شكل 14 فبراير/ شباط من العام 2002 محطة فاصلة في مستقبل المشروع الإصلاحي الذي دشنه عاهل البلاد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والذي تمثل في إخراج دستور جديد للمملكة، تباينت بشأنه ردود الفعل بين القوى السياسية الفاعلة على الساحة، منتدى «الوسط» يستعرض آراء كل من رئيس جمعية الإصلاح الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة، عضو المجلس الوطني المنحل في العام 1975 محسن مرهون، الناشطة الحقوقية جليلة السيد، والمحامي محمد أحمد.
* هل استندت في تغيير وجهة نظرك بشأن دستور 2002م إلى القواعد التيار الإسلامي السني التي اعتادت القول نعم للحكومة في كل شيء، وأنت محام أيضا وقد يفرض عليك القانون التزامات معينة في ذلك؟
- الشيخ عيسى: أعتقد بالموقف الذي درس من جهة المنبر الوطني الإسلامي، وتم إصدار بيان بشأنه، وقد أشار إلى عدم رضا «المنبر» عن دستور 2002 ولكن قالوا إننا سندخل تجربة البرلمان، يعني أن مصلحة البحرين أن ندخل التجربة.
* ولكن عفوا، هل تقصد مصلحة البحرين أم مصلحة التيار الإسلامي السني؟
- الشيخ عيسى: أعتقد أن كل فرد يبحث عن مصلحة البلد عن طريق مصالحه، فإذا الكتلة دخلت التجربة البرلمانية ولم تبق خارجها، وبالتالي إلى هذا اليوم لا تستطيع أن تقول إن هناك أزمة دستورية، وفي ضوء ذلك عبرنا عن موقفنا من المؤتمر الدستوري الذي دعا إليه التحالف الرباعي في فبراير المقبل.
«الشورى» ضد الحكومة
* ما تعليقك على ملاحظات المحامين؟
- الشيخ عيسى: سأتحدث عن واقع، وهو أن مجلس الشورى المعين وقف ضد الحكومة في أمرين لم يقفهما المجلس المنتخب في هذا العام، الأول هو قانون الصحافة الذي ناقشه مجلس الشورى برئاسة رئيس اللجنة إبراهيم بشمي وأحاله إلى الحكومة، وهو ضد إرادة الحكومة، والموقف الآخر نقاش المجلس مع الطب الخاص وموضوع وزير الصحة، واتخذ المجلس المعين موقفا صلبا. وفي دستور 2002 مجلس الشورى مكمل، أي لا وجود له في حال ذهاب مجلس النواب، ولو تم حل مجلس النواب في أية لحظة سينتهي دور مجلس الشورى، والحكومة من خلال هذا المجلس تريد أن تؤمّن نفسها في الخطوات الأولى للتجربة البرلمانية الحالية.
* وهل هذا جائز؟
- الشيخ عيسى: قد تكون مصلحة البلد تقتضي ذلك، من رؤيا النظام القائم بأنه لا يريد أن يكرر موضوع الحل، وفي الكويت ربما حل مجلس الأمة الكويتي لعشر مرات!
* هل تستطيع التعليق على ما طرحته المحامية جليلة السيد من قضايا فصل السلطات مثلا؟
- الشيخ عيسى: أنا أميل في حال تعديل دستور 2002 لما يتطلبه رقي هذا الشعب و يجب أن نتطلع إلى شيء سليم لا عيب فيه. والتجربة خير برهان، وقد طرحنا في نقاشاتنا إمكان أن يستمزج جلالة الملك آراء رؤساء الكتل السياسية في خفض عدد أعضاء مجلس الشورى إلى النصف مستقبلا، لنقترب من موضوع الحقوق الفردية التي تحدثت عنها الزميلة السيد.
أمر واقع
* بعض المحامين قدموا تجربة يعتبرها البعض نموذجا في التعاطي مع الوضع القائم الذي لا يرون صوابه، وذهبوا إلى المحكمة وطعنوا في ثلاثة مراسيم يرونها غير دستورية، علما بأنهم يتحفظون على الآليات التي تعمل بها السلطة القضائية حاليا؟
- محمد أحمد: هناك ملاحظة أود الإشارة إليها قبل التحدث عن موضوع الطعن في المحكمة الدستورية، وتتعلق تلك الملاحظة بتأكيد الشيخ عيسى تمسكه بموقف المنبر الوطني الإسلامي عشية صدور دستور 2002م الذي قال فيه ان هذا البيان عبر عن عدم رضا المنبر الوطني الإسلامي عن الدستور الجديد ولكنه قال إننا سنشارك، لكن الأمرين مختلفان تماما، فأن تحدد موقفا من الدستور... هذا شيء، وان تحدد التعامل مع آلياته وهذا شيء آخر، والموقف الآخر المشاركة في الانتخابات النيابية... هذا موقف سياسي، ولكن الموقف المبدئي هو أن المنبر الوطني الإسلامي لا يقبل بدستور 2002 ولديه ملاحظات عليه، وعبر عن عدم الرضا، وأنا لدي سؤال: ما هي غاية الحكم في أي مكان في العالم أن يحكم مواطنوه بدستور لا يرتضونه سواء شاركوا في المجلس النيابي أو قاطعوه؟ وقد أشرت منذ قليل إلى أن غالبية المطويات للذين شاركوا في التجربة البرلمانية - فضلا عن الذين قاطعوها - أشارت إلى ضرورة إجراء تعديلات دستورية. أما بالنسبة إلى تعاملنا مع المحكمة الدستورية فهو وليد النص الدستوري الذي لا اقبله.
* ولكنك في الوقت ذاته ترفض التعامل مع البرلمان، أليست هناك انتقائية؟
- محمد أحمد: ليست هناك أية انتقائية، فالموضوعان مختلفان تماما بشكل كامل. لقد ترافع الشيخ عيسى بن محمد أمام محكمة أمن الدولة وتعلمت منه، والمحامي محسن مرهون ترافع أمام محكمة امن الدولة وتعلمت منه أيضا، وأنا وجليلة ترافعنا أمام المحكمة ذاتها، ولم يقبل الشيخ عيسى ولا محسن مرهون ولا جليلة ولا محمد احمد محكمة امن الدولة والقانون الذي صدر بتشكيلها، وما أضيف على قانون العقوبات. وكل هذه الدعاوى التي حضر أو ترافع فيها المحامون كانت من أوائل الدفوع التي أبديت فيها عدم دستورية تشكيل هذه المحكمة، ونأتي إلى واقع آخر عايشناه في ظل الأمر الأميري رقم 4 لسنة 1975م، وهو الذي أعطى الأمير ومجلس الوزراء سلطة التشريع، وأصدرت طوال الـ 26 سنة الماضية كل هذه القوانين، وتعاملنا معها باعتبارها أمرا واقعا، لكني عندما ألجأ إلى القضاء اليوم وادفع بعدم دستورية هذه المراسيم الثلاثة لأنني متقاض لا املك خيار الذهاب إلى أية محكمة أخرى؛ إذا أين اذهب بدعواي طالما أن هذا الواقع فرض علي وأنا أول - ولا ادعي الفضل - من أبدى ملاحظات ربما تكون قاسية على المقاربة الدستورية بتشكيل المحكمة الدستورية واختصاصاتها؛ لأنها تحولت في الحقيقة إلى لجنة استشارية، لأنه في حال عرض عليها جلالة الملك قانونا مرفوعا إليه من السلطة التشريعية بعد إقراره، فلهذه المحكمة أن تبدي رأيا ويكون بمثابة الحكم الذي يقضي في نزاع، والمحصلة هي أن الموقف من دستور 2002 هو موقف سياسي أؤكد فيه حقي كمواطن في عدم القبول وعدم الإقرار بشرعيته، وبالنسبة إلى الذهاب إلى المحكمة فأنا أمارس حقا وان تقرر بموجب هذا الدستور.
* أليس الذهاب إلى البرلمان هو حق أيضا؟!
- محمد أحمد: الذهاب إلى البرلمان يعني أن أقيد نفسي بالآليات التي وضعها دستور 2002، وأكون عاجزا تماما، وهناك غاية أخرى من الذهاب إلى المحكمة وهي أن الجدال الذي يدور بيننا وبين الحكومة والنيابة يثبت على نحو قاطع أن الحكم عندما فرض هذا الدستور هو أول من خالفه، فحتى هذا الدستور الذي أنشأ سلطة تشريعية قاصرة عن أداء وممارسة وظيفتها في التشريع والرقابة، هذه السلطة سحب منها الاختصاص بإصدار 50 قانونا تحدد كل مفاصل الحياة في البلد بدءا من قوانين السلطة القضائية والإجراءات الجنائية وقانون الصحافة والطباعة والنشر، وما ترك للسلطة التشريعية المغلوب على أمرها هو ما نسمع عنه اليوم.
- جليلة السيد: هناك أمران، فممارسة الحق السياسي تحتمل أن تشارك وان تقاطع فكلاهما ممارسة للحق السياسي، وأنا ليس لدي غير الجهاز القضائي لأطلب فيه تحقيق العدالة، وليس لدي أن ابتدع محاكم لوحدي، ولكن حقي في أن أطلب النصف من العدالة لا يكون إلا من المؤسسات القضائية؛ لان الدولة تحتكر تنظيم القضاء.
* هل المشاركة السياسية في الانتخابات خطيئة؟
- السيد: أنا لا استطيع أن أجيبك بنعم أو لا، لكن دعني أجيبك كما اعتقد وكما هي قناعاتي، فانا اعتقد انه منذ صدور دستور 2002 دخلنا في أزمة، وكل الجالسين على هذه الطاولة لا يرتضون هذا الدستور، وكل الإشارات المباشرة وغير المباشرة وصلت إلى السلطة الحاكمة أن هذا الدستور غير مقبول شعبيا، وخلافي ليس مع المنبرين الوطني والإسلامي بل نحن مختلفون في مسألة وطنية.
* لماذا تنظرون نظرة سلبية إلى المشاركين في التجربة البرلمانية؟
- السيد: أعتقد أن ما تقوله إن تابعته يدق في إسفين شق الشارع وشق الصف الشعبي، فكما أنت تقول إننا نخون من دخل كذلك الذين دخلوا يعتبروننا جامدين، ويعتبروننا غير مرنين وقاعدين عن أداء واجب وطني ومتخلفين عن مسيرة التطوير الحضاري الشامل للمجتمع، وهذه الكلمات كلها اقتبستها من أقوالهم في الصحافة المحلية، واعتقد أن الصف الشعبي لو توحد في موقف واحد أمام السلطة عندما صدر دستور 2002 ليؤكد ويبدي اعتراضه على هذا الدستور لتغير الموقف.
* لكنك تتهربين من الجواب؟
- السيد: أعتقد أن من حق أي إنسان أن يقتنع بما يشاء، وأنا اختلف معهم في الرأي لكني احترم أن يكون لهم رأيهم.
«الاستفتاء» مخرج محتمل
* إذا ما هو المخرج من هذه الإشكالية التي نحن فيها الآن؟
- مرهون: كما قلت لك من البداية أنا انظر إلى المسألة إلى جانب نظرتي الدستورية، فأنا لا اختلف مع أخوي السيد وأحمد في كامل أطروحاتهما، واتفق معهما في غالبية تلك الاطروحات، التي تفيد بأن دستور 2002 قاصر وقد تراجع عن ثوابت ميثاق العمل الوطني، ولكن هو ليس بذلك القصور الذي نقارنه بدستور 1973م؛ لأن كلا الدستورين يحتويان على نصوص مهلكة، وأنا عندما أتحدث عن الفعل السياسي فلا انظر إلى الحياة أما ابيض أو اسود.
لكن الحل هو من خلال النصوص الدستورية، يجب أن ننتبه إلى أن دستور 2002 لم يضع الإشكاليات للإخوة فقط بل حتى المشاركين في التجربة البرلمانية كانت أمامهم عقبة كبيرة وهي منع إمكان تعديل نظام المجلسين، وأنا حينما افهم نظام المجلسين أرى فيه ليس فقط مبدأ المجلسين بل آلية متكاملة، واعتقد أن الإخوة المقاطعين يفهمون المسألة؛ لذلك فان النقاشات بشأن المؤتمر الدستوري طرحت حلا وهو: أن تأتي التعديلات بمكرمة ملكية على اعتبار أن هناك طريقا مسدودا لن يجد طريقه إلى الحل إلا بإرادة ملكية، وقد قرأت مرئيات الناشط حسن مدن وهو إلى حد ما يعترض على آلية التعديلات بإرادة ملكية، وبحسب وجهة نظري انه علينا أن نعمل جميعا مقاطعين ومشاركين ويجب أن نناضل من اجل تعديلات دستورية تقوم القواعد الدستورية الصحيحة، ولكن هذه الآلية لا يمكنها أن تأتي إلا من خلال توافق بين مؤسسة الحكم المتمثلة في الملك وممثلي الشعب، ودستوريا ليس بالإمكان تعديل الآلية من داخل المجلس الوطني الحالي إلا من خلال التوافق الوطني.
