ألقى سيدمحمدحسين فضل الله خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك، بحضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، ومما جاء في خطبته السياسية:
ما الأولويات العربية؟ هل هي إصلاح الأنظمة التي أدمنت الدكتاتورية ومصادرة حقوق الإنسان والشعوب وتطلّعات المواطنين في الحرية وتداول السلطة؟... أم هي إصلاح الجامعة العربية التي وُلدت في الحضن البريطاني، ونشأت في ساحة الملعب الاميركي الذي صادر قراراتها لحساب مصالحه وسياسته، وأدخل أكثر من تعقيد في اجتماعاتها على صعيد القمة أو وزراء الخارجية أو المندوبين الذين يُراد لهم أن يتحركوا من خلال الوحي الذي ينزل عليهم من وراء الكواليس العالية؟... أم هي فلسطين التي أثقلت الكاهل العربي الرسمي فعمل على التخفف منها بإدخالها في متاهات سياساته وخلافاته، وفي المشروعات الاميركية المتحركة في سياق المشروعات الإسرائيلية؟... أم هي الاحتلال الاميركي - البريطاني للعراق الذي خلق للمنطقة كلها أكثر من مشكلة أمنية وسياسية واقتصادية من خلال تأكيده مصالحه المتنوّعة، ومنها محاصرته لدول الجوار العراقي - بما فيها سورية ولبنان وإيران والخليج، وربما تركيا - في اللعبة السياسية الجديدة المتنوّعة الأبعاد، على قاعدة السيطرة المباشرة على مقدّرات المنطقة، لا على طريقة الوكلاء؟؟
إن العالم العربي يتساءل: ما الأولوية الكبرى، وما الضمانة لنجاح قمة جديدة صادرها حاكم عربي واحد، وهل يستطيع تحريك عجلة الإصلاح مَن كان حكمه مرتكزا على الفساد والإفساد، وهل يخطط للحرية المسئولة مَن صادر حرية شعبه وحوّل بلده إلى سجن كبير، ومواطنيه إلى مهجَّرين ومهاجرين خوفا من أجهزة المخابرات وقوانين الطوارئ التي لا تزال تحكم الناس باسم الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي انتهى مع أكثر من بلد عربي، لأن القضية هي حماية الحاكم من الشعب لا حماية الشعب من الحاكم ومن اميركا و«إسرائيل»؟!
أما فلسطين، فإن الأكثرية العربية الرسمية لا تزال تعيش العقدة من الانتفاضة التي تمنع تقديم التنازلات لحساب الحلف الإسرائيلي - الاميركي، وتعمل على ترويض المجاهدين وتدجينهم أو الضغط عليهم من قِبَل السلطة التي يُراد لها ـ عربيا واميركيا وإسرائيليا - أن تحاصر المجاهدين وتجمع أسلحتهم وتضيّق على حريتهم السياسية الحركية، حتى لا يضغطوا على اتفاق التنازلات المطروحة من خلال الموفدين الاميركيين الذي لا يريدون الحل على أساس مصلحة الشعب الفلسطيني، بل على أساس تنفيذ الاستراتيجية الصهيونية اليهودية التي تأخذ العنوان اليهودي كعنوان عنصري يمثّل الخطر على كل العرب في داخل مناطق الـ48 أو الـ67.
كما أنهم يحركون خريطة الطريق في اتجاه الشروط الإسرائيلية التي تجعل مشروع الدولة الفلسطينية المزعومة مشروعا لا يحقق للشعب الفلسطيني حريته في تقرير مصيره في دولة مستقلة قابلة للحياة... ولذلك، فإن الجدار العنصري والمستوطنات لا تواجه أيّ ضغط من قِبَل اميركا، والتي لا تسمح لأوروبا وروسيا والأمم المتحدة - شركاؤها في اللجنة الرباعية - أن يمارسوا أيّ ضغط على «إسرائيل»...
أما الانسحاب من غزة، فإنه لا يزال يمثل اللعبة الصهيونية التي تتجاذبها السياسة الاميركية بما يرضي أنصار «إسرائيل» في اميركا لحساب الانتخابات الرئاسية المقبلة، باعتبار أن السياسة الخارجية في اميركا تخضع لحاجات السياسة الداخلية الانتخابية، الأمر الذي يجعل سياسة العالم خاضعة للطموحات الانتخابية الداخلية لمرشحي الرئاسة أو مجلس النواب والشيوخ، لأن اميركا تريد أن يخضع العالم - ولا سيما الشرق الأوسط - للحاجات الاميركية، لا أن تخطط سياستها لحاجات الشعوب.
أما العراق، فلا يزال في دائرة الاهتزاز في قضاياه الداخلية في الأمن والاقتصاد والسياسة والثقافة، وفي المعاناة الشعبية، وفي الأفق الضبابي المستقبلي في اللعبة الخفية الغامضة أمام السؤال الكبير: هل تبقى قوات الاحتلال هي المسيطرة على مقدّراته، والمهيمنة على قراراته، والحاضنة لمستقبله، أم أن الأمم المتحدة هي التي تدير انتخاباته وقضاياه، وهل تسمح لها اميركا بدور قيادي في إدارة الشئون العامة مع الشعب العراقي، أم أن الأمم المتحدة تتحرك إنسانيا وإداريا على هامش السياسة الاميركية؟
إن الشعوب العربية لا تثق بالجامعة العربية التي يسيطر عليها الحكّام الحائرون في الطريقة التي يخدعون فيها شعوبهم، ويحافظون على ماء الوجه في غياب العصا السحرية التي تأتي بالمعجزة، لأن الذين شربوا كأس التأجيل والتجميد والمصادرة لكل قضية عربية في الجولة الأولى، سيشربون من الكأس نفسه في الجولة الثانية من خلال الظمأ الحاد للشراب الاميركي الذي تمتزج فيه الحلاوة بالمرارة... أما الإصلاح والحرية وحقوق المرأة وفلسطين، فإنها تنتظر وتراوح مكانها، أو تتحرك خطوة إلى الوراء وخطوة إلى الأمام بحسب القرار الاميركي
العدد 581 - الخميس 08 أبريل 2004م الموافق 17 صفر 1425هـ