العدد 536 - الإثنين 23 فبراير 2004م الموافق 02 محرم 1425هـ

عندما كانوا يتقاطرون للاستماع إلى عبدالزهراء الكعبي

مازال أهل رأس الرمان يذكرون أيامه:

اشتهر الشيخ عبدالزهراء الكعبي بطريقة خاصة متميزة في الخطابة الحسينية، ارتقى المنبر في البحرين لمدة 11 عاما، وترك وراءه ذكريات مازال الجيل المتقدم يذكرها بحنين وإجلال.

جاء إلى البحرين في منتصف الستينات، ضمن كوكبة من الخطباء العراقيين البارزين، بدعوة من العصافرة في الدراز، واتفق معه أهالي رأس الرمان ليرتقي منبرهم، وبقي يرقاه حتى العام 1972، إذ كانت زيارته الأخيرة، وعاد إلى العراق ليكمن له الحتف في كوب من الشاي المسموم بعد خروجه من مقهى على الطريق العام.

كان أهل سترة يقطعون إليه البحر على محامل قبل الجسر الذي ربط جزيرتهم بالجزيرة الأم، ويتركونها في أم الحصم ويبيتون ليلة العاشر من المحرم في مآتم ومساجد رأس الرمان، فيستضيفهم أهلها قبل أن يشرع الخطيب الشهير عند الثامنة صباحا في مجلسه الذي يستمر ساعتين، يأتي فيه على ذكر الملحمة عن ظهر قلب. وكان من رواد مجلسه من يأتي من وراء الحدود، من المنطقة الشرقية عن طريق المراكب في البحر.

في جلسة جمعت بعض رجال المنطقة تحدثوا إلى «الوسط» عن ذكرياتهم، وبقلوب ملؤها الود، بانت على نبرات أصواتهم قالوا: «كان إخواننا السنة يحضرون المآتم من «فرجان» الذواودة وكانو والفاضل والحورة ومن جزيرة المحرق أيضا، ويحملون الأعلام في مقدمة المواكب ويقدمون النذور أيضا>>. وذلك ضمن ذكريات عن المنبر الحسيني قبل 30 عاما.


مازال أهل رأس الرمان يتذكرون أيامه:

ها هنا قرأ الشيخ عبدالزهراء الكعبي قبل ثلاثين عاما

رأس الرمان - قاسم حسين

جاء في منتصف الستينات، في العصر الذهبي لجيل الخطباء العراقيين، وقرأ 11 عاما على هذا المنبر. كانت الشوارع تزدحم بالمستمعين، وكان أهل سترة وجزيرة النبيه صالح يأتون إلى هنا عبر المراكب البحرية الصغيرة، ويبيتون في المساجد أو المآتم ليستمعوا إلى مجلسه الصباحي الباكر، في ضيافة أهالي رأس الرمان. وفي آخر عام له في البحرين زار السيد موسى الصدر البحرين ولكن خطيبنا لم يلتق به عمدا، هكذا قال لنا أهل رأس الرمان، في تفاصيل ننشرها لأول مرة عن تاريخ المنبر الحسيني الشريف.

بين مجموعة من الرجال كبار السن جلسنا، محمد صالح النوخذة، الحاج عبد الحسين النوخذة، حجي خليفة الخزاعي، السيد علوي الوداعي. سألناهم عن ما يتذكرونه من حوادث وذكريات عن ضيفهم الكبير الشيخ عبدالزهراء الكعبي الذي تميز بمدرسة خاصة في القراءة الملحمية الحسينية، في وقت كان يعتبر العصر الذهبي للخطباء العراقيين، فقالوا: «انه يتميز بالأخلاق الرفيعة، يقرأ مجلسين، مجلس في الليل وآخر في النهار، وكانت شوارع رأس الرمان تمتلئ بالجمهور القادم من كل مناطق البحرين لاشتهاره بقراءة المصرع والابيات البحرانية والعراقية، وكان يمتاز بحفظ الأبيات الفائزية (نسبة إلى بن فايز)، فكان الجمهور يتفاعل معه إلى درجة أن البعض يغمى عليه.

أهل سترة والنبيه صالح كانوا يأتون يوم التاسع ليبيتوا ليلة العاشر من المحرم، وكانوا يأتون على «محامل» قبل بناء الجسر ويبيتون في مساجد ومآتم المنطقة، وكنا نستضيفهم في الصباح لأن مجلسه كان مبكرا، من الساعة الثامنة صباحا. كما كانوا يأتون عن طريق البر، عبر المرور على مصنع تكرير البترول، ويمرون على النويدرات ومن ثم مدينة عيسى التي كانت برا قبل أن تقوم فيها البيوت، وبعضهم كان يأتي على (هواري) ويتركونها عند أم الحصم. وكان من جمهوره أيضا من يأتي من المنطقة الشرقية بالسعودية أيضا قبل وجود الجسر، حينها كانت المواصلات البحرية صعبة بطبيعة الحال».

عند هذه النقطة من الحديث تذكر محدثونا بقلوب يملأها الود بانت على نبرات أصواتهم: «كان اخواننا السنة يحضرون مجلسه أيضا، وكانوا يحضرون المآتم ويحملون الأعلام في مقدمة المواكب ويقدمون نذورهم أيضا، بالذات يوم السابع من المحرم. وكانت النساء يحضرن ويشاهدن المواكب أيضا من (فرجان) الفاضل والذواودة والحورة والمحرق وكانو».

وماذا كان يغلب على طرح الكعبي؟

- كان يغلب عليه الطابع الفقهي والتاريخي، كما كان يركز وغيره من الخطباء على مقاومة المد الشيوعي، وعلاقة الدين بالحياة والعلم. والناس كانت تحضر لسماع طريقته الخاصة في تناول الملحمة الحسينية إذ كان يحفظ تفاصيل المأساة عن ظهر قلب ويقرأها من دون كتاب. وكان يحث على عدم الضيق بالأطفال وإحضارهم إلى المأتم حتى لو كانوا لا يفهمون شيئا، لكي يتعودوا على أجوائه لأن في ذلك تربية لهم.

وكيف جاء إلى البحرين أول مرة؟

- جاء منتصف الستينات بضيافة العصافرة في الدراز وسكن عند الحاج عبدالرضا العصفور (وبلغة أهل المآتم: نزل على فراش العصافرة)، ونحن اتفقنا معهم فقرأ عندنا. كما قرأ أيضا في مهزة بسترة. وكان الخطيب الأول الذي جذب أعدادا كبيرة من الجمهور إلى رأس الرمان حتى تمتد الصفوف إلى الشوراع والطرقات.

وما هي ذكرى آخر عام له في البحرين؟

- كان آخر عام له في البحرين هو العام الذي جاء فيه السيد موسى الصدر، (أي في العام 1972) ولكنه تحفظ على لقائه. ولما سأله أحدهم عن السبب لم يصرح له به في البداية، ولكن عندما عاد إلى هذا المأتم تحدث معنا قائلا انه تجنب لقاء الصدر خشية ما سيلاقيه من بطش في العراق عند عودته لو التقاه، إذ كانت الحكومة العراقية آنذاك تقوم بملاحقة واعتقال وتعذيب أي شخص يلتقي موسى الصدر.

وماذا جرى بعد ذلك؟

- بعد عودته من زيارته الأخيرة إلى البحرين، قامت الحكومة العراقية بقتله عن طريق السم.

كيف؟

- كان مولعا بالزهراء (ع)، والغريب انه ولد في ذكرى مولدها، وتوفي في تاريخ وفاتها، وكان بعد أن أتم مجلسه الحسيني ركب السيارة، وفي إحدى الاستراحات التي اعتاد النزول فيها على هذا الطريق كمنت له المخابرات وقدمت له السم في الشاي، وهكذا كان حتفه.

وكيف استقبلتم النبأ؟

- أقيم له مجلس للفاتحة، لمدة ثلاث ليال، في هذا المأتم، وقد ترك فراغا كبيرا. ولم يستطع أحد من الخطباء الذين ارتقوا المنبر في هذا المأتم أن يملأ الفراغ الذي خلفه، ماعدا في السنتين الاخيرتين نوعا ما السيد ضياء الموسوي الذي استقطب أعدادا كبيرة من الجمهور ومن مختلف الطوائف. وهنا في رأس الرمان يضرب المثل بأيامه عند الاستشهاد على كثرة الحضور، فيقال: «كأنها أيام عبدالزهراء»

العدد 536 - الإثنين 23 فبراير 2004م الموافق 02 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً