لا أبلغ من الصورة في نقل الحدث، فنية، تشكيلية، أم فوتوغرافية، الحال سواء، ولا أكثر قدرة منها على تثبيت الأفكار، والقيم والمفاهيم وما شاء مبدعها من الثيمات. هكذا فإنه لا أفضل لنقل فكرة كالمساواة وحرية التعبير عن الرأي مثلا من لوحة يقف فيها رجل متسخ الثياب رثُها، وسط جمهور من مرتدي أربطة العنق، شامخ الرأس منتصب القامة يتحدث فيما يصغي له الجميع باهتمام واضح، على الأقل فإنه لا أبلغ من تلك صورة في نقل مبدأ حرية التعبير على الطريقة الأميركية.
هذه اللوحة التي أبدعها الفنان الأميركي نورمان روكيل والتي تنقل ببلاغة مذهلة ما لا يمكن لأي خطاب إيصاله مهما بلغت فصاحته، هي واحدة من سلسلة لوحات رسمها روكويل العام 1943 تحت عنوان «الحريات الأربع»، طافت في عام تقديمها 16 مدينة أميركية. ثم جالت بعدها كل مدن أميركا صغيرها وكبيرها، وصلت لكل مدارسها وكل مكتباتها العامة. وهي لن تجول مدن أميركا وولاياتها وحسب لكنها بعد ذلك ستطوف العالم بأسره، وستصل أخيرا إلى البحرين التي تشكل محطتها الخمسين عالميا.
عنوانها «حرية التعبير» وهي واحدة من اللوحات التي تجبرك على التوقف أمامها خلال تجوالك في معرض «أميركا في صور» الذي تنظمه السفارة الأميركية بالتعاون مع وزارة الثقافة والإعلام في الفترة من 16 يناير/ كانون الثاني حتى 17 فبراير/ شباط المقبل بصالة الفنون في متحف البحرين الوطني، وكانت وزيرة الثقافة والإعلام الشيخة مي بنت محمد آل خليفة افتتحته مساء السبت الماضي.
«الوسط» جالت المعرض وأجرت لقاء مع باربرا بايز مديرة مشروع المعرض والمسئولة عن تنظيمه في البحرين، والتي تتولى منصب مدير البرامج الوطنية بالمؤسسة الوطنية للدراسات الإنسانية في أميركا الجهة التي أبدعت المشروع. والمؤسسة وكالة مستقلة تدعمها حكومة الولايات المتحدة الأميركية وتتلخص مهمتها في دعم الأبحاث والبرامج في مجال العلوم الإنسانية.
يضم المعرض 40 عملا فنيا تتنوع بين الصور الفوتوغرافية ولوحات الفن التشكيلي التي تم انتقاؤها بعناية بالغة لتقدم أهم المحطات في تاريخ أميركا طوال قرون، وجميعها تمثل نتاج أشهر الإبداعات الأميركية في مجالات الفن التشكيلي، أو التصوير الفوتوغرافي أو الهندسة أو النحت. وتشير بايز إلى أن مشروع المعرض ليس سوى تطوير لمشروع سابق كانت المؤسسة طبقته في عدد من المدارس الأميركية، إذ توضح كان لدينا مشروع صغير هو مشروع «رف الكتب» نتبرع فيه في كل عام لمكتبات المدارس والمكتبات العامة برف يحوي 15 كتابا متنوعا في موضوعاته لكنه يأتي في كل عام ليغطي ثيمة من الثيمات التي تقوم عليها الحضارة الأميركية، كثيمة العدالة أو المساواة أو السعادة أو غير ذلك.
«من هذا المشروع جاءت فكرة نقل هذه القيم الأميركية عبر فنون الرسم والنحت والتصوير وما إلى ذلك من فنون إنسانية، وهكذا جئنا بمشروع (أميركا في صور) الموجه لطلبة المدارس والذي نسعى من خلاله لتعليم الطلبة الأميركان تاريخ بلادهم ونعرفهم بالأشخاص الذين صنعوه ونتوقف معهم عند المحطات المهمة والحاسمة في هذا التاريخ، كما نفتح لهم بوابة تأخذهم إلى آفاق أوسع في العلوم الإنسانية الأخرى».
بداية، كان هدف المشروع، كما تفيد بايز «تعزيز عملية تعليم وتعلم القيم والمفاهيم الأميركية وتثبيتها في نفوس الطلبة الأميركان» لكن هذا المعرض اليوم وبعد تجواله في أكثر من 50 بلدا، البحرين آخرها حتى الآن، أصبح واحدا من أدوات الترويج لمفاهيم الديمقراطية الأميركية ولكل القيم والمثل التي قامت عليها هذه الديمقراطية. وتؤكد «هذه اللوحات والأعمال الفنية لا تشكل مرجعا لمادة الفنون والتاريخ وحسب، بل إنها تساعد المعلمين في تعليم الطلبة العلوم الاجتماعية والأدب والعلوم والرياضيات وحتى دروس اللغات».
ثم تفيد «نقوم من خلال هذا المشروع بعمل نسخ شبه حقيقية ذات جودة عالية وبحجم مماثل للحجم الحقيقي لبعض التحف الفنية النادرة التي تصور هذا التاريخ، كما نقوم بتوزيع كتيب يحوي معلومات عن كل عمل في المجموعة وذلك ليشكل مرجعا للمعلمين».
وتواصل «إننا نسعى لأن نجعل الأميركان يقدرون تراثهم الإنساني ويفهمون حقوقهم وواجباتهم كمواطني أميركا. هذه الفنون تعبر عن القيم الخالدة والمميزة للشعب الأميركي والشخصية الأميركية والتي تشكل الأسس التي قامت عليها أميركا».
لعل أهم ما يميز المعرض هو الكيفية التي يتم بها توزيع الأعمال الفنية في مجموعات ترتبط موضوعاتها وثيماتها وما تقدمه من معلومات بعضها بالآخر.
تقول بايز «الطريقة التي يتم بها توزيع الصور في المعرض هي الأهم، فأنت تضع الصور التي تخدم ثيمات مترابطة إلى جانب بعضها. للوهلة الأولى قد لا يبدو بين هذه الصور الأربع مثلا أي ترابط لكنك حين تتوقف قليلا وتدرس كل واحدة على حدة ستعرف سبب وضعها في مجموعة واحدة».
وتضيف موضحة فيما تقف على بعد أقدام من لوحة زيتية على الكانفس تصور بورتريه للناشط وصاحب المواقف الوطنية الشهير الفنان الأميركي بول ريفيير الذي عاصر الثورة الأميركية وكان له دور كبير في معركتي ليكسنغتون وكونكورد الشهيرتين، تقول «هذا المعرض في واقع الأمر يستكشف تاريخ أميركا وقيم ديمقراطيتها بطريقة مبتكرة، فهذه المجموعة التي تضم بورتريه ريفيير الذي رسمه الفنان الأميركي جون سينغلتون كوبلي العام 1768 وهي نسخة مأخوذة من لوحة معروضة في متحف الفنون الجميلة في بوسطن، تضم لوحة أخرى تصور الرحلة التي كان يقوم بها بول ريفيير في منتصف الليل ليقوم بواجبه الوطني وهي لوحة زيتية على ماسونايت من إبداع الفنان الأميركي غرانت وود الشهير بلوحاته التي تصور المناطق النائية في أميركا. واللوحة الأصلية معروضة في متحف الميتروبلويتان للفنون».
هذه المجموعة، المنسقة على الحائط الواقع على يسار الداخل لصالة الفنون حيث يقام المعرض، تضم أيضا لوحة تصور بعض الأعمال الفضية التي أبدعها بعض الفنانين الأميركيين من معاصري ريفيير ومن بينها أعمال لريفيير نفسه ربما، وتعلق بايز «هكذا نعرف أن ريفيير إلى جانب بطولاته الوطنية كان أيضا صائغ فضة ونحاسيات». وتضيف بايز «كل واحدة من هذه الصور يمكن لها أن تتحدث عن موضوعات كثيرة، لوحات تتحدث عن ريفيير كشخص وطني، وأخرى تعرض نتاجه كفنان، وثالثة تتحدث عنه كناشط إنساني كان يهتم بحقوق العمال. يمكن أن نتعرض لحياة بول ريفيير عبر هذه اللوحات الأربع، ويمكن أن نتحدث عن الأسلوب الذي رسمت به. هنا درس فن ودرس تاريخ ودرس أدب، بل إن عنوان اللوحة التي يجول فيها بول بحصانه هو عنوان قصيدة شهيرة».
