العدد 352 - السبت 23 أغسطس 2003م الموافق 24 جمادى الآخرة 1424هـ

متى يوقف العرب دورة النزيف الاقتصادي المزدوج؟

في العلاقة مع صندوق النقد الدولي

المنامة - عبيدلي العبيدلي 

23 أغسطس 2003

يوم الثلثاء الموافق 19 من هذا الشهر نقلت وكالة الصحافة الفرنسية خبرين عن الموقف من أنشطة صندوق النقد الدولي. الأول من دبي التي ستنعقد فيها اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد العالمي في سبتمبر/ أيلول المقبل، إذ أكدت الوكالة على لسان المنسق العام لـ «دبي 2003» ابراهيم بالصالح انه «سيكون للحدث على المدى القصير اثر فوري على قطاع السياحة وخصوصا الفنادق والمطاعم والنقل».

وأضاف بالصالح أن «دبي 2003» سيدر على القطاع السياحي عائدات فورية تقدر بـ 45 مليون دولار. وتأتي هذه العائدات خصوصا من النفقات المباشرة للزوار المنتظرين. وقد تم حجز 10 آلاف غرفة في الفنادق لايواء الزوار لمناسبة هذه الاجتماعات التي تعقد في 23 و24 سبتمبر المقبل، بحسب اللجنة المنظمة.

وعلى نحو مواز وفي اليوم ذاته نقلت الوكالة نفسها تصريحا للرئيس الفنزويلي هوغو شافيز يطالب فيه بالغاء صندوق النقد الدولي الذي وصفه بأنه جهاز مشؤوم يلحق الخسائر بالشعوب وطالب الرئيس الفنزويلي الذي يقوم بزيارة خاصة للعاصمة الارجنتينية بانشاء دولية نفطية برساميل عامة في أميركا الوسطى.

وقبل ذلك بثلاثة أعوام وتحديدا في 16 ابريل/ نيسان 2000، وفي إطار الاحتجاجات التي كانت تشهدها اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين حينها أعربت البلدان الفقيرة ضمن مجموعة الـ 24 في بيان أصدرته أثناء الاجتماعات عن «قلقها الشديد» حيال المشروعات الإصلاحية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي قد تحول دون حصول عدد منها على قروض جديدة. وطالبت مجموعة الـ 24 أيضا بتمثيل أفضل في «المنتديات الدولية المكلفة بالشئون المالية» مثل «لجنة بال» عن المراقبة المصرفية أو لجنة مجموعة السبع عن الاستقرار المالي التي تهتم بجميع الأنظمة المصرفية.

هذا يعني أن هناك جدلا واسعا عن الدور الحقيقي لهذه المؤسسة العالمية التي تقول عن نفسها: «إنها تعمل على تحسين الأحوال السائدة عالميا» من خلال ما يأتي:

- التوسع المتوازن في التجارة العالمية.

- تحقيق استقرار أسعار الصرف.

- تجنب التخفيض التنافسي لقيم العملات.

- إجراء تصحيح منظم لاختلالات موازين المدفوعات

وإن مهمتها الأساسية هي:

- تعزيز التعاون الدولي في قضايا النقد.

- تيسير النمو المتوازن للتجارة الدولية.

- تزويد الحكومات بموارد مالية لتصحيح الاختلالات في مجال المدفوعات.

- ضمان ألا تتسبب البرامج المعتمدة في الإضرار بأفقر قطاعات المجتمع.

ما يدفعنا كعرب لتفحص الدور الحقيقي لصندوق النقد الدولي هي الحال غير الطبيعية التي يعيشها اقتصاد البلدان العربية. فمنطق العلاقة بين الصندوق ودولة ما أو تجمع سياسي أو اقتصادي معين يقوم على حاجة هذا الأخير إلى قروض ومساعدات مالية نقدية تعينها على تسديد أو جدولة تسديد ديونها الخارجية. الدول العربية تعاني من مديونية ضخمة من جهة، وتنعم بسيولة نقدية لا يستهان بها لكنها موجودة في الخارج.

فقد بلغ إجمالي الدين العام الخارجي في ذمة الدول العربية المقترضة في نهاية العام 2000 نحو 144 مليار دولار تقريبا، وانخفض إجمالي هذا الدين عن حجمه في العام 1995 بمقدار 15,5 مليار دولار تقريبا، أي أن وضع المديونية شهد تحسنا نسبيا في العام 2000 إذ انخفض حجم الدين الخارجي بنسبة 9,6 في المئة مقارنة بالعام 1995.

لكن هذا الانخفاض لا يخفي النسبة العالية للديون الخارجية مقارنة بالناتج الإجمالي المحلي، إذ توضح هذه النسبة عبء المديونية الخارجية في الدول العربية المقترضة، وتشير إلى قدرة اقتصاداتها على تحمل أعباء هذا الدين، ومدى استمراريتها على الالتزام بذلك.

