العدد 483 - الخميس 01 يناير 2004م الموافق 08 ذي القعدة 1424هـ

في صفات أنبياء الله... من كلام أمير المؤمنين علي (ع)

لقد كان في رسول الله (ص) كافٍ لك في الأسوة (1). ودليل لك على ذمِّ الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووُطِّئت لغيره أكنافها (2)، وفُطم عن رضاعها، وزُوِيَ عن زخارفها. وإن شئت ثنّيتُ بموسى كليم الله (ع) إذ يقول «رب إني لِمَا أنزلت إليّ من خير فقير» والله ما سأله إلا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، وتَشَذُّبِ لحمه (3). وإن شئت ثلّثتُ بداوود (ع) صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده (4)، ويقول لجُلسائه أيكم يكفيني بيعها. ويأكل قرص الشعير من ثمنها. وإن شِئتَ قُلتُ في عيسى بن مريم (ع)، فلقد كان يتوسّدُ الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب. وكان إدامُهُ الجوع، وسراجه بالليل القمر. وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها (5)، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم. ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله. دابَّته رجلاه، وخادمه يداه. فتَأَسَّ (6) بنبيك الأطهر (ص)، فإن فيه أسوة لمن تأَسَّى، وعزاء لمن تعزّى. وأحب العباد إلى الله المتَأَسِّي بنبيه والمقتصُّ لأثره. قضم الدنيا قضما (7)، ولم يعرها طرفا، اهضم أهل الدنيا كشحا (8) واخمصهم من الدنيا بطنا. عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها. وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه، وحقر شيئا فحقره، وصغّر شيئا فصغّره. ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله ورسوله وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله لكفى به شقاقا لله ومحادّة عن أمر الله (9). ولقد كان (ص) يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله (10)، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري ويردف خلفه. ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التصاوير فيقول يا فلانة - لإحدى أزواجه - غيّبيه عني فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها (11). فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتخذ منها رياشا (12)، ولا يعتقدها قرارا ولا يرجو فيها مقاما، فأخرجها من النفس، وأشخصها عن القلب (13)، وغيّبها عن البصر. وكذا من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده.

ولقد كان في رسول الله (ص) ما يدلك على مساوئ الدنيا وعيوبها. إذ جاع فيها مع خاصته (14)، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته. فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمدا بذلك أم أهانه؟ فإن قال أهانه فقد كذب والعظيم، وإن قال أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه. فتأسى متأسٍّ بنبيه (15)، واقتصَّ أثره، وولج مولجه، وإلا فلا يأمن الهلكة فإن الله جعل محمدا (ص) عاما للساعة (16)، ومبشرا بالجنة، ومنذرا بالعقوبة. خرج من الدنيا خميصا (17)، وورد الآخرة سليما. لم يضع حجرا على حجر حتى مضى لسبيله، وأجاب داعي ربه. فما أعظم منّة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتبعه، وقائدا نطأ عقبه (18). واللهِ لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها (19). ولقد قال لي قائل ألا تنبذها؟ فقلت اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السُّرى (20).

الهوامش:

(1) الأسوة: القدوة. (2) الأكناف: الجوانب، وزوى أي قبض. (3): الصفاق - ككتاب - هو الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو هو ما بين الجلد والمصران أو جلد البطن كله. والتشذب: التفرق. وانهضام اللحم: تحلل الأجزاء وتفرقها. (4) السفائف - جمع سفيفة - وصف، من سف الخوص إذا نسجه، أي منسوجات الخوص. (5) ظلاله - جمع ظل - بمعنى السكن والمأوى ومن كان كنه المشرق والمغرب فلا كن له. (6) تأس: أي اقتد. (7) القضم: الأكل بأطراف الأسنان، كأنه لم يتناول منها إلا على أطراف أسنانه ولم يملأ منها فمه، أو بمعنى أكل اليابس. (8) أهضم من الهضم: وهو خمص البطن أي خلوها وانطباقها من الجوع. والكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف. وأخمصهم: أخلاهم. (9) المحادة: المخالفة في عناد. (10) خصف النعل: خرزها، والحمار العاري ما ليس عليه برذعة ولا اكاف، وأردف خلفه: أركب معه شخصا آخر على حمار واحد أو جمل أو فرس أو نحوها وجعله خلفه. (11) في هذا دليل على أن الرسم على الورق والأثواب ونحوها لا يمنع استعماله، وإنما يتجافى عنه بالنظر تزهدا وتورعا. (12) الرياش: اللباس الفاخر. (13) أشخصها: أبعدها. (14) خاصته: اسم فاعل في معنى المصدر أي مع خصوصيته وتفضله عند ربه. الزلفة: منزلته العليا من القرب إلى الله. وزوى الدنيا عنه: قبضها وأبعدها. (15) فتأسى: خبر يريد به الطلب أي فليقتدِ مقتد بنبيه. (16) العلم - بالتحريك - العلامة أي أن بعثته دليل على قرب الساعة إذ لا نبي بعده. (17) خميصا: أي خالي البطن، كناية عن عدم التمتع بالدنيا. (18) العقب - بفتح الكسر - مؤخر القدم، ووطوء العقب مبالغة في الاتباع والسلوك على طريقة نقفوه خطوة خطوة حتى كأننا نطأ مؤخر قدمه. (19) المدرعة - بالكسر - ثوب من صوف. (20) اغرب عني: اذهب وابعد، والمثل معناه إذا أصبح النائمون وقد رأوا السارين واصلين إلى مقاصدهم حمدوا سراهم وندموا على نوم أنفسهم، أو إذا أصبح السارون وقد وصلوا إلى ما ساروا إليه حمدوا سراهم وإن كان شاقا إذ أبلغهم إلى ما قصدوا. والسرى - بضم ففتح - السير ليلا

العدد 483 - الخميس 01 يناير 2004م الموافق 08 ذي القعدة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً