العدد 490 - الخميس 08 يناير 2004م الموافق 15 ذي القعدة 1424هـ

التعذيب... الجريمة الكبرى

مما لا شك فيه أن التعذيب يعد من أكبر الجرائم قاطبة في التصنيف البشري للجرائم، فهو أشد من القتل، على رغم بشاعة القتل، وذلك لأن الضحية في فترة التعذيب المستمرة مرارا وتكرارا يفضل الموت على وجبات التعذيب المؤلمة، ويعتبره الخلاص الوحيد والأفضل له بدلا من آلام التعذيب الذي لا يمكن وصفها. ولعل ما يؤكد ذلك أن العلي القدير أشار إلى التعذيب في سورة الأبراج بتعبير «الفتنة»، فقال تعالى: «إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق». (البروج:10). وقد قال في آية أخرى «الفتنة أكبر من القتل». (البقرة: 217).

والذين ذاقوا ألوان التعذيب يدركون هذا القول جيدا، فالموت كان أرحم لهم من البقاء أحياء تحت سياط الجلادين الذين يتفننون في تعريض ضحيتهم لصنوف الإهانة والإيذاء المعنوي والمادي. وفي العادة يأخذ الجلادون ضحيتهم وهو معصوب العينين، مكبل اليدين فيؤتى به إلى حجرة التعذيب، ويبدأ الحفل المشين بإهانات لا حصر لها للضحية، مقابل وعود بتخليصه إن هو أدلى باعترافات يرغب لها المحققون كأن يعترف على نفسه أو على أصحابه أو من يرغب المحققون أن يكون هنالك اعتراف عليه. ومهما أنكر الضحية عدم معرفته بأية معلومات فإن ذلك لا يغير شيئا، حتى ولو كان صادقا مئة في المئة. فقرار التعذيب الذي يصدره عادة المحققون لا يتغير إلا حين يشعرون بوجود معلومات ثمينة ومهمة. ولكن توقيفهم للتعذيب هي عملية مؤقتة، قد تستمر يوما واحدا أو أكثر، فبمجرد حصولهم على اعترافات ولو وهمية ومخترعة فإن شهية المحققين تتعاظم للحصول على مزيد من المعلومات، فيعرض الضحية مرة أخرى للتعذيب.

ولعل أكبر تصوير يبين فداحة التعذيب هو أن الجلادين غالبا يتعبون من كثرة ضربهم للضحية، فيتناوبون الأدوار فيما بينهم على الضحية نفسها. فكيف يا ترى يكون حال الضحية المسكين؟! إن التعذيب هو قمة الخزي والعار البشري، ولا يرتكبه إلا ذوو النفوس المريضة الدنيئة التي انمحت من قلوبها الرحمة، وباتوا بلا ضمير إنساني. ومن المؤسف انه على رغم التقدم الذي تشهده المدنية الحديثة فإنها لم تستطع أن توقف موجات التعذيب التي تحصل في مواقع عدة من العالم. فما حصل في البوسنة والهرسك لآلاف من البوسنيين، وما يحصل في بعض بلدان العالم الثالث، وليست بعض البلاد العربية بمستثناة من ذلك. ويكفي ما حصل في العراق من جرائم التعذيب التي لا يطاق سماعها فضلا عن مشاهدتها. بل نستطيع القول إن الجلادين استطاعوا أن يستفيدوا من معطيات التقدم التكنولوجي في الحصول على المزيد من وسائل التعذيب المتطورة من مثل التعذيب بالصعقات الكهربائية، واستخدام كرسي التعذيب الخاص الذي يجلس عليه الفرد، وإلى غيرها مما استحدث.

إن محاربة التعذيب تتطلب جهودا جبارة على مستوى العالم. وهنا نضع بعض الاقتراحات:

تعزيز ثقافة حقوق الإنسان في المدارس، وتخصيص بعض الدروس التي تكشف عن فظاعة التعذيب وحرمته دينيا وأخلاقيا وإنسانيا وقانونيا.

تعريض الدول التي تستخدم التعذيب كوسيلة في سجونها ومخابراتها لعقوبات جادة وفضحها على المستوى الإعلامي الدولي.

معاقبة الجلادين بالقوانين المحلية، والدولية وملاحقة الذين يثبت تورطهم في قضايا التعذيب، وان يتم تفعيل الاتفاق الدولي لمناهضة التعذيب.

الحملات الإعلامية في الصحافة والتلفزيون ضد أية جهة أو دولة تمارس التعذيب.

إيقاع العقوبات المحلية أو الدولية بأية شركة أو مصنع ينتج أدوات تعذيب أو يشارك في تصنيعها.

إننا مدعوون جميعا باعتبارنا بشرا أن نسهم في أية حملات مناهضة للتعذيب، حتى يتم تضييق الخناق على كل الجهات التي مازالت للأسف تستخدم التعذيب ضمن أساليبها لانتزاع الاعترافات. أو كوسيلة لمعاقبة من يخالفهم في الرأي والعمل.

رئيس جمعية الرسالة الإسلامية

العدد 490 - الخميس 08 يناير 2004م الموافق 15 ذي القعدة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً