المهم هنا أن بقاء هذه الصراعات وراء الكواليس يجعل الرأي العام الإيراني غير مطلع عليها، وهذا خسارة سياسية لهؤلاء غير الممثلين داخل جهاز الدولة، وبالتالي لا يتم توظيفه سياسيا لصالح التيارات المعتدلة، وهذا يعد مكسبا للنظام ونخبته الحاكمة وخصوصا تيار اليمين المؤيد لـ «خامنئي».
أما بخصوص تعامل النخبة الحاكمة مع المعارضة الدينية، فكان ولا يزال تعاملا سلبيا إما بالترهيب والإقصاء، أو بالسجن والإقامة الجبرية، أو من خلال الإهمال والرفض والعزل.
وبخصوص المعارضة المسلحة، فهي تمثل جماعات وأحزاب إيرانية يعيش معظمها في المنفى. تكرس نفسها لمقاومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالسلاح، وتصارع الأخيرة على الدولة وعلى الإستراتيجية العليا للدولة الإيرانية. وتهدف إلى الإطاحة بالنظام أو انتزاع حكم ذاتي للأقليات العرقية أو الدينية. ومن هذه المعارضة «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و»المعارضة السنية المسلحة» و»منظمة مجاهدي خلق».
هذه المعارضة لا تمثل أي تهديد حقيقي للنظام، دع عنك عن إطاحته. ولا تمتلك أي فرصة للاستيلاء على السلطة. وترفض الأغلبية العظمى من الإيرانيين، في داخل البلاد وخارجها، «منظمة مجاهدي خلق» وتحتقرها أغلبية الإيرانيين، وكانت دائما غريبة على جو «الحوزة» «ولها آراء غير تقليدية عن الإسلام».
وبالتالي فالمعارضة المسلحة ليس لها تأثير، وهي أيضا مفتتة وليس بينها رابط مشترك أو أهداف جامعة متفق عليها توحدهم في مناوئة النظام، فضلا عن مشاكل بنيوية تعتورها.
وعليه، فهي عاجزة عن التأثير في مجريات الأمور في إيران، لا يمكن التعويل عليها لإحداث اختراق في بنية النظام.
ثانيا: تشكل المعارضة الإيرانية موقفا حرجا للجمهورية الإسلامية التي تتجاذبها القوى المعارضة. فلا تزال القضايا التي تثار متعلقة بمسألة ولاية الفقيه المطلقة التي تشكل الركيزة الرئيسية للحكم في إيران.
المشكلة التي ما برحت تهيمن على النظام منذ الثورة إلى الآن هي كيف يمكن الجمع بين الدولة الدينية والمدنية في وقت واحد؟، حيث يؤخذ على النظام بأنه أخفق في تحقيق المصالحة بين المذهب الشيعي والعصر، وأخفق في تحقيق التوفيق بين الإيمان والحرية، دع عنك الاستجابة لطموح الأجيال الشابة.
فالدستور مثلا يحاول أن يجمع بين المتناقضات، فيقر الحريات المدنية ويضيق في آخر كل مادة فيها هذه الحريات «ما لم يخل بالقواعد الإسلامية والحقوق العامة» أو «بشرط أن لا تناقض أسس الاستقلال والحرية والوحدة الوطنية والقيم الإسلامية». أو «بشرط أن لا تكون مخلة بالأسس الإسلامية».
ومن المعروف أن الأسس والقواعد الإسلامية التي يشترطها الدستور لممارسة الحريات، هي مبادئ عامة ومجردة يستطيع كل تيار سياسي تفسيرها حسب معتقداته ومبادئه؛ لأنها غامضة وتحتاج إلى تفسير وثمة تفسيرات عديدة لهذه المبادئ، وكل التيارات تستطيع تفسيرها لصالحها.
فمثلا يعتبر تيار اليمين التقليدي أن كل نقض موجه للنظام أضحى نقدا موجها للإسلام نفسه. ناهيك أن النظام يلقي بتهمة «الحرابة» على من يخالفه، وقد أعدم الكثير بسبب هذه التهمة.
هذه التحفظات حاصرت حريات الصحافة، والاجتماع، ومكنت السلطات من الالتفاف عليها؛ لعجز النظام عن إيجاد التوازن بين «ولاية الفقيه» وبين ولاية الشعب، بين المدني والديني. وهذا يعد من المطالب الأساسية التي تكشف عنها المعارضة، بل ومن ثوابتها.
ولا غرو أن الحركة الخضراء يعتبر جزء كبير من همها متعلقا بالحريات، ويكشف عن ذلك المبادرة التي قدمها الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي التي تطالب بوضع حدود للسلطة، وأن تعمل في إطار القانون، وإعداد قانون للانتخابات يضمن منافسة نزيهة وعادلة، والإفراج عن جميع السجناء، وضمان حريات الصحافة والتعبير، والسماح للصحف الموقوفة بالعودة مجددا، والاعتراف بحق الشعب بالتجمعات القانونية، والسماح للأحزاب بالعمل وفق القانون. وعليه يرتكز تاريخ المعارضة الإيرانية على مسألتين في غاية الأهمية وهما: الحريات المدنية، وحدود سلطة الدولة وسياستها الخارجية، وتأخذ المعارضة على النظام أنه مفرط في سياسته الخارجية، وهذا الإفراط هو الذي يجلب المواجع داخليا؛ لأنها تبدد أموال الشعب.
ثالثا: ما برح ميزان القوى يميل لصالح النظام الحاكم وبخاصة لصالح تيار اليمين التقليدي المساند للمرشد والمدافع عن ولاية الفقيه. فالتيارات السياسية التي تشكل الجهاز السلطوي جميعها رغم اختلاف التوجهات السياسية، لا يمكنها تجاوز الأسس الدينية والسياسية والمبادئ العامة التي يقوم عليها النظام. فـ «مير حسين موسوي» زعيم الحركة الخضراء مؤمن بكل أسس الثورة والمبادئ العامة التي أرستها. ورفسنجاني وخاتمي وكروبي يعتبرون أنفسهم أبناء النظام، ويرتبط بعضهم بالنخبة الحاكمة وبعلاقة مصاهرة ونسب وتجمعهم تجارب وآلام مشتركة. وهذا ينبئ بقدرة النظام على معالجة هذه الأزمة، فثمة ما يشي بذلك، وخصوصا أن الحركة الخضراء بدأت تضعف وتتراجع وهناك انحسار ملموس في حجمها. بيد أن المستقبل لا ينبئ بذلك؛ لأن تاريخ المعارضة يشير بتزايدها وتزايد جرأة مطالبها، فلأول مرة نشاهد هجوما على المرشد، وصورة تحرق وتمزق وهتافات تنادي «بموت الدكتاتور».
ولأول مرة نرى حدة التنافس والاختلاف بين المحافظين والإصلاحيين فضلا عن حدة الانقسام في النخبة السياسية والدينية. ولأول مرة نرى المرشد يعلن بوضوح انحيازه لتيار بعينه، والخروج عن دوره المتعارف عليه وهو الحياد والمحافظة على التوازن داخل الجمهورية الإسلامية.
ولأول مرة نجد هذا التدخل العسكري الواسع والعنيف في التصدي للمعارضة بهذا الشكل وما صاحبه من إعدام وسجن للخصوم. وعليه لا غرو أن البعض يصفها بالأزمة الأكبر والأخطر منذ الثورة إلى الآن، والأكثر كشفا لطابع النظام، الذي يكشف عن عمق الانقسام في المجتمع الإيراني. لذا فقد تفتح فصلا جديدا في تاريخ إيران تشكل هذه المعارضة مقدمته.
رابعا: إن التأثير السياسي للمعارضة الدينية التقليدية الرافضة لولاية الفقيه جملة وتفصيلا، يكاد يكون تأثيرا معدوما. فولاية الفقيه تمثل اجتهادا متطورا في الفقه الشيعي، فلا يعقل مطالبة المعارضة الدينية التقليدية تعليق قضية الحكم بحجة انتظار المهدي المنتظر.
أما المعارضة الدينية الفاعلة والمؤثرة تنقسم إلى قسمين: الأول، أنصار ولاية الفقيه المطلقة.