وهناك مخرج دستوري إلى حد ما من نصوص الدستور ذاته، وهو موضوع الاستفتاء الشعبي العام، إذ اتاح للملك أن يستفتي الشعب في المسائل المهمة وبالتالي أنا أرى انه حل واقعي في حال توافق مؤسسة الحكم مع القوى والفعاليات السياسية على إجراء تعديلات معينة ترتقي بهذا الدستور إلى ما نطمح إليه، وان هذه التعديلات يستفتى بها الشعب، وأنا واثق تماما أن الشعب سيوافق على هذه التعديلات، وفي حال موافقة الشعب عليها تعتبر ملزمة، وهذه المادة هي 43 «للملك أن يستفتي الشعب في القوانين والقضايا الهامة».
* وما هي الصعوبات التي تحول دون إجراء هذا الحل؟
- مرهون: الإرادة الملكية ضرورية وجوهرية؛ لأن للملك وحده حق اقتراح الاستفتاء بالتوافق مع القوى السياسية.
- جليلة السيد: أعتقد أن الحل المطروح بالاستفتاء أمر وان كانت تبدو عليه الوجاهة، لكنه امر بحاجة إلى الكثير؛ لأن الدستور ذاته لا يحدد على سبيل المثال الحد الادنى للمشاركين في الاستفتاء، كذلك نحن إذا أردنا تطبيق تجربة الاستفتاء على الميثاق وما واكبها من مكرمات واثارات إعلامية ومواكبة للتطوير اعتقد انه سيكون من الصعوبة بمكان الركون والتسليم بآلية الاستفتاء، وأنا لا أقول إنني ارفضها بالكامل ولكن لدي هواجس فيما يتعلق بها، وما أردت قوله إنني أوافق الأخ محسن مرهون على أنه أي حل أن يدخل من باب التوافق الرسمي والشعبي، وما قلته في البداية انه إزاء الإجماع الشعبي على عدم قبول هذا الدستور منتظر من السلطة الحاكمة أن تتجاوب مع هذا الوضع، وفي حال حصرنا أنفسنا في البحث عن الحل بين طيات دستور 2002 فنحن نكون قد ضيعنا فرص الحل على أنفسنا، وأنا اقترح أن تفتح السلطة الحاكمة أبواب حوار جاد مع فئات الشعب كافة وجميع القوى السياسية؛ لأن أساس المشروع الإصلاحي هو التعامل مع حال احتكار السلطة التي دامت ربع قرن، وخلفت هذا الكم من المآسي والاحتقان السياسي واللا عدالة الاجتماعية.
نختبر الحكومة
- الشيخ عيسى: التصريح الصحافي الذي تفضل به جلالة الملك أخيرا، تحدث عمن هم داخل البرلمان ومن هم في خارجه، وقال: «إن الذين لا يشاركون يخسرونا ونخسرهم»، إذا ليس هناك من طريق للحل سوى من داخل البرلمان، والإخوة يرون ذلك مستحيلا، وأنا سأجرب هذه الاستحالة، وسندخل باقتراحات على مختلف المؤاخذات التي عليه من قبيل التعيين والتعديلات واللوائح الداخلية لمجلسي الشورى والنواب، فهل هناك استجابة حكومية؟ ونحن الآن نختبر الحكومة التي علمت الرغبات جميعها، ولم تجب عن غالبيتها.
- مرهون: نحن هنا إذا نتكلم عن ضرورة تعديل دستوري الجميع يتحدث عن أهميته من مشاركين ومقاطعين
العدد 485 - السبت 03 يناير 2004م الموافق 10 ذي القعدة 1424هـ