وفقا لطبعة حديثة لصحيفة «نيو ساينتست»: النيجيريون هم أسعد شعب في العالم. لكن لم يكن ذلك هو الانطباع الذي أظهره فرانسيس وفلوريس عندما وصلت إلى بلدهما الملكة (اليزابيث الثانية)، لتقود الرؤساء المتشاحنين لنحو 54 دولة في الكومنولث.
الحلاق فرانسيس الذي كان يقف تحت مظلة نصبت حديثا في سوق صغير في نيو كارو، قرية الأكواخ المترامية الأطراف خارج العاصمة النيجيرية (أبوجا) قال: «إذا التقيت الملكة فسأخبرها بالحقيقة. سأخبرها كيف أن الحياة قاسية هنا، وكيف نكافح من أجل البقاء وليس لدينا نقود»!
الملكة التي افتتحت أمس الأول اجتماع رؤساء حكومات الكومنولث الذي استغرق ثلاثة أيام، جاءت إلى قرية نيو كارو التي بنتها بواسطة هيئة الإذاعة البريطانية ووزارة التنمية الدولية كموضع للأوبرا التي تحمل اسم «أصوات تحكم في الأعوام الثلاثة المقبلة». ويحتاج العرض إلى أصوات «واقعية» من سوق قرية إفريقية نموذجية كخلفية.
وزارت الملكة هذه التحفة القروية والتي يقول كل شخص انها أنشئت لخداع الملكة لكي تعتقد بأنها التقت النيجيريين الحقيقيين. وعليه سيكون من المستحيل الحكم كيف هي الحقيقة والواقع في نيجيريا. ولكن بدت القرية اصطناعية، إذا أظهر اللقطة الملونة أفريقيا القارة السعيدة.
وإذا لم يوجد تنافر وحقد في قرية نيو كارو، فإنهما وُجدا بكثرة في اجتماع الكومنولث.
يعتبر الكومنولث في الأساس ناديا رائعا تستطيع الدول الالتقاء فيه ومناقشة القضايا العالمية أو المحلية مع نظرائهم من دول مجموعة الثماني القوية. وليس للكومنولث قوة عظمى ولذلك لا يكترث أحد كثيرا بدفع القضايا إلى الأمام. ولكن في هذا الاجتماع انفتح صدع خطير بين «الكومنولث الأبيض القديم» المكون من نيوزيلندا، كندا، بريطانيا واستراليا والدول الإفريقية. لم تظهر بعد أبعاد ذلك الصدع إلا إن كلمة خطأ واحدة من أي جانب سيقسم التجمع إلى دول إفريقية فقيرة وغنية بيضاء.
تقع زيمبابوي في قلب أكثر القضايا الشائكة. إذ فوض الكومنولث نيجيريا، استراليا وجنوب إفريقيا لكي تقرر ما يمكن أن يفعله تجاه انتخابات السنة الماضية في زيمبابوي فيما أعلن تقرير مراقبي الانتخابات في الكومنولث، أن الانتخابات لم تكن حرة ولا عادلة. لذلك كان لزاما على رئيسي جنوب إفريقيا، ثبومبيكي ونيجيريا أوباسانجو أن يصوتا لتعليق عضوية زيمبابوي.
وفي اجتماع المتابعة العام الجاري كان الرئيسان يقفان إلى جانب رفع التعليق وإعادة قبول زيمبابوي، ولكن عليهما أن يحصلا على إجماع بينما يرغب رئيس الوزراء الاسترالي جون هاوارد في الإبقاء على تعليق عضوية الدولة. وقبل الرئيسان النيجيري والجنوب إفريقي محبطين بذلك، ولذلك لم يدع الرئيس الزيمبابوي موغابي إلى قمة أبوجا.
كثير من القادة الأفارقة، مستاؤون من الطريقة التي عالج بها الكومنولث قضية زيمبابوي . وذكروا الموقف في العام 1966 عندما لم تفرض بريطانيا عقوبات حقيقية على روديسيا (زيمبابوي حاليا) التي كان يحكمها البيض بعد أن أعلنت الاستقلال. أما الآن فتلعب بريطانيا دورا كبيرا في تعليق عضوية زيمبابوي.
أحد مستشاري أوباسانجو قال: «ربما يكون لموغابي سجل سيئ في حقوق الإنسان، ولكننا نشعر أن بريطانيا تستخدم هذا كمبرر. نحن الأفارقة نعتقد أن السبب الحقيقي أنهم يعاقبون موغابي لاستيلائه على أراضي البيض. وهناك شعور أيضا بأن بريطانيا تفعل ما تشاء دون حتى التشاور معنا بينما نحن يطلب منا دائما أخذ الإذن».
وغضب الأفارقة أيضا لأن استراليا وبريطانيا تدفعان إلى إعادة قبول باكستان على رغم أن حكومة عسكرية تحكمها، وأشاروا إلى أن الكومنولث يحظر الدكتاتوريات العسكرية، وبريطانيا دائما تستنكر الحكم العسكري في إفريقيا ولكنها تدعمها الآن في باكستان. ومن ثم رفضوا دراسة إعادة عضويتها.
وتقف زيمبابوي وراء قضية أخرى أيضا، إذ يرغب المعسكر الإفريقي في معاقبة الكومنولث بإحلالهم محل السكرتير العام دون ماكينون. إذ أقنع المعسكر سريلانكا بتقديم مرشحها وزير الخارجية السابق، لاكشام قادر قمر ليحل محل ماكينون بعد فترة واحدة في منصبه، إذ يخدم السكرتير العام عادة فترتين.
ويعتبر هذا التوجه في حد ذاته ضربة دبلوماسية في رأي بريطانيا واستراليا. وبينما وصل ربع قادة العالم إلى نيجيريا، جلست فلوريس تطعم رضيعها، وأمامها طاسة من رؤوس السمك المدخن على طاولة. وقالت هي الأخرى إنها ستخبر الملكة بأن الأمور في نيجيريا سيئة أكثر مما كانت عليه تحت الحكم العسكري.
وفي إحدى زوايا الفناء يدرس أحد المعلمين أطفالا أنيقين جالسين على مقعد خشبي منخفض. وفي زاوية أخرى احتدم الجدل في حانة عامة عن كيفية معالجة فيروس الايدز.
لقد أطلقت الوعود ولكن الجميع قلق بشأن ما يمكن أن تصلهم من إعانات. ويراقب الجمهور حشود شرطة أمن الدولة وموظفي وزارة التنمية الدولية البريطانية وهو يجوبون المكان بنشاط ويضعون آخر الترتيبات الدقيقة.
وإذا لم تصل شكاوى فرانسيس وفلوريس، ربما تشاهد الملكة المزيد عن السوق الحقيقي في إفريقيا إذا تنقلت عبر الطريق المؤدي إلى أبوجا وزارت سوق كارو القديم، فهو ليس مثل الطريق المعبد الجديد المؤدي إلى كارو الجديدة. فالطريق القديم درب مليء بالكتل أقرب إلى الأخدود منه إلى الطريق.
وخلال القمة أبدى القادة الأفارقة قليلا من حسن النوايا. في الماضي هددت مخاطر الانقسام الكومنولث، وخصوصا في عهد رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر عندما دافعت علانية عن جنوب إفريقيا تحت حكم التفرقة العنصرية من العقوبات، وهاجمت المؤتمر الوطني الإفريقي، واصفة إياه بـ «الإرهابي». هذه المرة هناك قليل من المخاطر... ولكن هناك أيضا قليل من الشعور بأن المحافظة على انسجام الكومنولث مهم للغاية. فالأفارقة على طريق الحرب الآن.
ينشر المقال بالاتفاق مع صحيفة «الاندبندنت» البريطانية
العدد 458 - الأحد 07 ديسمبر 2003م الموافق 12 شوال 1424هـ