ثم تقول «كذلك في القسم الذي يستعرض قيم ومثل الديمقراطية الاميركية نجد لوحة تصور انتخابات المقاطعة قدمها الفنان جورج بينغام في العام 1852، إلى جانبها لوحة حرية التعبير الشهيرة لنورمان روكويل وعلى بعد أقدام من هاتين اللوحتين ستجد صورة فوتوغرافية لجيمس كيراليس تصور مسيرة بعض مواطني أميركا للمطالبة بحقهم في التصويت».
« تطبيق الديمقراطية يحتاج لحكمة وبصيرة هي ذاتها الموجودة في العلوم الإنسانية كالفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع وما إلى ذلك. ولا أفضل من تثبيت قيم العدالة والمساواة التي تقوم عليها أميركا في نفوس مواطنيها من خلال الترويج لها عبر فنون راقية ومتميزة». تؤكد بايز وتختم قائلة «أن دراسة العلوم الإنسانية كالتاريخ والأدب والفلسفة والفن تساعدنا على استكشاف ما يعني أن نكون بشرا.
على هامش المعرض الفني الذي تحتضنه قاعة الفنون بمتحف البحرين الوطني حاليا تحت عنوان «أمريكا في صور» الذي تنظمه وزارة الثقافة والإعلام بالتعاون مع السفارة الأميركية في مملكة البحرين تم تنظيم محاضرة فنية تحدثت خلالها خبيرة الهيئة الوطنية للدراسات الإنسانية في الولايات المتحدة الأميريكية الأستاذة باربرا بيز بحضورعدد من أعضاء الجمعيات الفنية التشكيلية في البحرين أمثال بلقيس فخرو وعبدالرحيم شريف وسامية إنجنير وآخرين عن أهداف المعرض وكيفية الاستفادة من الفن لتوصيل القيم والأفكار البناءة وإبراز تاريخ وثقافات الشعوب.
كما قامت بجولة مع الفنانين في أرجاء المعرض واصطحبتهم في رحلة لأعماق الفن حيث استعرضت عددا من الأعمال الفنية المشاركة في المعرض والتي تمثل الحقب التاريخية للولايات المتحدة الأميركية منذ نشأتها، مؤكدة أن الفنانين من خلال أعمالهم الفنية ومنحوتاتهم عبروا عن حياة الشعب الأميركي وأبرزوا أهم الصروح التي تشتهر بها والقضايا التي عاصرتها. وقد أثارت اللوحات وما طرح حولها من أفكار النقاش الفني الجاد بين الفنانين.
كما نظمت ورش عمل فنية شارك فيها عدد من مدرسي ومدرسات مادة الفنون في المدارس الحكومية والخاصة حيث تم التعريف بالمعرض وما يحمله من أعمال فنية تاريخية، مشيرة إلى أهمية المزج بين الفن والمناهج الدراسية من أجل ربط الطلبة بتاريخهم ووطنهم متطرقة إلى أهم الأدوات الفنية التي يمكن الاستفادة منها في تعزيز مفهوم وقيمة الفن.
كما حضر مجاميع طلابية يمثلون مدارس مختلفة ورش عمل فنية قدمها عدد من الخبراء الأميركان الذين حضروا للبحرين بالتنسيق مع السفارة الأميركية من أجل تدريب طلبة المدارس في المراحل التعليمية المختلفة على كيفية الاستفادة من الفن كعنصر مهم لتعزيز المعرفة بتاريخ وثقافة الوطن والتأكيد على أهمية تنمية مهاراتهم الفنية بما يساهم في زيادة التحصيل العلمي لدى الطلاب ويمّكن المعلمين من اكتساب أفكار جديدة تساعدهم على توصيل المعلومة والمعرفة لبعض المواد الدراسية وخاصة في مواد مثل التاريخ والدراسات الاجتماعية والتربية واللغة والفنون والأدب والعلوم والموسيقى.
العدد 2696 - الجمعة 22 يناير 2010م الموافق 07 صفر 1431هـ