أصبح القطاع المصرفي اللبناني، وإطاره الرقابي الصارم والسياسات التي اعتمدها، محط اهتمام شتى المراجع الدولية والإقليمية خلال العام 2009، وذلك بسبب كثافة تدفّق رؤوس الأموال من الخارج في اتجاه لبنان، والفائض القياسي في ميزان المدفوعات، والارتفاع الكبير للودائع المصرفية، والطلب اللافت على النقد الوطني. وهذه مؤشرات إيجابية جدا وغير متوافرة لدى اقتصادات دول عدة في المنطقة والعالم، عرفت ظروفا انكماشية، خلفتها مفاعيل الأزمة المالية العالمية عموما.
وأثبت القطاع المصرفي اللبناني مناعة لافتة جدا حيال الأزمة الاقتصادية العالمية، فارتفع مجموع الموجودات المصرفية بمقدار 15.6 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2009، أي أكثر بنسبة 65 في المئة من النمو المسجل في الفترة نفسها من 2008، وهو أبرز أداء في المنطقة على الإطلاق، وأدى إلى ازدياد حصة لبنان في الموجودات المصرفية الإقليمية؛ إذ ارتفع مجموع الموجودات المصرفية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري بمقدار 67.7 مليار دولار، أي أقل بنسبة 69 في المئة، مقارنة بالفترة المماثلة من 2008، علما أن عددا من القطاعات المصرفية الإقليمية شهد تقلصا صافيا في الموجودات خلال هذه الفترة، في حين لم تصدر بعد تقارير آخر السنة التي تشمل الأداء المالي في الأشهر الثلاثة الأخيرة منها.
أما أسباب بقاء القطاع المالي اللبناني بمنأى عن الأزمة المالية العالمية، فهي عديدة ومتنوعة. أبرزها الإطار التنظيمي والرقابي الصارم من مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، والممارسات المحافظة للمصارف اللبنانية، التي تجعلها مصارف غنية بقاعدة الودائع، وتتمتع بسيولة مرتفعة وباستدانة متدنية، إضافة إلى عوامل اقتصادية هيكلية، مثل اطراد وفود رؤوس الأموال إلى لبنان، وطبيعتها غير المضاربية، التي تدعمها أحجام كبيرة من الوفورات الخارجية حول العالم. وقد شكّلت الإدارة والسياسات المتشددة للمصارف اللبنانية في ذاتها عنصر حماية لتلك المصارف في أحلك الأوقات، بحيث حافظت المصارف اللبنانية، على سبيل المثال، على مستويات مرتفعة جدا من السيولة، في فترة توافر السيولة فيها أساسا لراحة المودعين عموما. وبلغت السيولة الجاهزة 49 في المئة من ودائع الزبائن في سبتمبر/ أيلول ، وعلى رغم أن القروض المقدمة إلى القطاع الخاص تمثل ما يقارب حجم الاقتصاد الوطني في لبنان، فإنها تشكل جزءا صغيرا من الموارد المصرفية الكبيرة؛ إذ تبلغ نسبة الودائع إلى الناتج المحلي الإجمالي مقدار 293 في المئة في لبنان. وعلى هذا النحو، تبلغ نسبة القروض إلى الودائع 31 في المئة فقط في لبنان، وهي من أدنى النسب في العالم، ما يمثل في حد ذاته عامل مناعة، في فترة تخفض فيها الرافعة الاقتراضية للمصارف حول العالم.
وتعد ملاءة القطاع المصرفي من العوامل المؤثرة، إذ لاتزال المصارف اللبنانية تتمتع بمستوى جيد من الملاءة، بنسبة استدانة مقبولة جدا، في حين أعادت الأزمة المالية العالمية الأخيرة تأكيد أخطار ارتفاع الرافعة الاقتراضية لدى المصارف. وبلغت نسبة ملاءة القطاع المصرفي اللبناني المحتسبة أساس بازل 1 نحو 22.4 في المئة في لبنان، مقابل 16.1 في المئة للمنطقة، و 16 في المئة للأسواق الناشئة، و 15.5 في المئة عالميا.
يذكر أن نسبة ملاءة القطاع المصرفي اللبناني المحتسبة على أساس بازل 2 قد بلغت نحو 12.2 في المئة، وفق إحصاءات بنك داتا المجمعة، أي أعلى بشكل ملحوظ من النسبة المرجعية البالغة 8 في المئة.
لكن كل التقارير المالية تؤكد في المقابل أن صمود الأسواق المالية اللبنانية حية لا يعني مناعة مالية دائمة، في بلد لايزال يعاني بعض الاختلالات البنيوية. ويفترض، لتعزيز هذا الصمود على المدى الطويل، أن تباشر السلطات المعنية في الإصلاحات الهيكلية الضرورية، لتأمين توازن آمن لأوضاع المالية العامة، والتي تبقى مؤشر الهشاشة الأبرز في لبنان. وبعد ذلك، يمكن القول بثقة، إن لبنان بقطاعه المالي أصبح يعد نموذجا للمناعة المالية.
رئيس جمعية المصارف في لبنان يحذر من تفاقم الدين العام
بيروت - د ب أ
دعا رئيس جمعية المصارف في لبنان جوزيف طربية إلى «كسر الحلقة المفرغة للدين العام الذي يقارب 50 مليار دولار» والذي يشكل موضع الثقل في الأزمة المالية التي تعاني منها موازنة البلاد.
ورأى طربية في مقابلة مع صحيفة «المستقبل» اللبنانية نشرتها في عددها الصادر أمس (السبت) أن» جهود الحكومة يجب أن تركز على كسر هذه الحلقة المفرغة (من الدين العام) التي تنذر بتداعيات مؤلمة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي».
وأضاف طربية أن»تفاقم مشكلة الدين العام، الذي يقارب مجموعه 50 مليار دولار، يشكل موضع الثقل الأساسي في الأزمة المالية التي تعانيها موازنة الدولة، خصوصا أن خدمة هذا الدين باتت تستنزف الشريحة الأكبر من واردات الموازنة».
وشدد على «أهمية دور القطاع المصرفي الذي لديه احتياطي وصل حجمه إلى 110 مليارات دولار، أي ما يزيد عن 3.5 أضعاف الناتج المحلي، وهو يدير نحو 30 مليار دولار في الأسواق الخارجية». وقال طربية أن «تثبيت استقرار لبنان سياسيا وأمنيا، وتعزيز مسيرة الوفاق هي المهمة الواجبة الأولى لحكومة رئيس الوزراء سعد الحريري». واعتبر أن «المؤشرات الاقتصادية في لبنان، تواصل مسارها الإيجابي عكس تداعيات الأزمة العالمية، والأرقام تدل على ذلك سواء كان ذلك يتعلق بفائض ميزان المدفوعات، والتراكم القياسي في احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي». وأضاف أن «نسبة النمو قاربت 8 في المئة خلال العام الماضي، وكل التقديرات المحلية والدولية تؤكد أنه سيبلغ ذلك هذا العام، وهذه معدلات فائقة الإيجابية قياسا بمتوسطات النمو الاقتصادي دوليا وإقليميا مع الأخذ بعين الاعتبار أيضا الاختلالات السياسية الداخلية»
العدد 2669 - السبت 26 ديسمبر 2009م الموافق 09 محرم 1431هـ