والثاني، أنصار الولاية المحدودة للفقيه.
والمعلومات تشير إلى أن التوجه الشعبي يسير نحو تأييد الخيار الثاني، فضلا عن أن هناك طائفة من النخبة تؤيد هذا الخيار وتدعم باتجاهه.
ويذكر أن انقسام المرجعيات بعد انقسام الزعامات يعني أن إيران دخلت المرحلة الأخطر، بعد أن نالت حدة الانقسام ولاية علي خامنئي وهزت مرجعيته وشرعيته.
خامسا: إن تزايد المعارضة وتصاعد وتيرة الأزمة أو خبوها في المستقبل، يتوقف على انفتاح النظام على مطالب المعارضة واحتياجاتها وأن تستثمر السلطة الحاكمة المطالب والاحتياجات وتستدخلها جميعها في نظامها وفي مشروعها، والقدرة على هضمها في بنية قرارات النظام السلطوية، لأن تسكين الأزمة ليس علاجا ناجعا. فثمة مرحلة جديدة من التحديات لم يألفها النظام، وهو مقبل عليها قسرا إذا استمرت استجابته بهذه النمطية.
نعم لدى النظام الحالي من القوة ما يمكنه من مواجهة المعارضة الحالية، ولكن العبرة بقدرة النظام على المحافظة على استمراريته وثباته وقوته، كيف يتم ذلك؟
هذا متوقف على التعامل البرغماتي مع الاحتياجات والمطالب التي تمظهرت. ولا ينفع النظام تهميش هذه المطالب بحجة أن الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بإيران غير مواتية، بسبب المخاطر والتهديدات التي تواجهها، وبخاصة ارتفاع وتيرة المواجهة مع الغرب بسبب أزمة الملف النووي الإيراني. ولا ينفعه اعتبار المعارضة صنيعة أجنبية ومدعومة من أميركا والغرب. فاستمرار ذلك يعني أن النظام لا تزال استجابته للمعارضة استجابة لا تنم عن الفهم الكامل للحق في الاختلاف؛ لعدم إضفائه عليها أية مشروعية بل يعتبرها نشازا. ولا ينظر لهذه الاحتياجات بأنها تشكل لائحة مطالب ضرورية وتقريرا كاملا يكشف عن تحولات اجتماعية في شرائح المجتمع الإيراني، وتكشف عن فصل جديد ينتظر إيران، ومن مصلحة النظام التصالح مع مطالب واحتياجات المعارضة. ويتحتم التعامل معها من خلال إيجاد صيغة توفيقية تضمن احتياجاتها وتستوعب مطالبها بدلا من شيطنتها؛ لأن استمرارها ورد فعل الأجهزة السلطوية المسلحة تجاهها يعني تشويه صورة إيران ونموذجها وصدقية نظامها الأخلاقي. لاسيما أن الفكر الإسلامي المنفتح يؤكد على وجود مفهوم المعارضة في الإسلام. فلا ينفع القمع لأن العوامل البنيوية ترجح كفة المطالب الشعبية الحيوية والثابتة. واستمرار القمع سيقود إلى إضعاف النظام في المستقبل، وخاصة أن إيران مقبلة على تحديات مستقبلية من قبيل نمو تعدادها السكاني، فلا تزال إيران من أعلى المعدلات في العالم. ونظرا لوجود عدد كبير للغاية من الشباب فإن النظام يواجه تحديا يتمثل في مواجهة القلق المحتمل والتوقعات التي فشلت والتي تطالب بها المعارضة. ناهيك أن النظام الإيراني لا يعمل طبقا للظروف التي نمت فيها الثورة الإيرانية في نهاية السبعينيات، عندما كان بمقدورها الانعزال، فاليوم يعيش النظام في عصر العولمة والانفتاح والعالم السريع والسهل والمنفتح، لذا فإن عصر الثورة قد ولى. وعليه يتعين على النظام أن يبدأ بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات تدريجيا إذا أراد أن يحافظ على وضعه، بدلا من تآكل النظام من الداخل والتحطم على صخور الواقع
العدد 2732 - السبت 27 فبراير 2010م الموافق 13 ربيع الاول 1431هـ