لنكن واقعيين ونواجه الأمر: القراءة عن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني من منظور أميركا الشمالية أمر مقيت مزعج.
وإذا أخذنا الأمر من مضمونه الكامل، فإن المواجهة معقّدة بشكل خانق. وهي كأدبيات تصيب بالشلل، وكثيرة الكلام الكئيب العابس. الحبكة، رغم التشنجات والدم لا تأخذنا إلى أي مكان. وكدراما، يماثل المستنقع الإسرائيلي الفلسطيني من ناحية جغرافية سياسية فيلم «تايتانيك» الذي أخرجه جيمس كاميرون العام 1997، لا متناهٍ ومفرط وصلب لضخامته وغبي دون قضية عادلة. ويستغوي هذا المستنقع، مثله مثل التايتانيك، المراقب لأن ينسحب بسرعة في منتصف الطريق، وهو يغلي وراء أنفاسه: «اغرق. حان الوقت. اغرق».
وقد يفسر هذا لماذا يبدو أحيانا أن المشاركين الوحيدين الباقين واقفون، أي المهتمين، في الجدل حول مستقبل “إسرائيل” وفلسطين هم المتطرفين. هؤلاء هم انجيليو اللعبة التي يربح فيها لاعب ويخسر الآخر. هم الناشطون لحل الدولة الواحدة، أي دولة واحدة للطرف الذي انتمي إليه فقط. هم بخلاء الروح الذين يؤمنون أن هذه الأرض لا يمكن أن تتسع لكلينا.
هم اليهود الذين تعني لهم التسوية «أوشويتز»، الذين تعني لهم مساندة «إسرائيل» معاداة الفلسطينيين، وإنه لم تكن هناك فلسطين في يوم من الأيام ولن تكون، وهؤلاء الفلسطينيين، غير الموجودين في الواقع والذين أتوا جميعا من مكان آخر، يفتقدون لكافة الادعاءات بالأخلاقية والتعاطف والشرعية التاريخية.
وهم أيضا الفلسطينيين الذين يعني التوافق بالنسبة لهم التواطؤ، والذين تعني مساندة الفلسطينيين لهم: ليست «إسرائيل» موجودة ولم تكن كذلك في يوم من الأيام ولن تكون. بالنسبة لهذا النوع من مساندي الفلسطينيين فإن يهود اليوم ليسوا يهودا حقيقيين من نسل شعب تواجد هناك في الماضي، وهؤلاء اليهود، الذين ليسوا هم في الواقع يهودا، والذين جاءوا على أي حال من مكان آخر يفتقدون لكافة الادعاءات بالأخلاقية والشرعية التاريخية.
(نتوقف هنا لطرح وجهة النظر المقابلة).
استحلفك بالله يا بيرستون. ما هو الجزء من «النصر أو الموت» الذي لا تفهمه؟
كلا الجزءين.
ليس هناك ما يمكن تعريفه بالنصر هنا. كذلك لن يحل الموت شيئا واحدا.
ولكن قد يكون هناك توجه آخر، يساعد على رعاية جهود السلام بدلا من التصرف لإفشالها.
سوف يحتاج ذلك لإعادة تعريف أساسية لما يعنيه كونك أميركي يساند «إسرائيل» أو الفلسطينيين.
سوف يتطلب الأمر قرارا واعيا لتجاوز فكرة إنه يتوجب على «إسرائيل» أن تخسر إذا أُريد لفلسطين أن تفوز، والعكس صحيح.
سوف يتطلب الأمر استعدادا للأخذ بالاعتبار واقعا أكثر دقة وأقل قابلية للهضم، يكون فيه الجانب الذي تنتمي إليه غير موجود بعد الآن في جانب الحق الأخلاقي، بشكل واضح لا جدل ولا فشل فيه.
واقع يجري فيه رفض الآخر وإلقائه خارجا لكونه مجرما مرفوضا لا يمكن إصلاحه، طاعون على الطرفين، وباختصار، سبب المشكلة.
إذا تأتّى لذلك أن يحصل فسوف يحتاج لقرار شديد الإيلام: التنازل عن تعريف الشخص لذاته على أنه مساند لـ «إسرائيل» أو للفلسطينيين. سوف يتطلب جهدا واعيا ليصبح المرء من مساندي الشرق الأوسط.
من الأمثلة الصارخة على ذلك جهودا بذلها مؤخرا أعضاء في الكونغرس للعمل نحو تيسير الحظر الإسرائيلي المصري على دخول البضائع إلى غزة.
وقّع ما مجموعه 54 نائبا ديمقراطيا رسالة إلى الرئيس أوباما يبدأ نصها، الذي يشكّل نموذجا لتوجه جديد تجاه الشرق الأوسط، بتعبير عن الاعتراف بمعاناة شعب غزة، ثم يقول: «نتعاطف كذلك وبعمق مع سكان جنوب «إسرائيل» الذين عانوا من هجمات الصواريخ وقذائف المورتر البغيضة.
ندرك أن الحكومة الإسرائيلية فرضت قيودا على غزة نتيجة لخوف شرعي تشعر به بعمق من الأعمال الإرهابية المستمرة من قبل حماس وغيرها من المجموعات المتشددة.
يجب التعامل مع مصدر القلق هذا دون أن يؤدي إلى عقاب جماعي كأمر واقع لكافة سكان قطاع غزة.
الواقع أن تحقيق احتياجات المدنيين في «إسرائيل» وغزة هما هدفان يعززان بعضهما بشكل متبادل».
أطلقت الرسالة مجالا واسعا من ردود الفعل. واحد من هذه الردود الأكثر إنعاشا جاء من معلق مركزه واشنطن هو جيمس بيسر، الذي هب للدفاع عن عضو الكونغرس كيث إيليسون، وهو واحد من الموقعين الرئيسيين على الرسالة. وإيليسون، وهو مسلم، يشكّل هدفا مستمرا للمتشددين أنصار «إسرائيل» الذين يحددون ديانته على أنها دليل على موقفه المفترض بمعاداة «إسرائيل».
أشار بيسير في مقال في النيويورك جويش ويكلي New York Jewish Weekly أن إيليسون أكّد وبصورة متكررة إيمانه بأنه يتوجب على كلا الطرفين في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني أن يفعلوا المزيد ليحققوا التزاماتهم ويقامروا أكثر من أجل السلام. وقد تكلم بوضوح عن حاجة «إسرائيل» للأمن كجزء من أية تسوية نهائية. إنه يتكلم لغة الحل الوسط لكلا الجانبين».
«باختصار، إنه يبدو مساندا للفلسطينيين دون أن يكون معارضا لإسرائيل».
في هذه الأثناء هاجم التحالف اليهودي الجمهوري الرسالة ووصفها بالخطيرة، وقام بنشر مناشدة على الإنترنت تحث الأعضاء الـ 54 الذين وقعوا على سحبها.
لقد أظهر صانعو القوانين «عدم اهتمام بحياة الإسرائيليين الأبرياء» كما كتب التحالف اليهودي الجمهوري، «ولم يعبروا عن أي اهتمام بالنتائج التي قد تأتي بها أفكارهم للإسرائيليين الذين يعيشون تحت تهديد الإرهاب من غزة».
تداعى الطرح بسرعة تحت تأثير روح العصر. انتقد رون كامبياس معلق الوكالة اليهودية التلغرافية Jewish Telegraphic Agency بشدة التحالف اليهودي الديمقراطي لأنه أساء تفسير الرسالة، الأمر الذي أدى بنوح سيلفرمان مدير شئون الكونغرس في التحالف اليهودي الديمقراطي لأن يرد، فأوصل النقاش إلى الحضيض. نشر سيلفرمان هذه الرسالة على دائرة التويتر التابعة للتحالف اليهودي الديمقراطي، مشيرا إلى بيسير وكامبياس.
«هل شعرتم في يوم من الأيام أن «الصحافيين» اليهود هم مجرد دعاة سياسيين يساريين وأبناء آوى؟ ليس هذا من مخيلتكم».
قد ننظر إلى الوراء، في يوم من الأيام في المستقبل البعيد إلى هذا الوقت ونتساءل لماذا ونحن نبحر في بحر مفتوح من الاحتمالات، نصطدم بكل جبل جليدي في طريقنا.
أو ربما نجد أنفسنا في يوم من الأيام في المستقبل البعيد، نتقدم بالشكر لهؤلاء الذين قرروا في نهاية المطاف أن يبحروا وعيونهم وقلوبهم مفتوحة، وقادوا السفينة عبر خط ملاحي غير معروف ولا خرائط له، أوصلهم إلى الأراضي المقدسة، وكان لمرة واحدة، يتسع للشعبين اللذين يستحقان أن يكونا هناك.
الصراع من أجل السلام في الشرق الأوسط في جذوره هو صراع الإسرائيليين والفلسطينيين ضد المتطرفين في وسطهم.
نحن نعلم هذا القدر، إن لم نكن نعلم شيئا آخر.
إذا سمحنا للمتطرفين بالنصر فسوف يكون الجميع من الخاسرين
العدد 2739 - السبت 06 مارس 2010م الموافق 20 ربيع الاول 1431هـ