قالت صديقة الموسوي: «نعيب زماننا والعيب فينا... نلوم فرنسا وقرارها، إلا ان المسئولية الأساسية تقع على عاتقنا. لنصلح أوضاعنا الداخلية من ناحية الالتزام بالحجاب أولا ولنتطرق إلى الخارج بعد ذلك». جاء ذلك في ندوة «الحجاب بين حرية المرأة ودعوة الرئيس الفرنسي» التي نظمتها جمعية الرسالة الاسلامية مساء الخميس الماضي، وذلك إثر موافقة الحكومة المبدئية على قرار منع لبس الحجاب في المدارس الحكومية.
وتساءلت مرشحة مجلس ادارة جمعية الوفاق الوطني الاسلامية زهراء مرادي : «المجتمع الفرنسي نموذج جيد للحوار والتسامح، وان الحريات الشخصية مكفولة فيه، فما باله اليوم يضيق صدره من قطعة قماش تغطي بها المرأة المسلمة شعرها؟وما الجديد الذي جد فالمسلمون يعيشون هناك مدة تزيد على نصف قرن؟ وما الذي أثار هذا الموضوع الآن؟». وأشارت الى مفارقة كبيرة إذ: «ترتب على الثورة الفرنسية إلغاء النظام الاقطاعي والملكية الاستبدادية والاعلان الشهير بعد الثورة والذي من مبادئه الاساسية أن الناس سواسية في الحقوق والواجبات، وأن حرية الفكر والعقيدة حق لكل مواطن. فكيف تتخذ فرنسا هذا المنحى اليوم؟».
اليوم فرنسا وغدا غيرها
وبينت «إن سكوت المسلمين عن هذا الأمر والسماح بتمرير هذا القانون على أخوات مسلمات لنا لا يعني أن الأمر سيقتصر على فرنسا فحسب؛ فاليوم فرنسا وغدا دول أخرى. ولن يقتصر على الحجاب فحسب؛ فاليوم الحجاب وغدا إيقاف بناء المساجد وكل مظاهر التدين».
وفي خطوة تصعيدية قالت: «ليكن نفسنا طويلا هذه المرة ولتأخذ مجموعة من الأخوات على عاتقهن الاستمرار في هذه القضية؛ فقد جرت العادة على أن نعتصم مرة أو مرتين أو حتى مرات عدة وننسى الموضوع، وقد جرت العادة أن نكتفي ببيانات واستنكارات وشجب ثم تتوقف تحركاتنا... لنواصل هذه المرة كفاحنا فالقضية قضية تمس الشرع، ولتتنوع الأساليب، ولتتوسع الاتصالات، ولتتكاتف الجهود... فكل ذلك أضعف الإيمان».
الأسباب وراء المنع
وتعتقد مرادي ان الاسباب الحقيقية وراء ذلك تعود الى أن «اليمين المتطرف ومعه الصهيونية العالمية وجدوا في تنامي وتصاعد الثقل العددي والمعنوي للمسلمين خطرا يهدد مصالحهم؛ فخلقوا ما يسمى بالإسلام فوبيا أي مرض الخوف من الإسلام مستغلين حوادث 11 سبتمبر/ أيلول 2001م. وأخذوا يخوفون المجتمع الفرنسي من الخطر القادم من الجنوب، وألفوا عدة كتب ضد الإسلام، وابتدأت الصحافة ووسائل الإعلام تتهجم على الإسلام والمسلمين وخصوصا بعد الهجوم الذي تعرضت له المعابد اليهودية في فرنسا. وأخذت هذه الأقلام تتهم الشباب المسلم بالإرهاب والعنف مطالبين بأن تستعيد العلمانية في فرنسا قوتها وهيبتها».
