صرح رئيس الأساقفة السابق جورج كاري في خطاب مدروس له عن المشكلات التي تعترض الإسلام اليوم بأن الإيمانَ قائم على ثقافة العنفِ والدكتاتورياتِ السياسيةِ وان هذا العصر يعتبر من أظلم العصور التي مرت على المسلمين ما أدّى إلى ركودِ عملية الابداع في القرون الأخيرة.
وعلى عكس بعض المسيحيين المتشددين أمثال روبرت سيلك، فان جورج يَعترف بالحضاراتِ الإسلاميةِ العظيمةِ التي سادت في الماضي ومساهمتِها الفاعلة في التقدّم الحضاري. لكنه أيضا يدعي بأن المسلمين لا توجد لهم أهداف محددة وقلوبهم مليئة بالحقد كما أن جيوبهم مليئة بالمتفجرات.
ويواصل جورج خطابه باتّهام المسلمين بعدم القيام بعمليات تفجير انتحاريةَ كافية في «إسرائيل» ولكنه في خطابه الطويل هذا لا يَطْلب أبدا مِن يهود بريطانيا شَجْب السياسات الدموية لرئيسِ وزراء «إسرائيل» آرييل شارون. وعلى كل حال فإننا نحن المسلمين تعودنا على سياسة الخطابات الفارغة والمعايير المزدوجة.
ويؤكد جورج أن المسلمين في حاجة ماسة إلى الإصلاح فمعظم المفكرين العرب يدركون جيدا بأن الاستبداد والتحفظ والهمجية تعتبر الآن الصفة الرسمية السائدة لأكثر الدول الإسلامية والكثير مِنْ الجماعاتِ المسلمةِ المهاجرة. هذه الهمجية باعتقاده تعتبر نذير شؤم لأنها تقتل الأمل والطموح والتميز بداخلنا بل أنها تقتل الحياة نفسها.
لكن المسيحيين مدركون جيدا الدور الذي لعبه زعماء الغرب الذين تأثر معظمهم بالفكر المسيحي في تشجيع هذه الحال من التخلف لأنها تخدم مصالحهم. فكيف نبرر الدعم القوي الذي تظهره الحكومات المنافقة للولايات المتّحدة والمملكة المتحدةِ لنظام الطاغية في أوزبكستان الذي يمتلك سجلا مروعا في انتهاكات حقوق الإنسان فلا يمر أسبوع من دون أَنْ يوضع الإسلام في الواجهة بقَصد إثارة ردود الفعل المسيحية المعادية.
لقد حان الوقت لتفعيل دور الإيمان في العالمِ بدلا من محاولة تحريف التوراة لإيجاد تبريرات غير مقنعة لجرائم ترتكب بحق البشرية مثل تجارة العبيد الأطلسيةِ والتفرقة العنصرية. ومع ذلك فان بعض الجماعات المسيحية الصالحة تحاول أن تركز جهودها لنبذ هذه الانتهاكات. فإذا أردنا تقييم الأثر الذي تركته المسيحية من منظور خاص خلال السَنَوات الـ 75 الماضية هَلْ هو تأثير ايجابي كلي أَو تدميري في غالبية الأحيان؟ يعتقد جورج بأن المسيحية ديانة عظيمة كما صورت أصلا فقد تعلم منها الكثير بنفسه فقد كَتب غاندي عن السيد المسيح: «لقد كان السيد المسيح في حال من مطلق البراءة إذ قدم نفسه تضحية لمصلحة الآخرين بما ذلك أعداؤه، وأصبح فداء للبشرية جمعاء. إنه لعمل عظيم حقا». «لكن الإيمان الراسخ كما يؤكد جورج يتعدى المثاليات و المبادئ المنصوصة أو النماذج البطولية فبسبب الغزو الثقافي والسياسي شوهت صورة الإيمان واستعمل كأداة لتحقيق المآرب الدنيئة للبعض. والسؤال الذي يطرح هنا هو هل الإيمان يفسد المجتمع أم أن المجتمع هو الذي يفسد الإيمان؟ باعتقاد جورج فان المسيحية تبدو أكثر الأديان الرئيسية واشملها رحمة ومغفرة فهو يتذكر عندما كان طفلا صغيرا مُحاولا أَنْ يَفْهمَ الكلمات المكتوبة تحت تمثال السيد المسيح على الصليبِ في الكنيسة. لقد كانت كلماته مليئة بالمغفرة والتسامح: «أيها الرب اغفر لهم فهم لا يدركون ما هم فاعلون».
ويؤكد جورج أن الكثير مِنْ الأفراد اليوم يتبعون كلمات وعقيدة السيد المسيح إذ يحكي في خطابه عن قصة امرأة بريطانية كانت متزوجة برجل قتل في إبادات جماعية. هذه المرأة تبحث عن قتلة زوجها حتى تخبرهم بأنها مستعدة للصفح عنهم. لكن أين جوهر المغفرة هذا بين قوى الاستكبار العالمية المسيحية اليوم أمثال جورج بوش وطوني بلير والذين يسيطر عليهم جنون الثأر لدرجة أنهم يَشْعرونَ بأنّهم يَمتلكون كل الحق في معاقبة آلاف المذنبينِ والأبرياءِ على حد سواء لمجرد أنهم يعتبرون الأقوى. إن الدين الذي يدعو إلى السلامِ لم ينتشر في العالم فعليا بعد فهؤلاء المسيحيون الذين يدعون الإخلاص أَصْبَحوا جلادي العالم بتبريراتهم غير المقنعة. لقد قال بلير بنفسه في إحدى خطبه إنه وجد صلابة شديدة جديدة في نفسه بعد هجماتِ 11 سبتمبر/أيلولِ. كما أن الولايات المتّحدة الأميركية سوف لَنْ تَتزحزح في قرارها المتعلق بغلق معسكر اعتقال غوانتنامو الذي بنته خصيصا لهذا الغرض.
وعلى العكس مما يدعو إليه معظم المسيحيين، فقد كان السيد المسيح رجلا مثاليا بمعنى الكلمة لتواضعه ودعوته إلى المثابرة والصفح عن أخطاء الآخرين. على رغم ذلك كله، فان عدد القتلى الذي خلفه المسيحيون في حروبهم ومذابحهم منذ الثلاثينات بما في ذلك الحربان العالمية الأولى والثانية يفوق بكثير عدد القتلى في الحروب الأخرى بين طوائف دينية أخرى. والقصة نفسها تتكرر اليوم فلا المسلمون ولا الوثنيون ولا البهائيون ولا أية طائفة دينية أخرى في العالم تمتلك أسلحة الدمار الشامل بقدر ما يملكها المسيحيون.
فعندما ننظر إلى السياساتِ المحليةِ وأنظمة العدالة في الولايات المتّحدةِ والمملكة المتحدةِ نجد أن معظمها سياسات تأديبية وقبيحة جدا لا تمت للمسيحية بصلة. يبدو أنه لا شيء يمكن أن يمحي خطيئة أي إنسان غير العقاب وحده ففي ولاية فلوريدا وحدها هناك ما يقارب الـ 6000,000 سجين حرموا من حقوقهم المدنية والإدلاء بأصواتهم مدى الحياة حتى بعد أن قضوا فترتهم التأديبية في السجن وأبدوا ندمهم وتوبتهم على جرائمهم السابقة. كما أن مسلسل الإعدامات الأميركي للشباب ولمن هم بحاجة للتأهيل لن يتوقف أبدا.
إن مبادئ الحب والكرمِ والضيافة تجاه الغرباء هي تعاليم أخرى لدعوة المسيح لكنها سحقت بسبب قوانين الدول المسيحية وسكانِها الذين ينبذون طالبي اللجوء. وعلى رغم أن الدول الإسلاميةِ لها جوانب عدة مخزية كما يدعي جورج إلا أنهم أكثر جدارة مِنْ المسيحيين أنفسهم في جانب الكرم والضيافة. حتى في العراق فقد أظهروا حبا وكرما مفاجئا للصحافيين البريطانيين وقدموا لهم الطعام بينما كان العدو البريطاني يجوعهم أولا ثم يقصفهم ليحول أجسادهم إلى قطع.
ثم يناقش جورج موضوع التوزيع العادل للثروة إذ يزداد الأغنياء في الغربِ غنى ويزداد الفقراء فقرا وقيمة الإنسان أصبحت الآن تقاس بالباوندات والدولاراتِ. أين هي صفة الإيثار والعدل في توزيع الأموال التي دعا إليها الإنجيل بكل صراحة ووضوح؟ إن الثقافة الجديدة القائمة على الهوس بالذات وحب النفس تعتبر تحريفا لكُلّ الأمور الجيدة بشأن المسيحيةِ. إن الوصايا المسيحية العشر أصبحت مهملة تماما فبلير لا يتورع عن خداع الأمة وتاتشر دمرت إرادة عمالِ المناجم. كما أن هناك أطفال مسيحيون في أيرلندا الشمالية لا يَستطيعونَ الذِهاب إلى مدارسهم من دون مرافقة الشرطة لحِمايتهم مِن مجرمين هم من دمهم ولحمهم.
قد يبدي بعض القراء امتعاضهم اذ سَيَقُولون بأنه ليس بإمكان أي أحد أن يَلقي بلائمة انعدام الإيمان وما آل إليه حال المسيحيين اليوم على الأعمال التي يقوم بها السياسيون الأمراء ورجال الأعمال لأن هؤلاء الناسِ أمثال بوش وغيره لا يمكن اعتبارهم مسيحيين حقا. ثم ماذا عن المساهمات العظيمة التي قدمها المسيحيون للعالم في مجالات العلم والطب والفنون والأدب ومجال حقوقِ الإنسان والحريات والديمقراطيةِ؟ نعم، من الممكن أن نقبل هذه الاعتراضات فمن غير العدل أيضا أن نركز على الجانب المظلم للمسيحيين فلقد عملوا بجد ومنحوا العالم الكثير كما فعل المسلمون في الماضي.
لكن في الوقت الحاضر فان الإسلامَ والمسلمين كافة يواجهون عمومياتِ غير عادلةِ و إزدراءات واتهامات شاملة ما هو شعورنا نحن المسلمين تجاه ذلك؟
العدد 581 - الخميس 08 أبريل 2004م الموافق 17 صفر 1425هـ