجاح. لأن ما هو على المحك ليس ببساطة مجرد اختبار لمصداقية منظمة حلف شمال الأطلسي - إن ما هو على المحك هو أمن حلفائنا، وأمن العالم المشترك.
لكن هذه القوات الأميركية والدولية الإضافية، مجتمعة، ستتيح تسريع تسليم المسئولية الأمنية إلى القوات الأفغانية، وتتيح لنا البدء في نقل قواتنا إلى خارج أفغانستان في مطلع يوليو/ تموز من العام 2011. وتماما كما فعلنا في العراق، سوف نقوم بتنفيذ هذا النقل بطريقة مسئولة، واضعين في الاعتبار الظروف على أرض الواقع. وسوف نواصل تقديم المشورة والمساعدة لقوات الأمن في أفغانستان للتأكد من أن بإمكانها النجاح على المدى الطويل. ولكن الأمر سيكون واضحا للحكومة الأفغانية - والأهم من ذلك لأبناء لشعب الأفغاني - أنهم في نهاية المطاف سوف يتحملون المسؤولية عن بلدهم.
العدد 2645 - الأربعاء 02 ديسمبر 2009م الموافق 15 ذي الحجة 1430هـ