فرنسا تناقض نفسها
وبينت في معرض حديثها ان فرنسا تناقض نفسها بمنعها ارتداء الحجاب إذ إن «البرلمان الفرنسي في حال تبنيه لهذا القانون يكون قد ناقض المبادئ التي قامت عليها جمهوريته؛ إن الدستور الفرنسي لا يطالب المسلمين بأن يتحولوا من معتقدهم الديني إلى معتقد السلطة الحاكمة، بل العكس هو الصحيح فالعلمانية تفتح المجال لجميع البشر ليعتقدوا بما يريدون. والقانون المركزي الذي يحدد مفهوم العلمانية في الجمهورية الفرنسية هو قانون 1905م (ويسمى قانون الفصل بين الكنيسة والدولة)... هذا القانون ينص في بنده الأول على أن الجمهورية تضمن حرية الاعتقاد، وتمكن الجميع من ممارسة العبادات للديانات المختلفة، وفي البند الثاني منه يؤكد حيادية الجمهورية في المسائل الدينية».
فرنسا ليست نقية
وأشارت الى عدة محاور أولها: «ان فرنسا شأنها شأن كل دول العالم تراعي مصالحها الوطنية أولا وأخيرا. وان النظرة التقليدية لبعضنا تجاه هذه الدولة ليست في محلها؛ فقادة فرنسا ليسوا بمخلِّصين ولا بمنقذين لنا من الجور والظلم، ولا هم من حملة بيارق العدل في سمائنا». واستدلت على ذلك بنابليون إذ كان «أول من شجع اليهود للتحرك صوب فلسطين، وشاركت فرنسا في العدوان الثلاثي على مصر العام 1956م، وهي التي زودت (إسرائيل) بمفاعلاتها النووية، وهي التي استنزفت من الخزانة العراقية مليارات الدولارات ثم انقلبت على العراق عندما انضمت إلى عاصفة الصحراء بسرعة قياسية، وفي هذه الدولة استطاع اللوبي اليهودي أن يحاكم المفكر المسلم روجيه غارودي بحجة تشكيكه في المحرقة اليهودية». إلا انها تستدرك ذلك بقولها «وفي المقابل ولكي لا ننظر إلى الأمور بمنظار الأبيض والأسود فقط فإننا نقر أن سياسة فرنسا تغيرت كثيرا».
وأوضحت مرادي أن الإسلام يعتبر الديانة الثانية في فرنسا بعد الكاثوليكية، ويبلغ عدد المسلمين بين 5 و6 ملايين نسمة، وأكثر من 4 ملايين ينتمون إلى جنسيات عربية قدموا إلى فرنسا في الخمسينات من هذا القرن وأكثر من مليون أصولهم فرنسية. ويقدر عدد المساجد فيها بـ 1000 مسجد، كما أن بها 15 جمعية إسلامية. وقد تم تشكيل أول مجلس فرنسي للديانة الإسلامية هذا العام، وهذا المجلس يمثل جميع المسلمين وقد شارك في الانتخابات 992 مسجدا.
الجدل قديم
وتابعت: «الجدل بشأن موضوع الحجاب في فرنسا يرجع إلى أكثر من 10 سنوات، فقد زاد عدد القضايا والمشكلات التي أثيرت على الحجاب على 400 قضية، إلا أنها تجددت بعدما أثار وزير الداخلية الفرنسي في أبريل/ نيسان من هذا العام ضرورة نزع المسلمات حجابهن عندما يتعلق الأمر بتقديم صور إلى مراكز الشرطة لإصدار بطاقات الهوية. ثم حدث أن شكل الرئيس جاك شيراك لجنة لتقييم وضع العلمانية في المدارس والمناهج الدراسية وخصوصا بعد انتشار ظاهرة ارتداء الحجاب لدى الفتيات المسلمات. فكانت النتيجة أن دعم شيراك حظر ارتداء الحجاب على المدارس والمؤسسات الحكومية في فرنسا، ودعا البرلمان الفرنسي إلى تبني قانون يمنع العلامات الدينية في المدارس وأماكن العمل قبل بداية 2004م»
العدد 478 - السبت 27 ديسمبر 2003م الموافق 03 ذي القعدة 1424هـ