ففي العام 2000 بلغت هذه النسبة 49,9 في المئة في حين كانت 73,3 في المئة في العام 1995، وبذلك حققت الدول العربية المقترضة نجاحا في انخفاض نسبة هذا المؤشر بنحو 23,4 في المئة العام 2000 مقارنة بما كانت عليه العام 1995.

من جهة ثانية يشير تقرير اقتصادي صادر عن مركز دراسات الخليج العام 2001 إلى أن الأموال المهاجرة لدول الخليج وحدها إلى دول الاتحاد الأوروبي فقط بـ 365 مليار دولار و365 مليار دولار أخرى في بقية دول وتجمعات العالم الاقتصادية الأخرى. أما بقية الاستثمارات من بقية الدول العربية فغير معروف على وجه التحديد. وتقدر بعض المؤسسات المالية رؤوس الأموال العربية للاستثمار في الخارج حاليا بما يتراوح بين 800 - 2400 مليار دولار.

لكن قبل التحدث عن احتمالات سلبيات العلاقة بين الدول العربية وصندوق النقد الدولي يمكن استرجاع تجارب سابقة للصندوق لنجد أن الديون العامة الخارجية العربية ما تزال عالية، مع دول نامية مثل الأرجنتين ودول الشرق الأقصى.

ففي نهاية القرن الماضي وخلال الأزمة المالية التي عصفت بإندونيسيا التقى الرئيس الإندونيسي المنتخب سوهارتو مع المدير العام لصندوق النقد الدولي كاندسو ووقعا اتفاقا في يناير/ كانون الثاني من العام 1998 يتم بمقتضاه أن يمد الصندوق إندونيسيا بقرض قيمته 43 مليار دولار لاعادة هيكلة اقتصادها، بتخفيض العملة، وحل الاحتكارات المالية والصناعية للاشخاص القريبين من السلطة ونبذ الاعتبارات الذاتية في تدبير الاقتصاد وإعادة هيكلة القطاع البنكي لكن الرئيس الاندونيسي الذي اعيد انتخابه لولاية سابعة في شهر مارس/ آذار مع نائب له (حبيبي)، ما لبث ان تحلل من (وصاية النقد الدولي) وصاغ مصطلحا جديدا هو (صندوق النقد الدولي زائد). وبتعبير آخر اقدم الرئيس الإندونيسي على تدشين تعامل جديد في التعاطي للازمات الاقتصادية التي تظهر من جراء تقلبات العولمة فهو رفض النموذج المكسيكي ونموذج كوريا الجنوبية، وفضل عوض ذلك الاعتماد على القدرات الذاتية لإندونيسيا وشكك في قدرات صندوق النقد الدولي على انقاذ الاقتصادات الغارقة.

حالة شبيهة تكررت مع الأرجنتين في العام 1999 إذ اعتبر البعض أن لصندوق النقد الدولي دورا كبيرا في القضاء على ما تبقى في اقتصاد البلاد حينها، ففي بداية الأزمة قدم الصندوق دعما غير محدود لحكومة الرئيس كارلوس منعم، ثم وضع شروطا قاسية للاستمرار في هذا الدعم، بعض تلك الشروط لا يمكن أن تنفذها دولة متقدمة تنتمي إلى العالم الأول، فما بالك بدولة مثل الأرجنتين في حالتها الاقتصادية المنهارة.

مثلا أصر صندوق النقد الدولي على الإبقاء على الغطاء الدولاري للعملة الوطنية الأرجنتينية، حتى بعد أن أصبح مستحيلا الإبقاء على هذا الغطاء، وأصبحت عملية تعويم العملة الأرجنتينية مطلوبة، بل ضرورية، وخصوصا بعد أن تأثرت عمليات الصادرات نظرا إلى ارتفاع أسعارها في مواجهة أسعار الصادرات المنافسة في الكثير من الدول التي تتعامل معها الأرجنتين.

وانعكس كل ذلك سلبا على الاقتصاد الارجنتيني، ما ترك آثاره السلبية أيضا على الحال السياسية في البلاد حينها.

في ضوء كل ذلك وفي ظل معرفتنا بواقع الاقتصاد العربي الذي لايزال يعاني من حالات تعثر متكررة تدفعه إلى التوجه نحو مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي من أجل الاقتراض، في وقت تتدفق فيه مليارات الدولارات العربية نحو الأسواق الخارجية التي تصب دولها في صندوق النقد العالمي ليقوم بدوره في منحها على هيئة قروض مجحفة للدول العربية التي بحاجة إليها. ويخسر العرب في هذه الدورة غير المبررة مرتين: الأولى عند هروب الرأسمال العربي إلى الخارج، والثانية عند الاستدانة من المؤسسات العالمية.

والسؤال هو متى نوقف نحن العرب دورة النزيف المزدوج هذه التي لم يعد منطق العصر يقبلها؟

العدد 352 - السبت 23 أغسطس 2003م الموافق 24 جمادى الآخرة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً