العدد 2731 - الجمعة 26 فبراير 2010م الموافق 12 ربيع الاول 1431هـ

المعارضة الإيرانية... من لماذا وإلى أين؟ (1 - 2)

عياد أحمد البطنيجي - كاتب فلسطيني، والمقال ينشر بالتعاون مع «مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya. 

26 فبراير 2010

لا تزال المعارضة الإيرانية مستمرة للنظام الإيراني منذ انتخابات يونيو/ حزيران 2009. ولا تزال الأزمة تراوح مكانها برغم كل المحاولات التي بذلت، وذلك دلالة واضحة على عمق الانقسام الذي تعيشه إيران فهي أسوأ أزمة تشهدها منذ الثورة، فهي تكشف عن عمق التوترات والأمراض التي تنخر في النظام الإيراني، وتطلعنا على حجم التحديات المستقبلية، فالمجتمع كائن عضوي تكشف حالة المرض عن مدى كفاءة الأعضاء التي تكوّن بدنه وأحشاءه معا.

ومن المعروف أن النظام السياسي يبقى مستقرا طالما كان موفيا بمطالب أعضاء النظام في مختلف النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ولاستجلاء حقيقة المعارضة الإيرانية، يتعين وضعها في سياقها التاريخي، وبالتحديد منذ الثورة الإيرانية. هذا التاريخ يكشف عن تركيبة النظام وبنية المجتمع، ومستقبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالأحداث السياسية التاريخية هي التي تشكل خبرة الإنسان السياسية وتبقى مختزنة في الوعي السياسي للأمة وخزان وقودها، وتمد المجتمع السياسي بقوة دفع لا يستطيع إيقافها أي نظام مهما أوتي من قوة.

إن القراءة المتأنية لتاريخ المعارضة تساعد على الخروج بتعميمات نستطيع من خلالها فهم ما يجري في إيران في هذه الأثناء.

هذه القراءة تؤكد أن المعارضة في تزايد مستمر، فضلا عن تزايد جرأتها ومطالبها. وعليه، لا نبالغ إن قلنا: إن مستقبل النظام مرهون بمدى استجابته للتحديات والآمال التي تكشف عنها ليس فقط الاحتجاجات الحالية، بل ما يكشف عنها تاريخ المعارضة منذ الثورة الإيرانية إلى الآن.

فالنظام الإيراني يشهد بين الحين والآخر حالة مزمنة من التوترات شديد الحدة بما يشبه «الأزمة الممتدة»، وخصوصا الصراعات الحادة بين التيارات السياسية داخل الجهاز الحكومي أو بين الأخير والقوى المحيطة بالنظام. ولكن هذه التوترات لم تصل إلى درجة تهديد النظام وتقويض بنيانه، قد تصل إيران إلى هذه الحالة، أي إلى أزمة حادة وبنيوية يصعب حلها في ظل النظام القائم إن لم يقم الجهاز الحكومي بتغذية راجعة يتفادى من خلالها الوقوع في أزمة مستقبلية قد تكون أشد حدة وقد تعرض بنيان النظام إلى خطر ماحق. فضلا عن ذلك إن هذه القراءة تكشف عن ثوابت المعارضة الإيرانية، ومدى استجابة النظام لهذه الثوابت، وردود فعله تجاهها؛ لاعتقادنا أن هذا محدد رئيس لاستشراف مستقبل النظام الإيراني.

وجدير بالملاحظة أن المعارضة السياسية مسألة ضرورية ولازمة لأي نظام سياسي. وفي النظام السياسي الإيراني، فإن الحاجة إلى المعارضة تعتبر ضرورة مضاعفة عن مثيلاتها في النظم السياسية الأخرى، ليس فحسب لأنها تكشف عن مثالب النظام واحتياجات البناء الاجتماعي، بل لأنها تهز استقرار النزعة المحافظة للنظام الإيراني.

وبعد مسح لأشكال المعارضة الإيرانية منذ الثورة إلى الآن ومطالبها وردود فعل السلطة تجاهها، نعرض بعض الخلاصات التالية:

أولا: في إيران أكثر من شكل واحد للمعارضة. والمفارقة رغم تنوعها الشديد إلا أن فاعليتها محدودة. ويمكن تصنيف المعارضة إلى ثلاثة أصناف:

1. معارضة داخل الجهاز الحكومي.

2. المعارضة الدينية.

3. المعارضة المسلحة.

تشكل المعارضة داخل الجهاز الحكومي مجموعة من التيارات السياسية شديدة التباين تعمل من داخل النظام، تعارض بعضها بعضا، وتعتبر ولاية الفقيه مقولة دستورية ملزمة. وتحكمها تباينات عميقة تتعلق بالحقوق المدنية، وسيادة القانون، والمجتمع المدني، والفصل بين السلطات الثلاثة، وحدود سلطات الدولة. فهناك التيار اليميني التقليدي، وتيار اليسار الإسلامي، والتيار الليبرالي، وتيار معتدل يغلب عليه الطابع الإداري والتكنوقراطي.

ولكل تيار قاعدة اجتماعية تناصره، وامتداد خارج مؤسسات الدولة، وصحف ناطقة باسمه.

خلاصة ذلك أن هناك تنوعا شديدا في التيارات السياسية داخل الجهاز الحكومي بين يمين ويسار، متطرف ومعتدل، إصلاحي ومحافظ.

يعكس هذا التباين التنوع في فئات وطبقات المجتمع الإيراني. وهكذا نجد أن لكل قاعدة اجتماعية ممثلين حكوميين. وهذه حقيقة في غاية الأهمية، فالتنوع السياسي - الاجتماعي والإيديولوجي، هو في الحقيقة ممثل بتيارات سياسية داخل الجهاز الحكومي. أهمية ذلك تكمن في أنه يحول دون وصول التناقضات السياسية والاجتماعية إلى ذروتها.

وبفضل وجود هذه التيارات في قلب النظام السياسي أمكن لصانع القرار مراعاة مصالح متعددة ومتنوعة. وهو متغير مهم يفسر لنا قدرة النظام الإيراني على الاستمرارية والبقاء في ظل ظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد، فضلا عن وضع داخلي ملتهب. وهذا ما يجعل النظام قادرا على تفادي أزماته ومعالجتها، دون حدوث ثورة أو تغيير انقلابي، كما يحدث في الأنظمة السياسية العالمثالثية.

فقد أثبتت إيران قدرا عاليا على مواجهة التحديات والتصدي للأزمات الداخلية والخارجية. ولذلك فإن القوى المؤثرة في مصير النظام هي قوى «داخلية» - كما يقول الباحث الإيراني سعيد برزن - أي داخل الجهاز الحكومي، وليس للقوى التي تتخندق خارج النظام سوى تأثير قليل جدا قد يصل إلى درجة الصفر.

وبالتالي فإن التغيير ينتج ليس نتيجة صراع بين قوى النظام الداخلية والقوى المحيطة به، بل إن المنافسة بين تيارات النظام الداخلية هي التي قادت إلى التغيير. فـ «كلما ابتعدنا عن مركز النظام شاهدنا انخفاض مستوى التأثير لدى القوى السياسية».

خلاصة القول، لقد كان تحرك الفكر والسياسة من داخل الجهاز الحكومي نفسه. فالتيارات التي تشكل جسم النظام هي التي حملت لواء التغيير، أما القوى المحيطة بالنظام لم تستطع التأثير في هذا التحول التاريخي بشيء يذكر.

وعليه فحتى تؤثر المعارضة في النظام يتعين عليها جذب التيارات الممثلة داخل الجهاز الحكومي لصالحها، فإن إحداث التغيير لن يكون بدون مساندة ومساعدة هذه التيارات السياسية.

أما المعارضة الدينية، فهي تنتقد النظام على أساس ديني، وتعارض أي شكل من أشكال المقاومة المسلحة للنظام. وتلعب دورا مؤثرا داخل النخبة السياسية الحاكمة، خصوصا عندما يكون الصراع بين التيارات السياسية على أشده، فقد ينتهي الأمر بأن ترجح المعارضة الدينية كفة الإصلاحيين.

وتتنوع مواقف المعارضة تجاه ولاية الفقيه. ثمة من يرفضها بالمطلق، ويعتبرها «شرك بالله».

وثمة من لا يرفضها وإنما يرفض ولاية المرشد الحالي علي خامنئي؛ هذه المعارضة تطالب بإحلال شخص أكثر كفاءة من خامنئي. وثمة من يطالب باستبدال قيادة الفرد الواحد وإبدالها بقيادة جماعية من خلال مجلس فقهاء يتكون من فقهاء حاصلين على أعلى درجات العلم الديني لضمان الطابع الإسلامي للدولة. وثمة من يطالب بولاية محدودة تتمتع بصلاحيات سياسية محدودة؛ لتقييد سلطان ولاية الفقيه. وثمة من يطالب بانتخابه مباشرة من الشعب، أي ولاية الأمة. وثمة من يرفض ولاية الفقيه جملة وتفصيلا، ويرون أن مبدأ ولاية الفقيه استباقا لفكرة المهدي المنتظر، ويشككون في شرعية أي حاكم قبل عودة الإمام الثاني عشر، هذا التيار يدعو إلى انسحاب علماء الدين من السياسة. وأخيرا، من المعارضة الدينية من يطالب بتحويل ولاية الفقيه إلى ولاية شرفية فقط أي لا تتمتع بأي صلاحيات سياسية.

يتضح مما سبق أن المعارضة الدينية عبارة عن خليط غير متجانس، وتتشكل من جماعات تترابط برابط هش وضعيف، وتفتقر إلى التنظيم. وهذه نقطة ضعف قاتلة، تفقدها القدرة على التأثير في النظام. وعليه فهي لا تشكل تهديدا له، بل يسهل على النظام اختراقها وتفتيتها وإضعافها. ومرد ذلك ليس لضعف في تكوين علماء الدين المعارضين، بحكم ثقافتهم وتكوينهم العقلي والديني، بل في تفكيرهم المثالي، وبالتحديد رفضهم الانجرار وراء المناورات السياسية وألاعيبها، ويفضلون البقاء بعيدا عن ألاعيب السياسة والاكتفاء بدور المرشد والموجه والتعبير عن المبادئ الروحية السامية. وبالتالي فهم لا يصلحون لإدارة أجهزة الدولة.

لذلك تستغل النخبة الحاكمة والمؤيدة لـ «خامنئي» نقطة الضعف هذه جيدا. ونقطة الضعف الثانية، تتمثل في أن الصراعات الدينية بين علماء الدين الشيعة سواء أكانت فيما بينهم أو بينهم وخصمهم «خامنئي»، نقول إن هذه الصراعات تكون غالبا وراء الكواليس ونادرا ما تتسرب أخبارها إلى الخارج، لذلك فهي بمثابة «حرب باردة» وصامتة وبخاصة بين رجال الدين وخامنئي.

وبالرغم من حدة الاختلافات بين المعسكرين والعداء بين الجانبين إلا أن بين المعسكرين اتصالات كثيرة وروابط متشعبة، ومتشابكين عبر الزيجات والروابط الأسرية والتجارب المشتركة التي جمعت بينهم خلال سنوات الدراسة ومعارضتهم للشاه.

العدد 2731 - الجمعة 26 فبراير 2010م الموافق 12 ربيع الاول 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً