العدد 543 - الإثنين 01 مارس 2004م الموافق 09 محرم 1425هـ

متى تثور النساء وينتهي الاكتظاظ على المجالس الرجالية؟!

مدينة عيسى، المنامة ، رأس الرّمان - زينب عبدالنبي 

01 مارس 2004

بينما يشتد الصياح والتمتمات، وتطغى رائحة الفحم المحترق، المحتمي بطناجر عاشوراء العملاقة، في تلك الأثناء يبلغ لعب الأطفال أمام الباحة الأمامية للمأتم النسائي ذروته، وتحل هبات النسيم محل الدخان الساخن. عانت القائمات على المأتم في السنوات الماضية من طبخ الكميات الكبيرة من الأرز واللحم، ويتضاعف التعب، وانصباب حبات العرق، كلما امتزج الدخان، بحرارة الصيف الحارقة، أما هذا العام فلعاشوراء نكهة مميزة، ونسيم بارد، وأثواب سوداء ثقيلة.

وقبل أن يبدأ مأتم بدرية عبدالواحد «أم نادر» في مدينة عيسى، تحلقت النساء لتجهيز الحلويات، وخلطة بالمشموم، لنثره أثناء ذكر القاسم بن الحسن، وقصة استشهاده، في الرواية، حينها اغتنمت الفرصة، لأسجّل في دفتري آراء النساء.

قالت المُلاّية «أم محمود» بأن «الروايات التي تتم قراءتها في المأتم، منقولة من كتب المؤرخين»، مشيرة إلى أن «أول رواية ومأتم عُقد في الشام».

أما «أم هاشم» فذكرت أن «الروايات مُكررة، وتعيد نفسها». أما ابنة أم هاشم فقد انتقدت بشدة هذه الروايات، «لعدم دقتها، لاسيما إنها مؤلفة من قبل نساء لا يحظين بمستوى عالٍ من الثقافة». واعتبرت أن فيها «مبالغات».

أم هاشم المتعلقة بالمأتم التقليدي، لم تنكر فائدة المحاضرات وضرورة وجود «الخطيبة»، بل أقرت بأن «للمحاضرة» فائدة أكبر من حيث الإستفادة، إلا إنها في الوقت ذاته استنكرت «ضعف وندرة الجانب المأساوي عند الخطيبات، وذلك عكس الخطباء المتمكنين، والأفضل من النساء» على حد تعبيرها. وبسؤالها عما قدم لها المأتم التقليدي تجيب: «الكثير من الناس لا يعرفون قصة أهل البيت (ع)، والمأتم يقدم لهم القصة بأكملها، وكثير منهن كُن غير ملتزمات، وبفضل المأتم تعلّمن الكثير».

أما خديجة السيدعلي «مُوظفة» أكدت أن «الجانب السلبي في المآتم التقليدية موجود، إلا أن تلك المآتم ربت أجيالا، فمنذ أن كنت صغيرة تصطحبني أمي إلى المأتم، فعرفت قصة الإمام الحسين (ع) بأكملها».

ومن مدينة عيسى، إلى المنامة، إذ تكثر المآتم في أروقة العاصمة، وتفوح رائحة اللحم وأرز الربيان المموّش «لمّوّش»، ويكثر السواد المزركش بالعبارات الثورية، وأقوال الإمام الحسين (ع). وبالقرب من مأتم القصاب، نُصبت خيمة مُغلفة «بالرايبون» تجتمع فيها النساء لمشاهدة «مواكب العزاء» التي يشتد حماسها كلما مرت بالقرب من الخيمة.

لم أتمكن من دخول القسم النسائي بالطابق العلوي التابع لمأتم القصاب، وذلك لاكتظاظه بالنساء اللاتي حضرن من المنامة، ورأس الرمان، والنعيم، وربما من مناطق أخرى، لسماع الخطيب «العراقي»، فاضطررت لافتراش الأرض المجاورة للمأتم، كما افترش الأرض غيري، لأسمع ما يقول، ولمعرفة سبب الإقبال الهائل على هذا المأتم الرجالي، والذي لم ألحظه في أي من المآتم النسائية التقليدية والتجديدية حتى.

سألتُ من كانت تجلس قربي، هل ستذهبين إلى المأتم النسائي بعد انتهاء هذا المجلس؟ وقبل أن تجيب ابتسمت ابتسامة غريبة، واردفت: «لا داعي للاستهبال بطرح مثل هذه الأسئلة!... فأنا لا أحضر إلا المآتم الرجالية، إلى أن تُحسن المآتم النسائية من وضعها، وتبتعد عن الإستغراق الممل في التاريخ، والانغماس في المأساة». هكذا أجابت على سؤالي المتطفل، ولم تعرني مزيدا من الاهتمام بعد ذلك!

انتهى خطيب مأتم القصاب، الذي يبدأ بعد انتهاء مأتم الصفافير، وبعد انتهاء المأتمين الرجاليين، صاحبي الحضور النسائي الهائل، شددتُ الرحال إلى رأس الرمان، فهناك يقوم مأتم نسائي «تجديدي»، كانت بدايته على يد عدد من الشابات النشيطات إبان انتفاضة التسعينات، ويُسمى مأتم بيت البصري. غالبية حضوره من الشابات، إذ يبدأ بمحاضرة تلقيها إحدى الخطيبات، ومن ثم يبدأ مجلس العزاء، «بلطمية» وبألحان حزينة، تتخللها مشاهد تمثيلية، مصحوبة بموسيقى حماسية، وبمؤثرات صوتية.

تحدثتُ إلى إحدى الحاضرات في هذا المأتم، وبدت «مُقتنعة بمستوى الأداء»، إذ قالت: «بعد أن ينتهي مجلس سيد ضياء الموسوي في مأتم رأس الرمان الكبير، أحضر لهذا المأتم، لما يتخلله من تجديد ومن ذكرٍ راقٍ للمأساة، ولما يُعرض فيه من مشاهد مؤثرة يختلط فيها الجانب الرثائي بالتوعوي».

هل سيحدث اكتظاظ المآتم الرجالية بالنساء، ثورة نسائية على واقع مآتمهن، أم سيبقى الحال على ما هو عليه؟! وهل ستنتقل عدوى المآتم التجديدية النادرة إلى المآتم الأخرى؟! أسئلة ربما يُجيب عليها موسم عاشوراء المُقبل أو بعد المقبل بعشر سنوات

العدد 543 - الإثنين 01 مارس 2004م الموافق 09 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً