هناك توجهان في إحياء عاشوراء، أولهما التقليدي الذي يرى أن الاقتداء بسيرة المعصومين غير وارد وليس لإحياء ذكرهم كبير أثر على واقعنا وحياتنا بحجة أن هؤلاء هم أهل البيت قد كتب الله عليهم ذلك وهم يختلفون عنا وما لهم ليس لغيرهم. وثانيهما: النبيه الذي يدرك معنى قوله سبحانه «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» (الأحزاب:21)، وبأنه سبحانه أرسل لنا بشرا مثلنا ولو شاء لأنزل لنا ملائكة لتصح عندها المقولة الأولى عليهم وأنه (ص) قال: «إني مخلف فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا».
هذا التوجه يتخذ من أهل البيت قدوة عملية يستمد منها كلما مر الزمان دروسا وإسقاطات لا متناهية على الواقع، وتطبيقا على ذلك ومن وحي عاشوراء وفي يوم المرأة فلنناقش المحطات الآتية:
أولا: المرأة والمشاركة السياسية: قال تعالى: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (التوبة: 71).
فالمؤمن قد يتسنم منصب وزير أو نائب برلماني ويقوم بواجب الإصلاح بكل أنواعه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من باب كونه وليا على المؤمنين والمؤمنات وقد تتسنم المؤمنة هذه المناصب وتقوم بالعمل نفسه من المنطق نفسه وهو ولايتها على المؤمنين والمؤمنات. فالآية لم تفرق وعنه (ص): (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته). اللهم إلا فيما يتعلق بالولاية العامة ونرى في سيرة أهل البيت (ع) وهي المفسِّرة أن فاطمة الزهراء (ع) كانت لها مشاركة سياسية واضحة حين خرجت في جماعة من نساء قومها وذهبت إلى مسجد أبيها وخطبت خطبتها الشهيرة، أما في واقعة الطف فإن العقيلة زينب (ع) هي ليست مشاركة فقط فهذا الوصف قليل في حقها لأنها كانت القائدة للركب بأجمعه من بعد أخيها الحسين (ع) والبقية هم المشاركون، وقامت بمسئولية القيادة بكفاءة واقتدار، من رعاية الأطفال والنساء وابن أخيها المريض علي بن الحسين (ع) ومن القيام بالمهمات الإعلامية المهمة التي أكملت الصورة وحققت أهداف ثورة أخيها (ع) ولا نرى أثرا للمفاهيم السائدة حاليا من أن صوت المرأة عورة وإلا لما تكلمت الزهراء ولا العقيلة ولا فاطمة الصغرى. فالآية تقول: «فلا تخضعن بالقول» (الأحزاب: 32) ولم تقل ولا تتكلمن واصمتن فالكلام من الرجل والمرأة لبعضهما ينبغي أن يكون للحاجة فقط ومن دون ريبة وخضوع، ما يبعث في النفس الريبة ويحرك كوامنها ولا نرى أثرا ملموسا كما يتردد من أنه «خير للمرأة ألا ترى رجلا وألا يراها رجل»، نعم هو خير بالتأكيد ولكنه ضرورة في الوقت نفسه لو تم ترشيدها فستسير سفينة الحياة إلى الأمام، فالاختلاط المرشد المحكوم بضوابط أخلاقية هو ما تكلم عنه سبحانه «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم» (النور: 30) و«قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن» (النور: 31) و«لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها» (النور: 31) ولو كان الاختلاط ممنوعا بشكل نهائي مرشدا أو غير مرشد فإنه لا داعي لذكر غض البصر من الطرفين ولبس الحجاب للمرأة لأنه لن يكون هناك التقاء مطلقا ولما خرجت النساء إلى المسجد في زمن الرسول (ص) وحضرن درسه وخطبت الزهراء (ع) نفسها التي تنسب لها هذه المقولة وخرجت النساء مع الحسين وخطبت زينب وفاطمة الصغرى. إننا لا نرى ضيرا لدى المسلمين في صدر الإسلام الأول من تسنم المرأة لمواقع قيادية فعائشة كانت على رأس حرب الجمل وبغض النظر عن الصحة أو الخطأ في هذه الحرب فإنه لم يكن شيئا مستنكرا لدى الفقه السني قيادة امرأة للحرب ولا نقول إن المرأة تصلح لهذه المهمة الصعبة على تكوينها قبل كل شيء ولكنه لم يكن مستنكرا والحال هذه فإن تسنمها لمواقع أخرى أقل شأنا ينبغي أن يكون مفروغا منه ونحن نرى أنه سبحانه أثنى على الصفات القيادية في بلقيس وهي امرأة وأوضح كيف أنها برجاحة عقلها أخرجت قومها من الأزمة وأوصلتهم إلى بر الأمان حين لجأت أولا إلى الخبراء المحيطين بها بما يشبه مجلس الشورى فقالت «ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون» فردوا عليها بأنهم عاجزون وفي الوقت نفسه واثقون برجاحة عقلها «والأمر إليك فانظري ما تأمرين» فقالت «إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة» وبعد قولها هذا تأتي جملة (آية) تعقيبية منه سبحانه يثني على كلامها فيقول سبحانه «وكذلك يفعلون» والله سبحانه لا يثني على أي كلام وهو من النوادر في القرآن، فسبحانه شهد لها برجاحة العقل وبصفاتها القيادية، فمن أين بعد هذا تأتي أفكار من مثل حرمان المرأة من حق التصويت أو الترشح أو تسنم المناصب القيادية عدا الولاية العامة التي لا تعني رئاسة الدولة ولا الوزارة ولا حتى القضاء فكلها مناصب أقل من الولاية العامة التي تكون للرسول (ص) وللأئمة المعصومين عند الشيعة وللخلفاء الراشدين عند السنة ثم عند الفريقين لمن يجمع الشرائط ويحل محل «المعصوم أو الخليفة».
إن كل رواية أو حديث أو نظرة تتعارض مع القرآن الكريم والسنة يضرب بها جانبا فلا «شاوروهن ثم خالفوهن» لها أثر من القرآن وسيرة الرسول (ص) وأهل بيته (ع) ولا «ما أفلح قوم ولوا أمرة امرأة» فهاهم قوم بلقيس قد أفلحوا وهم ولوا أمرهم امرأة أوصلتهم إلى الخلاص، وحتى الحديث «جهادكن حسن التبعل» لا يعني منع المرأة من الخروج وإنما ردا على النسوة اللاتي ذهبن يستأذن الرسول (ص) للخروج للقتال لنيل شرف الشهادة فقال لهم هذا القول من باب تقسيم العمل كل وما يناسب تكوينه فقدرة الرجل الجسدية تناسب القتال ونعومة المرأة ورقتها وعاطفتها تناسب توفير الجو الأسري المستقر الذي ينبثق عنه أفراد أصحاء نفسيا منتجون «حسن التبعل» وحسن التبعل لا يستهلك كل وقت المرأة فماذا تفعل بالفراغ إن لم تتوجه للمشاركة في نهضة المجتمع الذي لا يقوم بالرجال فقط فإنها ستتوجه حتما لسفاسف الأمور ولا تلام.
ثانيا: المرأة والافتاء والمشاركة في الحركة الفكرية والأدبية: إن حتى مسألة الافتاء نرى النساء في صدر الإسلام الأول محدِّثات ومناقشات ومجادلات، ففاطمة الزهراء (ع) وقفت تناقش الخليفة الأول أبا بكر في حقها في الإرث فاستدلت على منطقها بالقرآن وقالت «وورث سليمان داوود» وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: «فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب» وقال: «وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله» وقال «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين» وقال «إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين» وزعمتم: ألا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أَفَخصّكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم هل تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟ أولست أنا وأبي من ملة واحدة؟ إلى آخر احتجاجها أليس هذا افتاء واستنباطا؟
وفي حديث أن عائشة أم المؤمنين ذُكر أمامها أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، أي يعذبه الله وقد ذكر أمامها أنه حديث عن الرسول (ص) فردت «ولا تزر وازرة وزر أخرى» إذ كيف يعذب على جرم أهله إذ يعتبر أصحاب هذا الرأي أن البكاء على الميت ذنب.
إن التاريخ الإسلامي يذكر الكثير من المحدثات من الشيعة والسنة فهناك إضافة إلى عائشة وفاطمة الزهراء، أم سلمة وشهدة بنت أبري التي كانت تدرس رجالا خرج منهم رواة مثل (ابن عساكر) و(ابن الجوزي) وهناك إشارات في التاريخ لا ندري لماذا يُغض الطرف عنها من أن سكينة بنت الحسين (ع) التي شاركت أباها في ثورته شاركت بعد ذلك في الحركة الثقافية والأدبية وكان لها مجلس أدب وكانت أديبة عالمة تقية عفيفة لا يُنال منها ولا يتجرأ حتى الأعادي على النيل من سمعتها، خطبها أكابر الرجال ولكنها متعففة وهي التي من شدة تبتلها لقبها أبوها بسكينة من السكينة والوقار بعد أن كان اسمها آمنة.
إن تعطيل طاقات المرأة الفكرية والعلمية والأدبية تعطيل لنصف المجتمع وتمييز لا يقره الشرع بل العرف والتقليد فقط.
إن ملف المرأة وحقوقها من أهم القضايا الساخنة التي ينبغي عدم تغافلها وينبغي إعادة النظر إسلاميا في الكثير من الرؤى الشائعة وعرضها على القرآن والسنة لتمحيصها ثم بعد ذلك نطلب السند القانوني - بعد الشرعي طبعا - من المسئولين من إصدار قانون للأحوال الشخصية يشرف عليه علماء الشريعة بمساعدة قانونيين واجتماعيين وعلماء نفس ومن تطبيق اتفاقات القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة وتخصيص حصص للمرأة في البلديات والبرلمان والجمعيات إلى آخره من القوانين التي تساعد على حماية المرأة من الظلم الاجتماعي.
عفاف الجمري
العدد 581 - الخميس 08 أبريل 2004م الموافق 17 صفر 1425هـ