انقلاب الأشعري «الأيديولوجي» على شيخه الجبائي (الأب) جاء في ظروف سياسية معقدة. فالمعتزلة من جانبها استنفدت أغراضها ولم يعد عندها الجديد لتقوله. والدولة نجحت إلى حد معين في اعادة انتاج نفسها في ظل انتفاضات وانقسامات طرفية شهدتها خلافة المقتدر (295 - 320 هـ). ففي عهد المقتدر عاش ومات مشاهير الاعلام كشيخ الشافعية ابن سريح (الذي تتلمذ على يده الأشعري بعد خلافه مع المعتزلة)، وشيخ الصوفية الجنيد، وصاحب السنن النسائي، وصاحب المسند الموصلي، والمؤرخ الكبير ابن جرير الطبري (ينتهي تاريخ الطبري في العام 302 هجرية). وفي عهد المقتدر نشطت حركات التمرد والعصيان في المغرب فنجح المهدي في السيطرة على شمال افريقيا طاردا واليها زيادة الله بن الأغلب فخرجت بذلك ديار المغرب من الدولة العباسية. وفي عهد المقتدر «اختل النظام» كما يقول الذهبي في تاريخه. وأيضا شهد عصره بداية نشوء ظاهرة نفوذ الوزراء. وبسبب صغر سن المتوكل وقلة خبرته اضطر للاعتماد على المستشارين والاتكال على رؤساء الوزارة لادارة شئون الدولة.
وفي عهد المقتدر تولى علي بن عيسى الوزارة فأبطل الخمور ورفع بعض المكوس واصطدم بالحلاج وسجنه في بغداد وصلبه بفتوى من القاضي أبي عمر في سنة 309 هجرية (921م).
كان عهد المقتدر عهد التناقضات. ويقول عنه السيوطي «جيد العقل، صحيح الرأي، لكنه كان مؤثرا للشهوات والشراب». ففي عهده عادت تقاليد قديمة اعتمدت جلب الخدم والغلمان وكانت اختفت في فترة ثورة الزنج وخراب البصرة. ويذكر السيوطي في تاريخه انه كان في داره 11 ألف غلام «غير الصقالبة والروم والسود». (تاريخ الخلفاء، ص 384).
هذا الخلل في «النظام» العام أوجد سلسلة مصاعب للخلافة العباسية ودفع العلماء والفقهاء والأئمة والقضاة الى بذل الجهود المضاعفة دفاعا عن هوية الدولة والمخاطر السياسية التي تهدد أطرافها.
وفي الوقت الذي كان الأشعري يستعد للخلاف أو اختلف مع شيخه الجبائي (الأب) كانت المعارك بين جيش الخليفة وجيش المهدي في المغرب وصلت الى حدها الأقصى وبدأ العباسيون خلالها بالتراجع الى مصر. وبعد تلك الفترة أخذت الدولة المهدية في المغرب في شن سلسلة هجمات على ولاية مصر فنجحت بين 301 و307 هجرية (914 - 919م) في بسط نفوذها على الاسكندرية والفيوم. وفي العام التالي (308 هجرية) وقعت مجاعة في بغداد وعم النهب والحرق والسرقة. وفي العام 314 هجرية انهارت الهدنة مع الروم (البيزنطيين) واستؤنف القتال مجددا على الجبهة الشمالية من العراق. وفي العام 316 هجرية قويت شوكة القرامطة وقاد رئيسها (أبوطاهر القرمطي) هجمة على مكة المكرمة فوقعت مذبحة وانهزم جيش المقتدر ونزح أهل مكة وانقطع الحج وقلع الحجر الأسود ونقل الى هجر وبقي هناك فترة امتدت قرابة 22 سنة.
وحين استقر الأشعري في بغداد يدرس الفقه والحديث وقعت الكثير من الفتن وحصلت اضطرابات في دار الخلافة في وقت عجز جيش الخليفة عن الدفاع عن الكوفة حين هاجمها القرامطة في سنة 319 هجرية فخافت بغداد على نفسها واضطر المقتدر الى الاستنجاد بالديالمة لحماية الدولة وفرض الأمن والاستقرار.
إلا أن أفعال الخليفة (الشاب نسبيا) لم تسعفه. فكثرة اعتماده على الخدم والغلمان أحدثت فجوة في «النظام» العام فشجعت خادمه مؤنس على التمرد عليه والتدخل في شئون الخلافة الداخلية. وانتهى الخلاف بين الخليفة والخادم الى اندلاع معارك قتل خلالها المقتدر في معركة مع جند مؤنس في سنة 320 هجرية (932م).
يرى ابن الأثير في تاريخه أن قتل الخليفة المقتدر وخلافة القاهر بالله كان بداية دولة بني بويه. فالدولة البويهية ابتدأت في العام 321 هجرية بأولاد ابي شجاع بويه وهم: عماد الدولة أبوعلي الحسن، وركن الدولة أبوعلي الحسن، ومعزّ الدولة أبوالحسن أحمد. (الكامل في التاريخ، المجلد 8، ص 264). ويذهب ابن كثير في اتجاه ابن الأثير اذ يرى ايضا أن مقتل الخليفة المقتدر على يد خادمه مؤنس كان بداية ظهور الدولة البويهية «وقيل لهم الديالمة لأنهم جاوروا الديلم». (البداية والنهاية، المجلد 11 - 12، صفحة 184).
في عصر المقتدر المضطرب وفي لحظة نشوء دولة بني بويه في العراق والدولة الفاطمية في مصر سدد الأشعري ضربته «الايديولوجية» لشيخه الجبائي (الأب) في البصرة وحمل متاعه وأوراقه الى بغداد ليبدأ مسيرة فكرية - كلامية جديدة في عاصمة دولة كانت تشهد خلافات وانقلابات وانشقاقات وانقسامات وحركات تمرد وصلت الى حد قلع الحجر الأسود من مكة واقتحام الكوفة.
ولاشك في أن مذبحة مكة وقتل الحجاج وقلع القرامطة للحجر الأسود ونقله الى هجر ليبقى هناك الى سنة 339 هجرية (950م) كان له وقعه الأكبر في نفوس المسلمين.
فالصراع بين المقتدر والقاهر بسبب تحريض مؤنس الخادم ونهوض حركات انشقاق وانقسام في أطراف الخلافة هز هيبة الدولة، اما قلع الحجر الأسود ونقله من مكة أسهم في هز هيبة الدين فأثار المشاعر وشجع على قيام حركة اصولية - سلفية للدفاع عن الهوية والرد على الهجمات السياسية والعقائدية كانت الأشعرية واحدة من وجوهها التي بدأت في البصرة وانتقلت الى بغداد.
وبين البصرة وبغداد دخلت المعتزلة نهاياتها المتعددة اذ عاش في تلك الفترة الى جانب الأشعري الجبائي (الابن) و«اليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة» كما يقول ابن كثير في تاريخه. كذلك عاش الكعبي (توفي سنة 317 هجرية) ليقوم بتأريخ طبقات المعتزلة وتتابع فرقها وشيوخها. فماذا قالت الجبائية (الهاشمية) وماذا أضافت الكعبية (البلخية) قبل زمن قصير من بروز دولة بني بويه وقبل وقت قليل انقلب خلاله الراضي على الخليفة القاهر و«سمل عينيه» في العام 322 هجرية (934م)
العدد 497 - الخميس 15 يناير 2004م الموافق 22 ذي القعدة 1424هـ