العدد 483 - الخميس 01 يناير 2004م الموافق 08 ذي القعدة 1424هـ

النبي محمد (ص)... وافتراءات طالته بالجملة

تعدد الزوجات (2-2)

بعد حوادث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، شُنّت حملة على الإسلام وعلى نبي الإسلام في الولايات المتحدة التي سعت إلى إلصاق اللوم في تلك المأساة المروعة بالإسلام أكثر منه بسياستها الخارجية. ويبدو أن هناك قطاعا في المجتمع الأميركي هم المسيحيون البروتستانت يسعون - نتيجة ما قيل إن تسعة عشر مسلما فعلوه في هجمات واشنطن ونيويورك - لوصم الإسلام بأنه دين شرير، وبأن نبيه داعية عنف. ويشبه هذا المنهج إلقاء اللوم على المسيح عيسى بن مريم وعلى المسيحية فيما قيل إن هتلر فعله باليهود في المحرقة النازية، أو ما فعلته الملكة إيزابيل بالمسلمين واليهود في محاكم التفتيش الإسبانية، أو ما فعله الأميركيون للأميركيين الأفارقة من عبودية وعنصرية.

فمنذ هجمات 11 سبتمبر وقادة البروتستانت الأميركيون ينعتون نبي الإسلام بالإرهابي (انظر ما كتبه جيري فلوويل)، وبأنه «شهواني مزواج مولع بالنساء تزوج اثنتي عشرة زوجة». (راجع ما كتبه جيري فاين).

في هذه الحملات يحاول البروتستانت الأميركيون مواجهة التيار المتنامي لإقدام الأميركيين على اعتناق الإسلام. وبوصمهم النبي بأنه شهواني ومزواج يحاولون تشويه صورة الإسلام ومن ثم تثبيط الأميركيين العاديين الذين يتصفون بالانفتاح والتسامح عن القبول بالإسلام والتعايش مع المسلمين. ويأمل هؤلاء المسيحيون المتعصبون من وراء ذلك إلى الحد من تنامي أعداد المسلمين في الولايات المتحدة. فاستنادا إلى كثير من الباحثين، فإن الإسلام هو أسرع الأديان انتشارا في أميركا. إذ يُقبل على اعتناقه، وبشكل متزايد، أميركيون من قطاعات المجتمع الأميركي كافة ممن كانوا في معظمهم مسيحيين. وما يزيد من إحباط هؤلاء المسيحيين المتعصبين أنه في الوقت الذي يشهد الإسلام هذا الإقبال المتزايد من جانب المسيحيين على اعتناقه، فإن من يخرجون من الإسلام ويعتنقون المسيحية عدد هزيل للغاية ولا يكاد يُذكر.

إن موجة الكراهية من جانب المسيحيين البروتستانت هي مجرد حلقة في حملة مسيحية لتسفيه شأن النبي (ص) ورميه بأقذع النعوت. ودائما أساء مفكرو المسيحية لنبي الإسلام. ومن أشهر هؤلاء (دانتي) في (الجنة والجحيم) والتي يعتبرها الكثيرون ربما أبرز ما كُتب في الأدب الأوروبي في العصور الوسطى، وأحد أكثر الأعمال الأدبية تأثيرا في الحضارة الغربية. فقد جعل هذا المؤلف مرتبة النبي (ص) في قاع الجحيم.

وكان أول مفكر مسيحي ينفث سمومه على النبي (ص) (يولوجيوس قرطبة) وكان ذلك في القرن التاسع الميلادي إذ ألّف كتابا شن فيه حملة شعواء على النبي. ومن الكُتّاب المسيحيين الآخرين الذين أساءوا للمصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام (بطرس المبجل (أوف كلوني) و(ألكسندر ديو بونت). ومن الملائم هنا أن نقارن ما كتبه هؤلاء مع ما كتبه بعض الكتاب المسيحيين في عصر النهضة. فقد أشاد أحدهم وهو (لايبنيتز) في كتابه «ثيودايز» العام 1710م بالنبي عليه الصلاة والسلام بوصفه يدعو إلى دين ملائم لطبيعة الإنسان، وقال إن الإسلام يصف نفسه بأنه دين الفطرة.

أما فولتير فقد نشر في العام ألف 1756م كتابا اشتمل على فصل عن النبي (ص) وصف به النبي (ص) بأنه رجل حكيم، وفنان بارع، وقائد عسكري عبقري وإنسان ذو نظرة ثاقبة. ومن هنا يتضح لنا بسهولة لماذا أطلق على فولتير وصحبه مفكرون مستنيرون.

وفي الوقت الذي اعترف فيه معظم المفكرين المسيحيين بعظمة النبي (ص)، فإن كثيرا منهم نفثوا فيه سمومهم تماما كما يفعل المتعصبون المسيحيون المعاصرون. وعادة ما يكون منطلقهم في ذلك تعدد زوجات النبي ويقرنون ذلك بما يدّعونه من تحقير الإسلام من شأن المرأة. وغني عن القول إن المسلمين يرفضون قطعيا هذه المزاعم ويختلفون معها كُليّا.

كيف يسيء المسلمون إلى النبي (ص)

يأخذ المسلمون كل شيء فعله النبي على أنه وحي من عند الله ويسعون للاقتداء به. لكن عادة زواج الفتيات صغيرات السن من رجال مسنين لم تكن أبدا شائعة في المجتمع الإسلامي. ويبدو أن ثمة إجماعا غير معلن من جانب المسلمين على عدم الاقتداء بالنبي (ص) في هذا الأمر. ومن دون إغراق في النقاش فإنه يبدو أن المسلمين رفضوا هذا الوضع عن بكرة أبيهم. هل هذا مرده اعتقاد المسلمين بخطأ زواج الرجال كبار السن بالفتيات الصغيرات؟ إذا فكيف يكون الوضع إزاء القول إن كل ما جاء به النبي (ص) إنما كان بوحي من ربه ومن ثم يجب الاقتداء به؟ إذا لماذا لا نقلده ونزوج فتياتنا الصغيرات في سن المدرسة برجال يستعدون لبلوغ سن التقاعد؟ إن الإجابة عن مثل هذا السؤال تكمن في تراجع المنهج النقدي في الدراسات الإسلامية.

إن الإساءة الكبرى التي يرتكبها المسلمون في حق دينهم ونبيهم هي عدم تدقيقهم في المصادر التي يستقون منها دينهم. إن العلوم الدينية الإسلامية التي أصابها الاضمحلال في العصور الوسطى كانت تخلط بين الحفظ والتلقين، وبين الفهم، وبين حرفية النصوص، والعقيدة. وأدى هذا التوجه نحو المصادر الدينية إلى أن يسمح المسلمون بأن تتحول روايات باطلة وتفسيرات غريبة إلى عُمُد رئيسية للاعتقاد. ويمثل تعامل المسلمين عموما مع مسألتي تعدد الزوجات، وزواج النبي (ص) من عائشة مثالين صارخين لهذا التوجه. لماذا نلوم (جيري فاين) عندما يتهم النبي (ص) بالشهوانية، بينما المسلمون أنفسهم يقولون بذلك بل ويصدقونه منذ مئات السنين، وتنص على ذلك كتب الحديث بصورة واضحة؟ ولم يكن هناك أي نقاش نقدي من أي نوع لهذا الأمر. إذا كان هذا الأمر خطئا فيجب حذفه من كتب العقيدة، وإذا كان صحيحا فيجب على المسلمين أن يقدموا له تفسيرا ويعترفوا بأنه يمكن أن يكون مصدرا مشروعا للشك والريبة والقلق.

وفقا للمصادر الإسلامية فإن ثمة اختلافا بينّا في الروايات عن عمر السيدة عائشة عندما بنى بها النبي (ص). ففي مقال رائع بعنوان «هل كانت عائشة عروسا في السادسة من عمرها» في مجلة «المنار» عدد مارس/ آذار 1999 كتب تي. أو. شانفاس يقول «إن المصادر الإسلامية تظهر أن عائشة كانت بين الرابعة عشرة والحادية والعشرين عندما تزوجت النبي (ص). لقد حان الوقت ليُطل المسلمون من جديد على مصادر دينهم بمنظور نقدي ويحذفوا منها الروايات الباطلة وتلك التي تتنافى وتتعارض مع قيم الرحمة والتسامح والعدل التي هي ركن ركين من أركان العقيدة الإسلامية».

عن تعدد الزوجات والشهوانية

بوصفي مسلما مؤمنا ومفكرا في الوقت ذاته، فإنني أشعر بالحنق سواء من غير المسلمين الذين يتجرأون بالتعليقات الوضيعة على عقيدتي ورسولي الذي أحبه وأجله، أو من جانب المسلمين الذين سمحوا لمحدودية أفق معرفتهم بإفساد دين عظيم وللأفاقين بأن يرموا نبيه بهتانا. إن المسلمين بالتزامهم بتقاليد لا معنى لها يعافها العقل وتتجلى فيها المفارقات التاريخية قد حجبوا قوة الإسلام وجماله عن العيون، وحرموا أنفسهم والعالم من تذوق حلاوة رسالته.

إن المصطفى (ص) لم يتزوج أمهات المؤمنين لأنه لم يستطع مغالبة شهوته. فقد تزوج وهو في الخامسة والعشرين من عمره بالسيدة خديجة التي كانت في الأربعين ويعمل لديها بالتجارة. إن زواج الرجل بامرأة مستقلة اقتصاديا وأكثر منه ثراء وأوسع منه نفوذا لا يوحي بأنه كان من ذلك الصنف من الناس المعتد بذكورته المتعصب لجنسه. لقد كان محمد رجلا صاحب خلق عظيم وشرف رفيع ويحظى باحترام الجميع. وكان بوسعه أن يتزوج من شاء وما أراد من عدد، إذ كان بوسع الرجال في ذلك الوقت أن يتخذوا من الزوجات أي عدد أرادوا لأن ذلك كان علامة على تميز وضعهم وعلو مكانتهم. وفي زواجه (ص) من خديجة الذي استمر خمسة وعشرين عاما، خمسة عشر منها قبل البعثة وعشرة بعدها، ظل وفيا محبا لها. وأعتقد أن فترة الأعوام الخمسة والعشرين هذه هي مقياس ومعيار التزام النبي (ص) بفكرة الزوجة الواحدة. فهو لم يستجب لنداء غريزته في عنفوان شبابه وقت أن كان المجتمع يقبل بتعدد الزوجات واختار مع ذلك أن يكتفي بزوجة واحدة شاذا بذلك عن المجموع.

أما زواجه اللاحق بعد أن صار رئيس الدولة الإسلامية في المدينة فيجب أن يُنظر إليه في إطار سياسي أكثر منه في إطار عائلي ومنزلي. لقد كانت معظم هذه الزيجات لاجتذاب القبائل إلى الإسلام وترغيبها فيه عن طريق مصاهرة نبي الإسلام. كما كانت أحيانا للتسرية عمن فقدت بعلها (كأم سلمة رضي الله عنها)، وإجمالا فقد كانت جميع زيجات النبي بعد السيدة خديجة لها ظروفها الخاصة بوقت النبي (ص). وإذا اختار المسلمون إهمال خمسة وعشرين عاما قضاها النبي (ص) مع زوجة واحدة هي خديجة (رضي الله عنها)، واختاروا بدلا من ذلك اثني عشر عاما تعددت فيه زوجاته (ص)، كمرجع لقيم ومبادئ الإسلام، فإن ذلك يُشين المسلمين وينهض عليهم - لا على نبيهم - حُجة. إذا اختار المسلمون إهمال خمسة وعشرين عاما، وتذكر اثني عشر عاما فقط، فإن محمدا فعلا كان رجلا مزواجا. إن النبي (ص) هو ما نتذكره عنه فحسب لا ما فعل هو قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى.

لاحظ أن ما ذُكر عن أن السيدة عائشة كانت في السادسة عندما تزوجها النبي كان خطأ. لا يهم في الواقع كم كان عمرها. إن على المسلمين أن يخرجوا من إسار الفهم المفرط في التبسيط للمصادر التي يستمدون منها دينهم، وأن يتبعوا نهجا مستنيرا لرؤيتهم للدور الذي يمكن أن يلعبه الدين في حياتهم. إن نصيحتي هي الالتزام القوي بأسس الإسلام الأساسية: العدل والمساواة والرحمة والرأفة والطهارة، والاستعانة بهذه المبادئ كمشاعل تقودنا لتفسير وقائع تاريخية محددة ونصوص معينة ونحن نعيد كتابة سيرة نبينا واكتشاف إسلامنا من جديد.

والسبب في أن مسائل مثل علاقة النبي (ص) بالمرأة تجد اهتماما مغرضا ولا لزوم له هو أن وضع المرأة في المجتمعات الإسلامية يندى له الجبين فعلا. فالفرص المتاحة أمام المرأة في التعليم وخوض غمار الحياة العامة تظل أقل بكثير من الفرص المتاحة للرجال. ونصيبها من الموارد الأُسرية والاجتماعية لا يُقارن بذلك الذي يحصل عليه الرجل من فرط ضآلته. وبغض النظر عن علاقة النبي (ص) بالمرأة، فإن على المسلمين أن يدركوا أنه إذا كان لمجتمعاتهم أن تتسم بقدر أكبر من المساواة والتطور والعدالة، فلا يمكن لنصف المجتمع أن يلغ في الفقر والانحطاط، بينما النصف الآخر يرفل في النعيم. فالنبي (ص) ما كان ليدع ذلك يحدث أبدا

العدد 483 - الخميس 01 يناير 2004م الموافق 08 ذي القعدة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً