لا يعتقد المحللون السياسيون أن أحدا يختلف في كون الحدث العراقي أهم الحوادث السياسية والاستراتيجية في العام الماضي 2003. بل إن بعضهم يذهب إلى أن ما يجري في العراق من تطورات وتموجات تمثل صفحة أخرى في تاريخ البشرية. وبات نظام الرئيس المخلوع صدام حسين الذي سقط في 9 أبريل/ نيسان من العام نفسه نموذجا مخزيا للأنظمة الشمولية الدكتاتورية وبسقوطه دقت نذر كل تلك النظم البالية في العالم. وبالنسبة إلى العراقيين فإن ما حصل في بلدهم يعتبر تحريرا بحسب استطلاعات الرأي، وسنة إلهية قضت أن يقتص الله من الظالم ولو بعد حين. وفي يوم اعتقال صدام حسين وقف عضو مجلس الحكم عدنان الباجة جي ليعلن عن انتهاء زمن «الخوف والرعب والمقابر الجماعية».
وسار الناس في مواكب فرح وأطلقوا النار في السماء ابتهاجا بإعلان اعتقال صدام ورقصوا «الدبكة» وبعضهم ألقى الأوراق النقدية التي تحمل صور الطاغوت على حد قولهم إيذانا بفجر جديد. إلا أن العراقيين وهم يستقبلون العام 2004 يدركون أنهم في «مرحلة مخاض عسيرة» خصوصا وانهم خرجوا من قبضة صدام للتو ليروا بلادهم محتلة وقرارهم رهن إرادة المحتلين. وعلى رغم اتفاق نقل السلطة الذي أبرمه مجلس الحكم الانتقالي العراقي مع قوات التحالف والذي يقضي باعطاء الحكم لحكومة عراقية في يونيو/ حزيران المقبل إلا أن كثيرا من العراقيين غير مطمئنين لأن تلك الحكومة لن تكون منتخبة انتخابا حرا مباشرا.
وإلى جانب مسألة السيادة تتراكم ملفات صعبة أهمها إعادة إعمار العراق، والمصالحة الوطنية، وإقامة نظام حكم تعددي ديمقراطي. وعلى مقربة من العراق تنفس الكويتيون في العام الماضي الصعداء فسقوط «أكبر طاغية عرفه التاريخ» بحسب تعبير وزير الإعلام الكويتي «سيكون له الأثر الإيجابي في العراق والمنطقة والعالم ككل» ورقص الكويتيون ونحروا الخراف عندما رأوا صور اعتقال صدام ما وصفه أحدهم بأنه «يوم تاريخي».
وباعتقاله تشفى صدورهم بعد ما ذاقوه من ويلات غزوه لبلادهم العام 1990 ويتلاشى هاجس الأمن الذي ظل يلاحقهم طوال ثلاثة عشر عاما. غير أن الكويتيين يدركون أن المسألة العراقية مسألة شائكة ومعقدة ولذلك فإنهم مازالوا وجلين، وما يؤكد ذلك تمسكهم بأوراق ضغط سياسية من مثل قضية الديون وتأجيل إقامة علاقات دبلوماسية مع بغداد. زعماء العالم العربي وعلى رغم معارضتهم الخجولة للحرب في العام الماضي إلى أنهم في شهره الأخير قالوا ما مفاده أن مستقبل الأمة العربية سيكون أفضل بعد صدام الذي جر عليها ويلات حربه مع إيران وغزوه للكويت ما أحدث شروخا في بناء الأمة.
في حين تنظر شعوبهم بشعور الريبة إلى الحضور الأميركي في العراق وإلى مجلس الحكم الذي عينه الأميركان. وألقت الحدث العراقي بظلاله على الغرب والشرق من دول العالم، فالدول التي عارضت الحرب - أبرزهم روسيا وفرنسا وألمانيا - تجد نفسها في موقع دفع الثمن، لأن الأميركان قالوها صراحة «إن عقود إعمار العراق لمن خاطر بالأرواح»، ولأن الأميركان لن ينسوا موقف المعارضين (دول الضد). ويشير مراقبون إلى أن دول الضد التي ألقت بثقلها إعلاميا ضد الحرب على العراق بدت تتعامل بدبلوماسية لرأب الصدع مع واشنطن
العدد 482 - الأربعاء 31 ديسمبر 2003م الموافق 07 ذي القعدة 1424هـ